مستقبل الاتفاق ينتقل إلى الساحة الإيرانية

0 478

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

الرد الاولي لإيران على انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة قبل سنة ونصف جاء من قبل الرئيس حسن روحاني الذي حاول تهدئة الجمهور على ضوء التهديد السياسي الجديد الذي جاء من واشنطن. لقد قال إن «ترامب لا يستطيع الغاء الاتفاق النووي».
إذا كانت توجد شخصية تراجيدية واحدة في قصة الاتفاق النووي فهي روحاني. 15 سنة بالضبط مرت منذ أن ارسل رئيس إيران في حينه، محمد خاتمي، مستشاره للامن القومي روحاني، لاجراء مفاوضات مع الدول الاوروبية الثلاث العظمى ـ المانيا وفرنسا وبريطانيا ـ حول ما سمّاه «الصفقة الكبرى»، بمصادقة الزعيم الاعلى علي خامنئي، خاتمي اقترح أن تقلص إيران عدد أجهزة الطرد المركزي لديها إلى 3 آلاف، وأن تسمح برقابة شديدة على المنشآت النووية وأن توافق على التفاوض مع الدول الثلاث التي مثلت ايضا الولايات المتحدة بشأن التعاون في مجالات اخرى. هذا الاقتراح موجود ضمن رسالة مفصلة ارسلها خاتمي لرئيس الولايات المتحدة جورج بوش. الرئيس السابق لم يرد وضغط بشدة على الدول الاوروبية من اجل عدم الموافقة على عرض إيران. روحاني عاد خالي الوفاض وخاتمي أمر بتسريع تطوير النووي الإيراني.
روحاني كان على قناعة بأن الفرصة الثانية التي منحت له عند انتخابه رئيسا في العام 2013 للتفاوض مع الدول الست العظمى ستثمر عن الاتفاق الذي أراده وعمل عليه أمام كل خصومه. روحاني فعليا نجح في انجاز اتفاق غير مسبوق، فقط من أجل أن يراه يتحطم على يدي رئيس أمريكي يعتبر في نظر العالم شخصاً شريراً وكاذباً وخطيراً على السلام العالمي. قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق يظهر إيران كدولة مسؤولة تنفذ الاتفاق بكامل تفاصيله، بينما الولايات المتحدة تخرق الاتفاق الذي وقعت عليه. التناقض هو أن قرار ترامب يحول إيران إلى خاسرة تستحق الدعم، ليس لأنها دولة ممتازة، بل بسبب الاشمئزاز الذي يثيره ترامب. هذا ليس عزاء كبيراً لإيران التي ستضطر إلى مواجهة سلسلة جديدة من العقوبات، في الوقت الذي لا توجد فيه ضمانة لمواصلة الدول الاوروبية الوقوف إلى جانب الاتفاق. هذا عزاء أصغر للعالم الذي لا يستطيع توقع أن إيران ستوافق على إجراء مفاوضات أخرى مع الدول العظمى في الوقت الذي لا تحترم فيه الدولة العظمى والاقوى في العالم توقيعها.
منذ التوقيع على الاتفاق النووي عملت القيادة في إيران على اظهار الاتفاق كنجاح ـ اتفاق سيحدث تغييراً دراماتيكياً في الوضع الاقتصادي للدولة، وسيجلب الاستثمارات الاجنبية التي ستنشيء المصانع وتقوم ببناء البنى التحتية، وبهذا تبدأ عملية اعادة بناء اقتصادي من شأنها أن تقلص نسبة البطالة المرتفعة، لا سيما في اوساط الجامعيين. روحاني ومؤيدوه ومن بينهم رئيس البرلمان علي لاريجاني، شرحوا بأن الاتفاق ليس فقط لن يضر بقدرة إيران العسكرية، بل سيمنحها مكانة جديدة في المجتمع الدولي. هذا الاتفاق سيزيل اسباب التمرد والاحتجاج في إيران ضد النظام، وبهذا سيساعد في استقرار الدولة.
من يعارضون الاتفاق لم يتوقفوا في أي يوم عن انتقاده، تبريراتهم تراوحت بين الخضوع لاملاءات الدول الكولونيالية، الاضرار الكبير بقوة الردع الإيرانية، التهديد بدخول الثقافة الغربية تحت غطاء الاستثمارات الاجنبية وتعزيز مكانة الاصلاحيين الذين يريدون تغيير نهج النظام. إيران، قال المحافظون، يجب عليها الاعتماد فقط على نفسها، سواء في المجال العسكري أو المجال الاقتصادي.
تعليمات الزعيم الاعلى للتوقف عن الانتقاد العلني للاتفاق أسكتت القليل من الاصوات المعارضة، حيث أنه حسب رأيه فان هذا الانتقاد هو انتقاد له، لأنه القائد الذي أعطى الضوء الاخضر للمفاوضات والتوقيع على الاتفاق النووي. خامنئي هو الذي صك مفهوم «المرونة البطولية» التي تملي في ظروف معينة التحادث مع الاعداء عندما يكون الامر يخدم المصالح الإيرانية.
بناء على ذلك فان مسؤوليته عن الاتفاق لا تقل، بل تزيد، عن مسؤولية روحاني. من هنا فان انسحاب الولايات المتحدة والتهديد بتفكك جميع الاتفاق من شأنه أن يضع الزعيم الاعلى في موقف محرج. على هذه الخلفية تسمع مؤخرا تصريحات مشوشة واحيانا متناقضة من كبار الزعماء في إيران. في حين أن وزير الخارجية جواد ظريف قال إن إيران ستعود إلى تخصيب اليورانيوم السريع وتجديد المشروع النووي، وقال روحاني إن إيران يمكنها مواصلة التمسك بالاتفاق النووي، «هذا يتعلق بموقف باقي الدول الموقعة». أي أنه إذا وقفت الدول الاوروبية وروسيا والصين إلى جانب إيران، فبامكانها تقليص تأثير العقوبات الأمريكية الجديدة، وبذلك يمكن أن تسجل إيران لصالحها خلق الخلاف الاعمق الذي وقع بين اوروبا والولايات المتحدة منذ الحرب العالمية.
الخيارات الواقعية لإيران ليست بناء على ذلك في مجال تجديد الاتفاق النووي، طالما أنها ترى نفسها ملتزمة بالاتفاق، بل بادارة مفاوضات مع الدول الاوروبية من اجل تطبيق اتفاقات التجارة والاستثمارات التي بدأت بالتدفق إلى إيران، لضمان أن الاستثمارات الحالية والمستقبلية ستحظى بضمانات كاملة من النظام، وربما ايضا اعطاء اشارات بشأن الاستعداد للتباحث بصورة منفردة على باقي المواضيع مثل تطوير الصواريخ البالستية، وبهذا التقليل اكثر من الوزن الإقليمي للولايات المتحدة، التي تركت العراق وانسحبت من سوريا. المحافظون في إيران، كما عملوا حتى الآن، سيزيدون الضغط للانسحاب من الاتفاق، ورؤية انسحاب الولايات المتحدة ليس فقط ذريعة، بل هو ايضا دليل على ادعاءاتهم التي تقول إنه يجب عدم الثقة بالغرب، والولايات المتحدة بشكل خاص، وأن الدول الاوروبية والولايات المتحدة هي كتلة واحدة ويجب عدم التمييز بينها، وأن إيران يمكنها أن تثبت مرة أخرى قدرتها على التطور والبقاء من دون اعتمادها على الآخرين مثلما عملت في العقود الاخيرة.
في الساحة الداخلية المحافظون سيحولون الرئيس روحاني إلى أوزة عرجاء، ليس فقط لم ينجح في ترجمة الاتفاق إلى انجازات ملموسة يمكن للجمهور أن يتمتع بها، بل كمن ضلل بلاده. في ظل غياب قوة موازنة قوية للدعم الذي منحه ترامب للمحافظين في إيران، ودفع الاصلاحيين إلى زاوية بائسة ومحبطة، سيضطرون فيها إلى الانضمام للجو المناويء لأمريكا الذي يؤجج الشارع، وستتعزز سيطرة الحرس الثوري والحركة الراديكالية اللذين هدد الاتفاق احتكارهما للاقتصاد.
في هذا الوضع يصعب القول إن القيادة في إيران تريد أو يمكنها البدء في مفاوضات جديدة حول المشروع النووي أو الصواريخ البالستية، إلا إذا مدت لها يد داعمة من أوروبا بعد تخلي ترامب عن نير الاتفاق الذي كرهه منذ اللحظة الاولى، هذه الآن مسؤولية اوروبا في أن تمسك بزمام قيادة العمليات الدولية وليس فقط في إيران.

هآرتس 9/5/2018

مستقبل الاتفاق ينتقل إلى الساحة الإيرانية
إعلان ترامب يظهر طهران كمن يفي بالاتفاقات وأمريكا كدولة لا تحترم توقيعها
تسفي برئيل

عين على العدو
المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: