ما الذي تخاف منه إسرائيل؟

0 3٬615

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قليلة هي السيناريوهات الاكثر اخافة لإسرائيل من استمرار الاحتجاج المدني الجماهيري في غزة، وانتشارها إلى الضفة وتحولها إلى انتفاضة شعبية شاملة ضد الاحتلال. من اللحظة التي يجمع فيها التمرد المدني زخما ويضع قيادة ميدانية وجدول اعمال خاص به، سيجذب إلى داخله مئات آلاف الاشخاص من كل شرائح المجتمع، من الجنسين ومن كل الاعمار ولن يعود بالامكان وقفه، لا بواسطة القناصة ولا بواسطة قذائف الدبابات ولا بواسطة القصف من الجو، وحتى لا بواسطة الفيتو الدائم للولايات المتحدة في مجلس الامن.
انتفاضة شعبية كهذه ـ سواء دفعت إلى الهامش القيادات الحالية للسلطة الفلسطينية وحماس أو إذا اندمج هؤلاء في قيادتها ـ ستضع من جديد القضية الفلسطينية على رأس اجندة المجتمع الدولي، وستقتضي ردا لا يمكن سلطات الاحتلال الإسرائيلية من المواصلة. أدوات الرد ـ كل قرارات الامم المتحدة التي تعتبر بالحقوق الوطنية للفلسطينيين وتقرير المصير ودولة مستقلة في حدود 1967 وقبول فلسطين كعضو عادي في مؤسسات الامم المتحدة ـ موجودة منذ سنوات كثيرة، واتسعت جدا في العقد الاخير بفضل النشاط الذي لا يكل لأبو مازن. ما هو مطلوب الآن على الصعيد الدولي هو اتخاذ خطوات تؤدي إلى تنفيذ القرارات القائمة.
هذه بالضبط التطورات التي تريد إسرائيل منعها بواسطة اندماج استخدام القوة القاتلة في وجه المتظاهرين الغزيين، ودعاية تحريضية كاذبة ضدهم وضد كل جهة إسرائيلية تتجرأ على إسماع احتجاجها. استخدام القناصة من خلال اعتبار أن كل من يقترب من الحدود محكوم عليه بالموت، أدى حتى الآن إلى عدد كبير من القتلى وإلى عدد لا يمكن تخيله من المصابين بالنار الحية، بينهم المئات الذين سيبقون مع اعاقة طوال حياتهم. الدعاية تعرض المتظاهرين الذين تم اطلاق النار عليهم كمخربين، ومعظم المتظاهرين كمبعوثين متحمسين من قبل التنظيمات الإرهابية والمحتجين الإسرائيليين كخونة.

نار لإرهاب الغزيين

إطلاق النار القاتل استهدف زرع الرعب في أوساط الغزيين وإبعادهم عن موقع المظاهرات، لكنه يجذب إلى منطقة الجدار الشباب الشجعان الذين في معظمهم خالي اليدين ومنفردين ويحملون الزجاجات الحارقة أو العبوات البدائية مستعدين للتضحية بانفسهم. قادة الجيش والدولة في إسرائيل معنيون بأقل عدد من المظاهرات الشعبية والجماهيرية امام الجدار وبأكبر عدد من الصدامات مع الاشخاص الافراد الذين يحاولون اجتياز الجدار، لأن الاخيرين ليسوا سوى «مخربين»، وضد المخربين كل الوسائل مسموحة، حتى عندما لا يعرض هؤلاء حياة أحد للخطر.
ولكن القيمة الاضافية في الحقيقة لمن يعتبرون مخربين ليست بالنسبة لقتلهم، بل استغلالهم لاغراض الدعاية التي تحرف الانتباه بعيدا عن الواقع ـ بعيدا عن الاحتلال وعن الحصار الإسرائيلي وعن الخراب الذي زرعته إسرائيل في غزة في عملية «الجرف الصامد» وعن النضال الفلسطيني من اجل الحياة والحرية ـ وتضعه مع اعمال التخريب أو حتى بهدف تنفيذها، والتركيز على الضحية الإسرائيلية المعروضة بصورة عكسية كمدافعة في وجه من جاؤوا لقتلها.
يبدو حقا أن دعاية التحريض الإسرائيلية وصلت في هذه المرة إلى ذروة جديدة من النذالة والخبث (كم هو مؤسف أن وسائل الاعلام تواصل وضع نفسها في خدمة آلة الكذب العسكرية ـ السياسية)، لكن الاسلوب نفسه ليس جديدا. على مدى عشرات السنين كان الدمج الناجح من جهة إسرائيل هو التنكر للاحتلال والنضال الفلسطيني من أجل الاستقلال من خلال جهد مستمر لدفع الفلسطينيين نحو الكفاح المسلح والمواجهة العسكرية. في الحرب السياسية والاخلاقية إسرائيل لا تستطيع أن تنتصر طالما تستمر في الاحتلال، في حين أنها في المسار العسكري فمن المضمون أن تبقى القوة المنتصرة دائما.
الحالة الوحيدة التي استطاع فيها الفلسطينيون التغلب على الاستراتيجية الإسرائيلية التي تتمثل بالتنكر للاحتلال ودفع الفلسطينيين إلى مواجهة مسلحة، كانت الانتفاضة الاولى ـ الانتفاضة الشعبية غير المسلحة الكبرى التي قام بها سكان الضفة وغزة ضد سلطات الاحتلال ـ التي تشكل علامة فارقة في التاريخ الفلسطيني وتاريخ النزاع. المستوى العالي من التنظيم والتكتل، التواصل والرسالة السياسية الحادة والواضحة للانتفاضة، هزت المجتمع الإسرائيلي وحققت للحركة الوطنية الفلسطينية انجازات غير مسبوقة في الساحة الدولية والاقليمية. المقام هنا لا يتسع للتحدث عن المسألة المطلوبة: لماذا لم تؤد هذه الانجازات في حينه إلى انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة، خاصة ازاء خطة السلام الشاملة التي عرضتها م.ت.ف في تشرين الثاني/نوفمبر 1988، التي في اطارها اعلنت المنظمة موافقتها على حل الدولتين.

تحول السلطة إلى دولة

الأمر الواضح هو أنه منذ أزمة خطة أوسلو وفشل قمة كامب ديفيد، إذا لم يكن قبل ذلك، فإن إسرائيل لم توفر أي جهد عنيف من أجل إحباط تحول السلطة الفلسطينية إلى دولة مستقلة في الضفة والقطاع. إلى جانب الوسائل التي تهدف إلى منع احتمالية سيادة ووجود ـ فإن توسيع السيطرة على اراضي الضفة والمستوطنات فيها، فصل سكان الضفة في جيوب عديمة التواصل، حصار خانق على قطاع غزة ـ إسرائيل تعمل على منع، بكل ثمن، تكرار التمرد الفلسطيني المدني الشامل، لكونه الامر الوحيد (باستثناء تسوية مفروضة) الذي من شأنه أن يهدد استمرار الاحتلال.
من أجل تجسيد هذا المفهوم كرد على مظاهرات الاحتجاج الجماهيرية في الاسابيع الاولى من الانتفاضة الثانية، كانت هناك تداعيات حاسمة على العقود القادمة. في البداية كانت تلك ضربة نار لم يعرف مثلها حتى ذلك الحين ـ «مليون رصاصة في تشرين الاول» ـ تم اطلاقها على المتظاهرين، اغلبيتهم غير مسلحين، وأسقطت مئات الشهداء وآلاف الجرحى. بعد ذلك (من بداية تشرين الثاني 2000) تم استخدام سياسة «التصفيات» التي وجهت في المرحلة الاولى إلى زعماء ورجال اجهزة حركة فتح، هذا التصعيد مهد الطريق للنتيجة المرجوة. المظاهرات الجماهيرية تلاشت، في المقابل سجلت عسكرة متزايدة للانتفاضة في المناطق وبعد ذلك الانتقال إلى تنفيذ العمليات الإرهابية داخل إسرائيل. على المدى البعيد هذه التطورات كانت حبلى بالكارثة بالنسبة للفلسطينيين، وخدمت بشكل جيد إسرائيل لأنها منحتها فرصة لتثبيت السيطرة السالبة والممزقة للاحتلال.
منذ إعادة إحتلال مدن الضفة في 2002 وإسرائيل تضطهد بصورة مستمرة وبقوة شديدة كل مظهر من مظاهر المقاومة الشعبية، حتى لو كانت محلية: لذلك الجيش يقوم باطلاق النار الحية على متظاهرين غير مسلحين موجودين في أراضيهم، ويطارد بشدة نشطاء النضال غير العنيف في القرى التي تم سلب اراضيها (انظروا حادثة عائلة التميمي) ويهاجم كل ليلة المدن والقرى ومخيمات اللاجئين، ويقوم باعتقال وسجن الكثيرين (في كل شهر يتم اعتقال 500 شخص تقريبا)، ويضع زعماء سياسيين في الاعتقال الاداري.
لا يجب الاستنتاج من ذلك بأنه لولا تصعيد استخدام القوة من قبل إسرائيل كان سيتطور تمرد مدني في المناطق. كما تعلمنا تجربة الانتفاضة الاولى، فإن تطور موجة احتجاج وتحولها إلى انتفاضة شعبية شاملة مشروط أولا وقبل كل شيء بقدرات الفلسطينيين. ضعف السلطة ازاء فشل عملية اوسلو، غياب م.ت.ف ومؤسساتها، المواجهة بين فتح وحماس والانقسام بين سلطتين سياديتين، تستمر في المس بالقدرة على بناء البنى التحتية التنظيمية الضرورية لتحريك تمرد كهذا وتوجيهه إلى الهدف السياسي المأمول.
الدكتور ناصر اللحام، المحرر الرئيس لوكالة الانباء الفلسطينية «معا» اشار في مقال نشره في 1 نيسان/أبريل إلى ثلاث عقبات تقف في طريق مسيرات غزة وتمنع تحولها إلى ثورة سلمية: الاولى، غياب قيادة ممثلة ذات صلاحيات للانتفاضة المدنية، التي يجب أن تكون متميزة تماما عن المقاومة المسلحة وقيادتها. الثانية، غياب هدف ورسالة سياسية واضحة وقابلة للتحقق. الثالثة، غياب التعاون بين القيادات السياسية، طالما أن التنظيمات السياسية المختلفة تحارب بعضها من اجل جني ثمار النضال الشعبي، فإن الجمهور والنضال سيخرجان خاسرين.
الطريق ما زالت طويلة. يجب علينا الأمل بأن يجد الفلسطينيون لديهم الشجاعة والحكمة من أجل التغلب على هذه التحديات التي تواجههم.

هآرتس 11/5/2018

ما الذي تخاف منه إسرائيل؟
أكثر ما تخشاه هو انتفاضة شعبية مدنية لأنها ستحرجها في التعامل معها أمام العالم
مايا روزنفيلد

عين على العدو
المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: