عبد الحكيم بلحاج.. إسلامي ليبي أجبر الحكومة البريطانية على الاعتذار

0 133

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

لم تغر أموال حكومة بريطانيا رجلًا ليبيًا وجد في ميراث الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي وثائق تثبت تورطًا بريطانيًا أضر به عام 2004؛ فقد خاض الرجل معركة قضائية منذ العام 2011، مرت بخيبات ونجاحات؛ حتى تحقق ما أراد، وحصل على اعتذار بريطاني رسمي.

سجل العاشر من مايو (أيار) الحالي يومًا تاريخيًّا في مسيرة القيادي السياسي الليبي عبدالحكيم بلحاج، أقرت فيه لندن أنها تسببت في تعذيب الرجل وزوجته الحامل آنذاك، وتسببت في سجنه ستة أعوام في سجون النظام الليبي السابق، اعتبر بلحاج الاعتذار بمثابة «رسالة واضحة تثبت أن عبد الحكيم بلحاج ليست له علاقة بأي عمل من شأنه الانتماء لعمل إرهابي».

بلحاج ينتزع اعتذارًا رسميًا من بريطانيا

«أفعال حكومة المملكة المتحدة ساهمت في اعتقالكما وتسليمكما ومعاناتكما. نيابة عن حكومة صاحبة الجلالة، أعتذر لكما بلا تحفظ». نص من رسالة الاعتذار الرسمي الموجهة من رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، للقيادي الليبي عبد الحكيم بلحاج وزوجته المغربية، فاطمة بوشار.

أسدل بعد هذا الاعتذار الستار عن واحدة من أكثر عمليات «جهاز الاستخبارات البريطاني (إم آي 6)» إثارة للجدل، كما جاء في خطاب تيريزا الذي تلاه النائب العام البريطاني جيريمي رايت، أمام مجلس العموم: «الحكومة البريطانية تصدق روايتكما، لم يكن ينبغي معاملة أي منكما بهذه الطريقة. تصرف الحكومة البريطانية ساهم في اعتقالكما، وتسليمكما ومعاناتكما. الحكومة البريطانية شاركت معلومات بشأنكما مع شركاء دوليين»، وبذلك انتزع بلحاج من بريطانيا الاعتذار الذي سعى له منذ سقوط نظام القذافي في العاشر من مايو (أيار) 2018 .

وتعود تفاصيل الحدث الذي نجم عن هذا الاعتذار إلى مارس (آذار) عام 2004 حين قام جواسيس بريطانيون بنقل بلحاج – المعارض آنذاك لنظام القذافي – مع زوجته من تايلاند؛ لتسليمهما إلى ليبيا، حيث تعرض بلحاج للتعذيب، وقضى ست سنوات في أحد أكثر السجون قسوة في ليبيا، وهو سجن «أبو سليم»، كما لم يكتف البريطانيون بتسليمه، بل استجوبه عملاء منهم أكثر من مرة خلال اعتقاله، وكان الاعتقال بالأساس مسئولية عملاء بالمخابرات المركزية الأمريكية، لكن ساعدهم فيه عملاء بريطانيون؛ وذلك لأن المخابرات الأمريكية كانت تمارس آنذاك ما يعرف  بـ«التسليم الاستثنائي»، أو نقل مشتبه فيهم من دولة لأخرى، دون إجراءات قضائية.

لم يصمت «بلحاج» عن حقه، وخاض معركة قانونية ضد وزير خارجية بريطانيا السابق، جاك سترو؛ بهدف الحصول على اعتذار من كل الأطراف المشاركة في تسليمه، وتعرض خلال ذلك إلى محاولات لإغرائه ماديًا لإغلاق القضية، لكنه رفض تقاضي ثمنًا ماديًا مقابل تسوية قضيته، وأصر على تلقى اعتذار رسمي من لندن، وكان القيادي الليبي قد حقق خطوة جيدة في قضيته حين أيدت المحكمة العليا في بريطانيا في يناير (كانون الثاني) 2017، حقه بمقاضاة سترو، بتهمة اختطافه وتسليمه للقذافي.

زوجة «بلحاج» وابنه خلال تسلمها رسالة الاعتذار الرسمي ( المصدر :  PA)

كان بلحاج – الذي شارك في الإطاحة بنظام القذافي إبان ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 – كان محظوظًا أكثر من غيره من الليبيين؛ إذ وجد في أرشيف القذافي الأدلة الدامغة على ضلوع وزراء بريطانيين وكبار المسؤولين بجهاز «إم آي 6» في ملاحقته وملاحقة معارضي النظام، كما كشفت هذه الوثائق عن دور لرئيس الوزراء السابق، توني بلير، بالتفاوض مع النظام الليبي في العام الذي اعتقل فيه بلحاج، لتنفيذ عملية مشتركة تقوم على تسليم إسلاميين منشقين في ليبيا، مقابل تخلّي القذافي عن برنامج الأسلحة النووية.

 وضمن هذ الوثائق كانت هناك وثيقة مرسلة بواسطة جهاز «فاكس» من مدير مكافحة الإرهاب بجهاز الاستخبارات البريطانية الخارجية آنذاك، مارك آلن، إلى رئيس الاستخبارات الأمنية الليبي، موسى كوسا، جاء فيها: «أهنئكم على وصول أبي عبد الله الصادق (عبد الحكيم بلحاج)، كان هذا أقل ما يمكن أن نفعله لإثبات العلاقة الرائعة التي بنيناها على مرّ السنين. أنا سعيد وممتن كثيرًا لكم للمساعدة التي قدمتموها للضابط الذي أوفدناه الأسبوع الماضي».

وقد أكد «بلحاج» خلال رحلة اعتقاله أنه تعرض للضرب والتعذيب، كما أن زوجته الحامل ظلت مُقيدة بالسلاسل على الحائط لمدة خمسة أيام، وأُعطيت الماء فقط، وربطت بشريط لاصق من الرأس إلى القدم، ثم نُقل الزوجان إلى طرابلس في رحلة استغرقت 17 ساعة تقريبًا. وعند وصولهما تم نقلهما بشكلٍ منفصل إلى سجن تاجوراء بطرابلس.

وردًا على هذا القرار، عقد بلحاج أمس مؤتمرًا صحافي في فندق «إيليت وورلد» بمدينة إسطنبول التركية، حيث استلم هناك من السفير البريطاني لدى تركيا رسالة الاعتذار، وقال فيه: «في هذا اليوم التاريخي (الخميس الماضي) عبّرت الحكومة البريطانية عن اعترافها واعتذارها لما لحق بي وبزوجتي منذ عدة سنوات، أعبّر عن امتناني لهذه الخطوة الشجاعة والإيجابية، وآمل أن تكون مثالًا يحتذى من قبل العديد من الحكومات التي لا تراعي حقوق الإنسان». وتابع القول: «ما سعيت أبدًا إلى تعويض مادي، ومطلبي الوحيد منذ البداية هو اعتراف واعتذار من قبل الأطراف التي أوقعت بحقي، وبحق أهلي الظلم».

من هو بلحاج؟

وصف عبد الحكيم بلحاج، أو «عبد الله الصادق»، كما كانوا يلقبونه في الجماعة الإسلامية بأنه أشرس المعارضين لنظام القذافي، «بلحاج» الذي يترأس الآن حزب الوطن ولد في مايو (أيار) عام 1966 في طرابلس، ودرس فيها حتى حصل على شهادة في الهندسة المدنية، وقد خاض الرجل عدة تجارب أبرزها قراره بالقتال في أفغانستان ضد السوفيت، حيث أسس عام 1989 مجموعة ليبية تقاتل هناك، لكن بعد سقوط نظام كابول عام 1992 انتقل إلى السودان، وبقي فيها حتى عام 1996.

القيادي الليبي «بلحاج» (المصدر: جيتي)

ثم عاد بلحاج الى ليبيا، واضطر للإقامة سرًا في منطقة الجبل الأخضر، وانتمى هناك للجماعة الإسلامية المقاتلة التي كانت تسعى لإسقاط نظام القذافي، والجماعة الإسلامية المقاتلة قد أنشأت كجماعة سرية عام 1995 من قِبل ليبيين حاربوا ضد الاتحاد السوڤيتي في أفغانستان. وكان هدفها الإطاحة بالقذافي، وإقامة حكومة إسلامية في طرابلس، وفعليًا اشتبكت في بعض الحوادث مع قوات القذافي في شرق ليبيا، وتولى قيادتها عسكريًا لعدة سنوات بلجاح، في حين كان الليبي سامي الساعدي، هو زعيمها الروحي.

ورغم أن «بلحاج» نجا من حرب القذافي على الجماعة في عام 1996، وتمكن من الهرب، إلا أنه اعتقل بمساعدة أمريكية وبريطانية، كما أسلفنا، وحين تأكد الأمريكيون من عدم انتماء بلحاج إلى تنظيم «القاعدة»، الذي رفض أن يضم «الجماعة المقاتلة» إلى صفوفها، تم تسليمه إلى القذافي الذي كان يضعه على رأس لائحة المطلوبين الإسلاميين لنظامه.

وفي داخل السجن خضع بلحاج ورفاقه لمراجعات فكرية على يد الشيخ الشهير علي الصلابي، ومجموعة من العلماء، وبموافقة النظام الليبي، وبدأت الجماعة تتجه للعمل مع المجتمع، والتأثير فيه، وبقى بلحاج في السجن حتى عام 2010، حيث خرج بموجب عفو صدر عن القذافي.

القذافي وبلير ( المصدر :PA)

ومع اندلاع الثورة الليبية في العام 2011، كان «بلحاج» أول من شارك في إسقاط نظام القذافي، وقاد جماعة إسلامية ساعدت في الإطاحة بالنظام، ووصف حينها بأنه «دينامو» الثورة، التي نفى دائمًا بالفعل صفة التشدد أو التطرف الإسلامي عنها، وبعد سقوط نظام القذافي برز بلحاج كلاعب هام في الحياة السياسية الليبية، وفرض حزب الوطن، الذي أسسه، نفسه في الساحة السياسية، وهو الآن من الشخصيات النافذة في العاصمة طرابلس ومناطق من غرب البلاد.

الإمارات تزج بـبلحاج في أزمتها مع قطر

زجت دول المقاطعة الخليجية بدولة قطر على المسرح الليبي، وكان «بلحاج» واحدًا من أهم الشخصيات الليبية التي أُلحقت دومًا بمعركة هذه الدول مع قطر، فحين حضَّرت الإمارات والسعودية ومصر والبحرين أسماء شخصيات وكيانات ليبية تستخدم كـ«يد قطرية لزعزعة استقرار ليبيا»، كان يأتي في المقدمة بلحاج، بالإضافة إلى مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني والداعية الإسلامي علي محمد الصلابي.

وحتى يومنا هذا لا تكف قنوات تلفزيونية وصحف إماراتية ومصرية بالدرجة الأولى عن تراشق بسيل من التقارير تدعي أنها توثق لتدخلات وأدوار قطرية وتركية مسلحة واستخباراتية في ليبيا، وبمجرد عملية بحثة سريعة تظهر مجموعة من عناوين تلك الصحف، منها «عبد الحكيم بلحاج.. دمية قاتلة تحركها الدوحة لحساب الإخوان»، «عبد الكريم بلحاج.. تاريخ إرهابي أسود»، «عبد الحكيم بلحاج.. الراعي الرسمي لـ(الإرهاب القطري) في ليبيا»، وغيرها الكثير.

وتصف هذه الوسائل «بلحاج» بأنه «رجل قطر الأول» في ليبيا، وتتهمه هذه الدول بأنه «ساهم بتصعيد العنيف وإطالة عمر الأزمة الليبية وإزهاق المزيد من الأرواح»، وتحاول هذه المواد الإعلامية خلق ارتباطات «وثيقةبين تنظيم القاعدة، وجماعة الإخوان، وأمراء الدوحة»، والقيادي الليبي «بلحاج»، فقد جاء في تقرير لصحيفة «البيان» الإماراتية أن «التدخل القطري في ليبيا، لم يكن قاصرًا على دعم بلحاج وبقية الجماعات الإرهابية هناك، وإنما امتد نحو احترافها لعملية نقل مسلحي (داعش) بين سوريا وليبيا».

 أما تقرير لصحيفة «الخليج» الإماراتية فقد جاء فيه أن «مصادر حكومية فرنسية تقدر حجم ثروة الإرهابي الليبي عبد الحكيم بلحاج ومصادرها، بلحاج أصبح واحدًا من بين 100 ليبي اغتنوا بعد الثورة ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بثروة قدرها مليارا دولار»، وذكرت كذلك أن «بلحاج هو واحد من العديد من المتطرفين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي تم تمكينها من السلطة في طرابلس، وذلك بدعم قوي، ودعم مالي واضح من دولة قطر، تبين حتى قبل العقوبات الخليجية الأخيرة عندما أقرت تونس والفصائل الليبية المناهضة للإسلاميين بذلك بما فيهم عناصر النظام السابق».

 أما تقرير صحيفة «البيان» الإماراتية الذي وصف «بلحاج» بأنه «الراعي الرسمي لمصالح الإرهاب القطري في ليبيا»، فقد جاء فيه: «كان على رأس الإرهابيين الذين نفذوا سيناريوهات قطرية مشبوهة في ليبيا؛ مما ساهم في استمرار الفوضى والخراب،
وتعزيز الانقسام بين صفوف الشعب الليبي، وهو الأمر الذي جعل الدول العربية الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب: الإمارات، ومصر، والسعودية، والبحرين، تدرج اسمه في قوائم الإرهاب التي تضم مجموعة من الأفراد والكيانات الممولة من قطر».

وفي صحيفة «اليوم السابع» المصرية يذكر تقرير أن «الدلائل التي قدمها النائب (علي) تكشف دعم قطر المالي بلا حدود لقائد الجماعة الليبية المقاتلة لعبد الحكيم بلحاج في ليبيا، هذا الإرهابي على تحول إلى ملياردير، وأثبت أيضًا تورط الدوحة في اغتيال الرئيس الليبي السابق معمر القذافي»، أما «الشرق الأوسط» السعودية فجاء فيها: «بعدما بات لاعبًا مؤثرًا في المنافسة الحامية بين الإسلاميين والعلمانيين للهيمنة على ليبيا الجديدة، فإن بلحاج ورفاقه يمثلون مثالًا نادرًا للميليشيات السابقة المرتبطة بـالقاعدة، التي لا تسعى فقط لارتداء لباس الشرعية، بل إلى إعادة تشكيل دولة بأكمله».

وقد نفى «بلحاج» الذي أعلنته الإمارات والسعودية ضمن قوائم الجماعات والكيانات الإرهابية المحظورة أن تكون له علاقات مميزة مع السلطات القطرية، وقال لـ«لجزيرة نت»: «ليس لدي علاقة تميّزني عن أي ليبي عاش فترة الثورة، ورأى دور قطر المساند لقضيتنا العادلة المتمثل في دعم سياسي وعسكري».

بلحاج يعي خطر «الدور الإماراتي» بليبيا

بحسب البعض، فقد أسس بلحاج الذي قاد المجلس العسكري للثوار في ليبيا بعد ثورة (17 فبراير) الأخيرة منهجًا إسلاميًا معتدلًا، ويعتبر بلحاج أن «الثورة الليبية كسرت القيود، وسمحت للناس بأن يعبروا عن آرائهم، غير أن جزءًا من هامش الحرية هذا استغل مناخ الحرية للدعوة إلى أفكار لا تمثل الشعب الليبي الوسطي والمعتدل»، كما قال لـ«جزيرة نت»: «نحن قمنا في ليبيا بثورة ضد الدكتاتورية، ولن يسمح بدكتاتورية جديدة تحت أي مسمى، حتى لو كان دينيًا».

بلحاج خلال ثورة (17 فبراير) (المصدر : صحفية الغارديان)

ويرفض بلحاج، الذي قاد الإسلاميين الليبيين، كل محاولات اقصاء إسلاميي ليبيا أو تهميشهم في معركة حكم ليبيا، وهو يرفض قيام أي فرد، أو طرف، باحتكار إدارة ليبيا؛ لأن ذلك باعتقاده سيعيد ليبيا إلى دكتاتورية جديدة، كما يرفض الرجل أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا، ويؤكد على أن العسكري الليبي خليفة حفتر هو أقوى عوامل وجود وتدعيم «الإرهاب» في المنطقة، فهو من رفع لواء الحرب، كما أنه يشجب الدعم المصري والإماراتي لحفتر ويعتبره سلبيًا، مؤكدًا على دعم قوات حفتر والمليشيات التابعة له من قبل الدولتين.

 ويذهب الرجل إلى أهمية الحوار بدلًا عن الحل العسكري الذي يصر عليه حفتر، فهو يرى أن حل الأزمة في ليبيا لن يكون إلا بالطرق السياسية، والاهتمام بمصالح السكان، يقول «بلحاج»: «لن تستطيع قيادة عسكرية السيطرة على ليبيا، لا توجد فرصة لحفتر لحكم ليبيا، وستشهد الأيام على هذا»، وينقل الموقع «ميدل إيست آي» البريطاني عن بلحاج، قوله: «الوضع توتر عندما قام حفتر بالدفع نحو الجنوب، حيث تصادم مع المليشيات من مصراتة والموالية للحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، التي قادت الحرب ضد (تنظيم الدولة) في مدينة سرت».

<

p class=””>

The post عبد الحكيم بلحاج.. إسلامي ليبي أجبر الحكومة البريطانية على الاعتذار appeared first on ساسة بوست.

بانوراما
بانوراما


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: