الجمال ليس غبيًّا.. هيدي لامار فاتنة هوليوود التي ساعدت في اختراع الـ«بلوتوث»

0 495

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

أية فتاة بإمكانها أن تكون ساحرة الجمال، فقط عليها أن تقف بلا حراك وتحدق في الكاميرا ببلاهة *هيدي لامار

كانت دائمًا ما تقول إن العقول المتقدة، والشخصيات الفريدة، قد يتم تدميرها من قبل أغبى العقول، فاجعل عقلك متقدًا بالأفكار اللامعة على أية حال. هي هيدي لامار، فاتنة هوليوود، ونجمة الأربعينيات من القرن الماضي بلا منازع، أرادت كل شيء وانتهى بها الحال بالموت وحيدة في منزلٍ متواضع.

كانت معاناتها تكمن في أن كل من عرفوها، لم يعرفوها حق معرفة؛ إذ تم التعامل معها على أنها مجرد فتاة جميلة غبية، تسطع أمام الكاميرات فقط، وطوال حياتها أرادت أن تسجل مذكراتها، بحروفها الخاصة، وذلك لتقدم ذاتها الحقيقية إلى الجمهور الذي لم يعرف منها سوى الوجه الجميل الساحر.

ماتت لامار قبل أن تتمكن من كتابة هذا الجزء الخفي من حياتها، إلا أن شرائط تسجيلاتها الصحافية، ظلت حية، ومنها صنعوا فيلمًا وثائقيًا يروي الجانب الخفي من حياتها بعنوان «Bombshell: The Hedy Lamarr story»؛ هذا الجانب الذي كانت تعكف فيه على دراسة العلوم والاختراع، لتصبح في النهاية واحدة من أهم العلماء في أربعينيات القرن الماضي، دون أن يدرك ذلك أحد؛ إذ اخترعت لامار نظام القفز الترددي، والذي ساهم الآن في كل ما نشهده من الوسائل التكنولوجية الحديثة التي نستخدمها يوميًا، بدءًا من استخدام واي فاي (Wifi)، وبلوتوث، وصولًا للأقمار الصناعية.

«الجمال كان لعنتي»

«وجهي كان لعنتي الكبرى، لقد اجتذب إليه ست زيجات فاشلة، كما اجتذب كمغناطيسٍ عين كل الأشخاص الخطأ إلى مخدعي، ولم يجلب لي سوى المأساة والحزن، وعلى مدار 50 عامًا؛ كان وجهي قناعًا لم أستطع إزالته، وكان عليّ التعايش معه إلى الأبد، ولهذا أمقته».

(هيدي لامار نجمة هوليوود في عصرها الذهبي)

هكذا تحكي لامار وهكذا عاشت طوال حياتها في صراعٍ دائم ما بين عقلها المتقد، وجمالها؛ فظلت لسنواتٍ تظن أن الجمال لعنتها، لأنه أخفى عقلها، بل أخفاها عن أن تكن مرئية، وهو ما دفعها لتأليف كتاب تروي فيه أجزاءً من حياتها الخاصة، وقصص أزواجها الست بعنوان «Ecstasy And me: my life As a woman»، إلا أن الكتاب لم يرو كل شيء عن حقيقتها، وعلى الرغم من أنها مقتت الجمال، إلا أنها سعت إليه في أيامها الأخيرة؛ فأرهقت وجهها بعمليات التجميل منذ أتمت الأربعين من عمرها وحتى وفاتها؛ إلا أن التجميل لم يستطع أن يعيدها إلى صورتها الأولى، تلك الصورة الشابة التي عرفها الجمهور بها، فاختبأت داخل منزلها، ومنعت نفسها حتى عن أولادها، ربما لظنها بأنهم أرادوها أيضًا هيدي لامار، الفنانة التي سطع نجمها في أربعينيات القرن الماضي ولم ينطفئ أبدًا، ولقبت بأجمل امرأة في العالم.

كانت تبلغ من العُمر 64 عامًا، عندما نشرت صفحات الجرائد عنها، «هيدي لامار: منعزلة ومثيرة للشفقة، كبيرة في السن وقبيحة»، مُشيرين إلى أنها مختبئة دائمًا داخل شقتها، خائفة حتى من أن تفتح الباب، وهو الأمر الذي أدى بها إلى رفع دعاوى قضائية على الصحف، بتهمة التشهير، في حين يقول عن ذلك أولادها في الفيلم الوثائقي الذي تم إنتاجه عن حياتها عام 2017، أن لامار عزلت نفسها في ذلك الوقت حتى عنهم، لينتهي بها الحال بالوفاة وحيدة في منزلها الصغير، عن عُمر يناهز 85 عامًا، وذلك في يناير (كانون الثاني) من عام 2000.

تقول هيدي لامار في تسجيلٍ صوتي معها: «عقول الناس أكثر أهمية من مظهرهم، ولكن على الرغم من ذلك اعتقد الناس عني أنني مجرد شيء جميل غبي»، ولكن في الواقع تمتعت لامار منذ نعومة أظافرها، بذكاءٍ حاد؛ إذ كانت مُحبة للاختراع، وفي الخامسة من عمرها قامت بتفكيك أجزاء علبةً موسيقية، وتجميعها مرةً أخرى لتعمل بنفس كفاءتها، قائلة: «الاختراعات بالنسبة إليّ كانت أمرًا سهلًا فعله».

(هيدي لامار في لقاءٍ تليفزيوني عام 1969)

كانت تسير مع أبيها، الذي كان مولعًا بالتكنولوجيا، لساعات طويلة، وتسأله عن كيفية سير المركبات والقطارات، ليخبرها ما يعرفه عنهم؛ ومن هنا نشأت تلك الرابطة الوثيقة بينها وبين أبيها، وهو الأمر الذي جعل موته نقطة تحول في حياتها.

في طفولتها، لم تكن تدرك أنها جميلة؛ إذ كان ما يثير اهتمامها، شيء آخر، وهو فصول الكيمياء في المدرسة الخاصة التي ارتادتها بمدينة فيينا، فيقول عن ذلك صناع الفيلم الوثائقي، أنها في عصرٍ آخر كانت لتصبح واحدة من أهم علماء العالم، إلا أن جمالها قد حجب عن الأعين ذكاءها الحاد؛ إذ وما إن بدت عليها مظاهر الأنوثة في مراهقتها، حتى أصبحت مأخوذة هي الأخرى بقدرة جمالها على تحويل الأنظار إليها في كل مكانٍ تدخل إليه، وهو الأمر الذي دفعها دفعًا إلى شاشة السينما.

«هيدي لامار»: من مشاهد العري إلى السياسة

في السادسة عشر من عمرها، انتبهت لامار للوجه الذي تمتلكه، واتجهت إلى المصورين الفوتوغرافيين حيث التقطوا لها صورًا فوتوغرافية بملابس وبدون؛ إذ كانت تشعر في تلك الفترة بأنها جاهزة لتنتقل إلى المرحلة التالية من حياتها، فاتجهت إلى استديوهات السينما، ولم يمر سوى يومين، وكانت قد حصلت على دور في أحد أفلام مدينة فيينا، إلا أن الفيلم الذي عرفها به الجميع كان «Ecstasy»، إنتاج عام 1933.

كان الفيلم يمثل صدمة للجميع؛ إذ ظهرت فيه لامار عارية في أكثر من مشهد، وكان الفيلم هو الأول الذي يتناول موضوعًا شائكًا، هو النشوة الجنسية؛ إذ يحكي عن فتاة صغيرة تم تزويجها من رجل كبير في السن، وقد حظي الفيلم حينها على ردود فعلٍ قوية، حتى وإن كانت معارضة، فتم منعه من العرض في عددٍ من الدولِ كان من بينهم ألمانيا النازية، والولايات المتحدة الأمريكية، لكنه كان بوابة الدخول للنجومية بالنسبة إلى لامار.

تزوجت هيدي بعد ذلك بقليل، كانت في التاسعة عشر من عمرها، عندما تقدم لخطبتها تاجر الأسلحة والذخائر النمساوي فريتز ماندل، والذي كان يكبرها بـ14 عامًا، والذي أراد أن يزين نفسه كأي رجلٍ ذي نفوذ بامرأةٍ جميلة. كان ماندل هو أول احتكاكٍ لها بعالم السياسة، كان متحالفًا مع النازيين في ألمانيا، وإيطاليا الفاشية، يمدهم بالأسلحة، وعلى الرغم من أن هتلر كان يتجنب أن تتم رؤيتهم سويًا من قبل العامة ووسائل الإعلام حينذاك، نظرًا ليهودية تاجر الأسلحة، إلا أن موسوليني قد حضر ضيفًا في منزل ماندل، أثناء زواجه من لامار.

