عودة العسكري الأميركي والوهم العربي

7

خرج علينا كل من البيت الأبيض الأميركي والديوان الملكي السعودي ببيان متزامن، مضمونه الاتفاق على استقبال قوة عسكرية أميركية، قوامها خمسمائة من العسكريين، وصلت بالفعل إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية، قرب العاصمة الرياض، من دون تفاصيل أكثر عن تشكيل تلك القوة أو مهامها ودورها. حصل ذلك وسط مناخ أمني مضطرب، يسود منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج خصوصا، وذلك بعد مرور قرابة ربع قرن على رحيل القوات الأميركية عن أراضي شبه الجزيرة العربية، في أعقاب حرب الخليج الثانية الشهيرة بعمليات “عاصفة الصحراء” لتحرير الكويت من احتلال عراقي في العام 1991، وبعد استعادة الأوضاع في الكويت طبيعتها، واستقرار الأوضاع على المناطق الحدودية السعودية معها، وانتهاء الوجود العسكري الأميركي المباشر على الأرض السعودية، وإن كان التعاون والتحالف العسكري الاستراتيجي بين البلدين بقي قائما في صور أخرى عديدة. صدر البيان الأميركي ـ السعودي المتزامن على الرغم من المناخ الأمني المضطرب، القائم في المنطقة، وعلى الرغم من الإعلان المتكرّر من الرئيس الأميركي، ترامب، أنه يسعى إلى إعادة كل القوات الأميركية الموجودة في الخارج إلى الأراضي الأميركية، خصوصا الموجودة في الشرق الأوسط، سواء في العراق أو سورية، وحتى في أفغانستان. وهو بالطبع لا يقصد القواعد العسكرية الأميركية الخالصة، وأهمها في قطر والإمارات والكويت والبحرين، وكذا القواعد والمراكز اللوجيستية، ومستودعات التسليح والذخائر، والتي لا تستخدم إلا عند الضرورة، وهي موجودة في دول كثيرة في المنطقة، وعادة لا يتم الحديث عنها، أو الإفصاح عن مواقعها، وإسرائيل من أهم الدول الموجودة فيها تلك القواعد، من غير الدول العربية.
ليس من المتصور أن قوة قوامها خمسمائة عسكري، أياً كانت طبيعة تخصصاتهم، أو مهامهم، أو قدراتهم، قادرة على توفير الحماية والأمن لدولة بحجم السعودية. إذا كان الأمر كذلك، ما هي الأسباب الحقيقية وراء عودة “العسكري الأميركي” إلى أرض الجزيرة العربية، ليس 

لإنشاء قاعدة عسكرية أميركية، ولكن للعمل في إطار نسيج القوات السعودية وتشكيلاتها ووحداتها؟ وما الهدف من الضجة الإعلامية التي صاحبت ذلك الإجراء، والإعلان المتزامن من الطرفين؟ والأهم: لماذا يتم ذلك في هذا التوقيت؟ مع الوضع في الاعتبار حقيقة مهمة، وهي أن الدولة السعودية، وعلى مدى أكثر من 25 عاماً، منذ رحيل القواعد العسكرية الأميركية عن أراضيها بعد حرب الخليج الثانية، أنفقت آلاف مليارات الدولارات على شراء منظومات التسليح المتطورة من أميركا، وتم تدريب آلاف المبعوثين العسكريين في الداخل والخارج، ويتم تصنيفها إحدى أكبر القوى العسكرية، ليس فقط في المنطقة، بل على المستوى العالمي، بمعيار الحجم، والكم، وقوة النيران، من دون الوضع في الاعتبار، للأسف، معايير القدرات النوعية.
للإجابة عن تلك الأسئلة شديدة الأهمية، علينا العودة إلى طبيعة المناخ الأمني السائد في المنطقة العربية عموماً، وفي منطقة الخليج خصوصا. هناك عدة محطات رئيسية: الأولى في العام 2003، والغزو الأميركي السافر للعراق، وإسقاط نظام صدام حسين تماماً، وكان هناك تصوّر، في البداية، أن الخطر الرئيسي على النظام السعودي قد انتهى، ولكن لم ينتبه بعضهم إلى أن سقوط صدام صاحبته بداية تغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة، ولكن السعودية بدأت تلعب دوراً إقليمياً ملحوظاً. الثانية في العام 2011، مع انطلاق الربيع العربي، مع ما حمله من شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وكان هناك تصور، في بداية انطلاق الربيع، أن تلك الشعارات ستسري في العالم العربي سريان النار في الهشيم، ولن تستثني أي نظام. ولكن الثورات المضادة جاءت لتقف سداً أمام سريان تلك النيران، وكان للدعم السعودي أثره الفعال في دعم تلك الثورات المضادة، وهو ما دعم دورها الإقليمي، وأكسبها مزيداً من الثقة في قوتها، وزاد من تلك الثقة توثيق العلاقات مع الإدارة الأميركية في ظل رئاسة ترامب، والتي زادت السعودية من حجم صفقات السلاح معه بما يقترب من خمسمائة مليار دولار، وزادت عليها أخيرا صفقات بما يقرب من سبعين مليار دولار. وازدادت ثقة النظام السعودي بقوته، وقدرته على أن يكون مركزاً للقرار في المنطقة، إلا أنه واجه مشكلة تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، واقتراب ذلك النفوذ من الجوار السعودي في العراق وسورية، والأخطر في اليمن.
المحطة الرئيسية الثالثة كانت في العام 2015، عندما قرّر النظام السعودي، ولأول مرة منذ قيام المملكة، الخروج بقواته المسلحة خارج حدود الدولة، فأعلنت عن تشكيل تحالف عسكري بقيادتها، يضم عشر دول، وأطلقت عملية عسكرية شاملة، سمّتها “عاصفة الحزم” تأسياً بعملية عاصفة الصحراء، بغرض غزو اليمن للقضاء على سيطرة جماعة الحوثي المتحالفة مع الرئيس اليمني المخلوع في ذلك الوقت علي عبد الله صالح، بزعم تحالفها مع إيران، ولإعادة حكم الشرعية في صنعاء. وكان التصور أن العملية لن تتجاوز أربعة أسابيع على أكثر تقدير، ولكن الحرب ما زالت قائمة، وخلفت أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث، ولم يسقط الحوثي، ولم تعد شرعية عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء. المحطة الرابعة في العام 2017، عندما توافقت السعودية وكل من الإمارات والبحرين، ومعهما مصر، على فرض حصار على دولة قطر، وتفجرت ما عُرف بأزمة الخليج، ولكن قطر لم ترضخ، والأزمة لم تنته.
وتقدم المحطة الأخيرة الإجابة عن الأسئلة المطروحة، وهي ما جرى ويجري أخيرا، سواء 

على مستوى مسرح عمليات اليمن، أو على مستوى مسرح النشاط في منطقة الخليج. بالنسبة لمسرح العمليات العسكرية، انتقل الحوثي من تلقي الضربات داخل اليمن إلى توجيه الضربات داخل الأراضي السعودية، لأول مرة ليس فقط من بداية الحرب، ولكن ربما في تاريخ الدولة السعودية نفسها. هجمات برية على امتداد الحد الجنوبي، هجمات صاروخية، وبطائرات مسيرة على مطارات عسكرية، وأهداف حيوية طاولت منشآت نفطية، مع تفكك التحالف الذي سبق وأنشأته السعودية في العام 2015، وبدأ تراجع الحليف الرئيسي لها، دولة الإمارات، وبداية الحديث عن الحلول السياسية والسلمية.
وبالنسبة للخليج، تم استهداف ناقلات للنفط في مواجهة سواحل إمارة الفجيرة، واضطراب الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، واحتجاز إيران ناقلة نفط بريطانية، بعد احتجاز بريطانيا ناقلة إيرانية في مضيق جبل طارق. في ظل كل تلك الظروف، تراجعت أميركا عن تهديدها إيران، وبدأت تتحدث عن الحوار معها. واتخذت إسرائيل التي تصورت السعودية، للأسف، أنها يمكن أن تكون حليفاً لها ضد إيران، موقف الصمت. ولأن أميركا لن تتخلى عن السعودية بأي حال، ولأنها اكتشفت، أو قرّرت أن تواجه النظام السعودي بحقيقة وهم القوة الذي تعيشه، كان القرار بتوجيه رسالة تحذير واضحة، أنها (أميركا) ستعود بعسكرها إلى شبه الجزيرة العربية، وأنها لن تقبل مجرد العبث بمصالحها في هذه المنطقة تحت أي ظرف.
هل وصلت الرسالة؟ قوة من خمسمائة عسكري مجرد رسالة رمزية إلى كل من يعنيه الأمر، بما في ذلك شعوب المنطقة، وهي المعنية الأهم بالرسالة.

Source link

التعليقات مغلقة.