كان هذا الزواج هو الذي ربط النجمة الشابة حينذاك بمراكز القوى السياسية في العالم؛ إلا أن حياتها رغمًا عن ذلك كانت تعيسة؛ إذ فرض عليها الزوج سياجًا حديديًا، فكان شديد الغيرة، مهووسًا بجمع كل نسخ وصور فيلمها العارية، كما قام بوضع كل تصرفاتها تحت المجهر؛ فكانت الخادمات تتجسسن على مكالماتها الهاتفية، كما كان هناك دائمًا من يراقب خطواتها، قد تكون لامار قد اقتربت من مراكز النفوذ في ذلك الوقت، إلا أن زوجها كما صرحت أكثر من مرة، لم يكن يسمح لها بدخول مصانعه الخاصة بالأسلحة، وكانت الحياة معه أقرب إلى سجنٍ غير محدود المدة بحسبها، وهو الأمر الذي دفعها للهروب ليلًا، لتنهي بذلك فصلًا هامًا من حياتها، قائلة عنه: «لم أستطع أن أكون مجرد شيء في منزله».

لم يكن هذا هو الفصل الوحيد من حياة لامار الذي احتكت فيه بالأنظمة السياسية؛ إذ نما داخلها كره للنازية، نابعًا من كونها يهودية، وهو الأمر الذي دفعها للوقوف بجانب الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب العالمية الثانية، وذلك قبل أن تحصل على الجنسية الأمريكية عام 1953؛ إذ كان يتم استخدامها لتشجيع الجنود على الحرب، فزارت العديد من الولايات لجمع التبرعات، وكانت ترقص مع جنود البحرية العائدين من المعارك، كعادة الكثير من الفنانين حينذاك.

على جانب آخر قدمت لامار للولايات المتحدة الأمريكية، اختراعها القائم على نظام القفز الترددي، لاستخدامه إبان الحرب؛ والذي كان قادرًا على تغيير الترددات المستخدمة في توجيه الطوربيدات بالسفن البحرية؛ إذ استخدمت كل ما سمعته يومًا من زوجها وشركائه عن الذخيرة والسلاح في حفلات العشاء، في عمل رسم تخطيطي لأنظمة الاتصالات والترددات، وهو ما ساعدها في إتمام اختراعها، إلا أنها تلقت حينها ردًا غير متوقع، «اتركي هذا الأمر للخبراء، واذهبي لتفعلي ما تجيدينه».

اختراع الـ«بلوتوث».. التطور يأتي دائمًا بعد فوات الأوان!

تقول عنها ألكسندرا دين، مخرجة الفيلم الوثائقي عنها، أنها كانت تقضي نهاراتها المُرهقة بين استوديوهات هوليوود، جنبًا إلى جنب مع نجوم العصر الذهبي للسينما أمثال جيمي ستيورات وكلارك غابل، أما الليل فكانت تقضيه داخل منزلها في العمل على اختراعاتها؛ إذ كان لديها مختبر خاص داخل المنزل.

(الإعلان الرسمي للفيلم الوثائقي: Bombshell: the story of hedy lamarr)

اقتحمت لامار عالم هوليوود عقب طلاقها من فريتز، إذ توجهت إلى بريطانيا أولًا، ثم إلى الولايات المتحدة، حيث أرادت أن تتعاقد مع شركة الإنتاج الهوليوودية «جولدن ماير»، وهو الأمر الذي نجحت فيه، لتظهر بعد ذلك في أولى بطولاتها الهوليودية «Algiers»، إنتاج عام 1938، لتصبح بعدها واحدة من أهم نجمات هوليوود وأكثرهن جمالًا، فقدمت لامار عددًا من الأفلام التي تم استقبالها بشكلٍ جيد خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان من أهمهم فيلم «شمشون ودليلة»، إنتاج عام 1949، إلا أن الحياة الهوليوودية وحدها لم تعد تكفيها؛ إذ وفي بداية الأربعينيات من القرن الماضي، أرادت هيدي أن تواصل طريقًا كانت قد بدأته في طفولتها، وهو الاهتمام بالعلوم التكنولوجية والاختراع.

كانت اختراعات لامار في البداية بسيطة جدًا، مثل تعديل تصميم إضاءة إشارات المرور، أو عمل قرص يذوب ليصبح مشروبًا غازيًا؛ إلا أنها تعمقت بعد ذلك لتشارك في عمل تخيل لتعديل أجنحة الطائرات، لتصبح أقل استهلاكًا للوقود، لكن يظل اختراعها الأكثر أهمية هو «نظام القفز الترددي»، والذي اخترعته مناصفةً مع الملحن الأمريكي جورج أنثيل، وأصبح يتم استخدامه اليوم بشكلٍ أكبر في مجال تكنولوجيا الاتصالات، في كل ما نعرفه من وسائل تكنولوجية حديثة، مثل الواي فاي (Wifi) والبلوتوث، والأقمار الصناعية، والهواتف الخلوية.

(أوراق عمل هيدي لامار)

يحكي عن ذلك أنثيل في كتابه «Bad Boy Of Music»، قائلًا: «كنا نتحدث عن الحرب، وكانت لامار تفكر جديًا في اعتزال الفن، والانتقال إلى واشنطن، حيث تتاح لها الفرصة لتعرض خدماتها على مركزٍ كان قد تم إنشاؤه حديثًا للمخترعين إبان الحرب العالمية»؛ إذ وكما يشير أنثيل أراد كلاهما الانتقام من هتلر بهذه الطريقة، مُضيفًا أن كل ما أرادوا فعله هو البقاء في المنزل واختراع شيء ما؛ ولأن جورج كان يعمل على تقنية خاصة لعازفي البيانو، تمكنه من العزف على أكثر من 16 آلة في آنٍ واحد، تمكنوا من استخدام نفس التكنيك لتغيير ترددات الراديو.

وفي عام 1942، وخلال ذروة حياتها المهنية، حصلت لامار هي وصديقها الملحن جورج أنثيل على براءة اختراع لفكرة «نظام الاتصالات السرية»، وهو نظام القفز الترددي، والذي كان يهدف إلى تغيير الترددات الراديوية بشكلٍ مستمر، حتى يعجز الأعداء عن فك رموز الرسائل اللاسلكية، أو تتبع صواريخ السفن الحربية، والتي كان يتم التحكم بها عن طريق الراديو حينذاك، وهو النظام الذي قاموا باختراعه تحديدًا ليساعد الولايات المتحدة على كسب الحرب العالمية الثانية ضد عدوها النازي.

كان هذا الاختراع خطوة هامة في تطوير تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية، ويهدف إلى الحفاظ على أمن كل من الاتصالات العسكرية، والهواتف اللاسلكية، وعلى الرغم من أهميته إلا أن البحرية الأمريكية لم تستخدمه في حربها؛ إذ لم يكن متوقعًا أن تساهم فنانة وملحن موسيقي في عمل اختراع علمي؛ فتم الاستهزاء بهما من قبل البحرية بعبارة: «هل تريدون عزف بيانو على الصواريخ الحربية؟».
وهو الأمر الذي أحبط لامار؛ لأنه كان تذكرة عبورها الوحيدة ليتم الاعتراف بها باعتبارها امرأة ذكية، وليس مجرد دمية جميلة، وعلى الرغم من أن وزارة الدفاع بالولايات المتحدة قد قامت باستخدام الاختراع فيما بعد في كوبا عام 1962، إلا أنها لم تحظ حينها بالتقدير اللازم على هذا الاختراع؛ إذ كان هناك قانون يُسقط صلاحية براءة الاختراع بعد عدد معين من السنين، ليصبح ملكيةً عامة، وقد سقطت براءة الاختراع عام 1959؛ ولم يتم تكريم لامار ولا أنثيل إلا عام 1997؛ إذ حازوا على جائزة بايونير، وهي أكبر جائزة معروفة في مجال الابتكار.

لم تحضر لامار مراسم الاحتفال، كان الاكتئاب يحيط بها من كل جانب، بعد أن فقدت كل جمالها إضافةً إلى كل ما تملك من نقود، أخبرت ابنها أن الأمر مُتعلق بالتوقيت؛ فقد انتظرت لامار تلك الجائزة في أربعينيات القرن الماضي، إلا أنها قد جاءت متأخرة نصف قرن.

The post الجمال ليس غبيًّا.. هيدي لامار فاتنة هوليوود التي ساعدت في اختراع الـ«بلوتوث» appeared first on ساسة بوست.

منوعات

رابط المصدر الاصلي للمقال
المقال نشر عبر خدمة rss الالية وادارة الموقع لا تتبنى محتواه و لا ما يرد فيه من اراء

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: