شاهد على مأساة وطن .1

0 1٬256

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

لا يمكن لأي إنسان مغترب عن وطنه وترك فيه ذكريات حلوة ومرة لن تغيب عن ذهنه لعقود من السنين أن يعيش سعيدا هانئا متنعما مطمئن البال وهو يقضي ماتبقى من خريف العمر بين متاهات الغربة ولهواتها. يتجرع آلامها وغصصها، ويتحمل لياليها الثقيلة الوطأة .

ومهما كانت مدن الغربة جميلة وتتوفر فيها كل مايسر الناظر من مناظر جذابة، وطبيعة ساحرة وخدمات متقدمة ويعيش فيها المغترب موفور الكرامة وحقوقه الآدمية مصانة ومحترمة يبقى تراب الوطن هو الأغلى رغم مافيه من طارئين عليه من عشاق السحت والسلطة الغاشمة الذين نهشوا جسده وأوجعوه، وعاثوا فيه فسادا ،وأكلوا لحم المواطن المحروم بنهم غريب يفوق إفتراس الذئاب الجائعة لفرائسها.

ولم يحاسبوا أنفسهم أو يبالوا بسوء أفعالهم التي جلبت المآسي والويلات لشعبهم ووطنهم بعد أن تمرسوا على إطلاق وعودهم الخاوية في سوق الكذب الرخيص، وذرفوا دموع التماسيح على الحال المأساوية التي خلقتها نفوسهم المتعطشة إلى المكاسب الشخصية المحرمة.

طالما إن هذا الطريق يوصلهم إلى إملاء بطونهم وجيوبهم بالسحت بعد أن أتقنوا أساليب الخداع والتضليل في كل دورة إنتخابية، وعندما يصلون إلى أهدافهم بهذه الأساليب المرفوضة وطنيا وأخلاقيا، ويظفرون بالسلطة والمال من جديد يديرون ظهورهم للمحرومين الذين صدقوهم يلاقون قدرهم ، وطيلة فترة تربعهم على كراسي السلطة أو جلوسهم على مقاعد البرلمان يستمرون في إلقاء الخطب في الفضائيات ومجلس النواب، وفي كل جلسة فضائية أو خطبة برلمانية يراهم المواطن المسكين الذي يدفع ثمن تصرفاتهم وهم يطلقون ألسنتهم بالحديث عن حقوق المواطن ودولة المواطنة ورفض الطائفية والفساد، والوقوف بوجه التدخلات الخارجية وضرورة الإنطلاق نحو البناء والإعمار ولئم جراحات الوطن .

ويهاجمون بعضهم بكل حدة تصل إلى حالة التسقيط والكلام الفاحش ونهش الأعراض ، وكل منهم يلقي باللائمة على غيره بأنه وحزبه أو كتلته هما السبب في تردي حالة الوطن وتراجع الوضع الصحي والإجتماعي والخدماتي فيه.

ولسان حال الواحد منهم كما يقول المثل العراقي ( يكح شيلمان ) أي يسعل فتخرج من سعاله قطعا من الشيلمان وهي قوالب الحديد وهذا أمر مستحيل . ويقال هذا المثل للذين يطلقون الأكاذيب دون أي حياء يذكر.

وقد وصفهم الله في القرآن الكريم ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ملا تفعلون ). وتتسع دائرة المهاترات حتى تشمل المكون الواحد ، ويضيع المواطن في خضم هذه الصراعات العقيمة التي أوصلت الوطن والمواطن إلى حافة الهاوية.

ورغم كل هذه المآسي الكبرى التي خلقها طلاب السلطة والمال منذ عشرات السنين فأن الشخص المغترب لأسباب فرضت عليه هذا الإغتراب المر يظل هاجسه الأول والأخير الرجوع إلى وطنه الذي تركه قسرا ولو عاش في جنة الخلد وكما قال الشاعر أحمد شوقي في بيته الخالد :

وطني لو شغلت عنه بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي

ولهذه الأسباب شددت الرحال إلى الوطن علني أرى فيه بصيصا من الأمل وأقول للغربة وداعا .

وحطت بي الطائرة في مطار العاصمة الحبيبة بغداد، وآجتازت السيارة شارع المطار الجميل الذي تراصفت على جانبيه أشجار النخيل، والساحات الخضراء بشكل يخلب الألباب، وينعش النفوس التي أحرقها الوجد .

وتمنيت أن أرى مثل هذا الشارع في العديد من مناطق بغداد ومدن العراق الأخرى لكي نباهي العالم بعاصمتنا ومدننا.

ونقول إن بغداد ليست أسوأ مدينة للسكن كما تدعون . ولكن خاب أملي حين ودعت ذلك الشارع ودخلت في شوارع متهالكة ، وأكوام قمامة ، وأنقاض وأتربة ، وصبات كونكريتية.

فبدت العاصمة حزينة تنتظر من يداوي جراحها،ويعيد إلى شفتيها البسمة ، وبعد أن ودعتها وفي قلبي حسرة وألم ، اتجهت السيارة بي نحو مدينتي الواقعة في جنوب العراق. وقع نظري على صحاري جرداء واسعة والأكواخ الطينية متناثرة بشكل عشوائي على مساحاتها .

وهبت عاصفة ترابية كادت أن تحجب الرؤيا فخاطبت السائق قائلا ( في كل مدن العالم يرى الإنسان أشجارا على جانبي الطريق إلا في العراق ، ولو أحيطت مدننا بحزام من أشجار تلائم أجواء بلدنا لقل تأثير هذه العواصف الترابية )

فأجابني السائق (عمي خلينه ساكتين إحنه تحكمنه مافيات وعصابات من الحراميه ماعدهم رحمه ولا ذمه ولا ضمير نهبوا البلد هسه تريدهم يزرعون أشجار بعد مادمروا البلد ..كلوبنه تنزف دم من أفعالهم روح إسأل أي مواطن شوف شيجاوبك إذا آني غلطان ) وساد الصمت بيننا .

وصلت إلى مدينتي منهكا وقد أرخى الليل سدوله وتمنيت أن ألتقي بعدد من أصدقائي القدامى رغم الإرهاق الشديد الذي كنت أعاني منه.

وحين أشرقت شمس الصباح كنت في غاية الشوق لرؤية شوارع المدينة. فانطلقت مسرعا للتجوال في بعضها فأصبت بصدمة حيث وجدتها وكأنها من شوارع العشرينات في العراق حيث أكوام القمامة تتجمع كالجبال فيها وتتراكم عليها جيوش من الذباب ومعظمها تعاني من الحفر.

فسارعت إلى سوق المدينة فرأيته في أسوأ حال تنبعث منه رائحة العفونة التي تركتها المياه الآسنة وقد ازداد شحوبا وحزنا ، وبمرور الأيام إلتقيت ببعض أصدقائي القدامى فلم أر في وجوههم التعبى ،وعيونهم الغائرة سوى مظاهر الألم والحسرة، والعديد منهم فقد أحد أبنائه أو أقربائه في الحرب على داعش.

وهكذا كان حال الكثير من أبناء الشعب وهم يعانون من مرارة الحرمان نتيجة البطالة المتفشية بين شريحة الشباب ، وقد انتشر المتسولون من الصبيان والمتسولات من النساء في كل شوارع المدينة .

دخلت العيادات الطبية فوجدتها تضج بعشرات المرضى وكل مريض يخرج من أية عيادة طبية يدفع مبلغ مئة ألف دينار ثمنا للفحص والدواء وهو ربع الراتب الشهري لمعظم المتقاعدين، أما المشافي فقد تحولت إلى هياكل لايتوفر فيها أبسط علاج وهو البراسيتول ،ومعظم الأجهزة الطبية فيها عاطلة وقد تراكم عليها الغبار.

أما دعاة الثقافة فمعظمهم من الجهلة والأميين التابعين لأحزاب السلطة الذين جيروا الثقافة لأنفسهم واعتبروها حكرا لهم ولأتباعهم وهم يجيدون تغيير جلودهم في كل عهد كأفراد أحزابهم ومعظم المساجد تعود لأحزاب دينية ويشرف عليها أشخاص لبسوا العمائم وأصبحوا بقدرة قادر وعاظا للناس وفق ماترسمه قيادات تلك الأحزاب لهم.

مع احترامي الكبير للعمائم الطاهرة النزيهة التي لم تلوثها رياح الفاسدين . رأيت شبابا يافعين يتعاطون المخدرات دون أن تمتد إليهم يد لتنقذهم من مأساتهم .

وخلاصة القول فقد قرأت التذمر وخيبة الأمل على معظم الوجوه التي إلتقيت بها .

إن كل شيئ يتكلم عن المأساة الحقيقية التي يعيشها العراق بعد الإحتلال الأمريكي الذي نشر الفوضى فيه على نطاق واسع .

رأيت السراق والمفسدين والمرتشين في دوائر الدوله وهم يتصرفون بمعزل عن القانون والنظام ولا يهمهم كل ماكتب عن الفساد المالي والإداري الذي يتفاقم ويزداد يوما بعد يوم والموظف الصغير يحذو حذو الموظف الكبير في الارتشاء.

وأقولها بكل ألم وأسى أن المتنفذين في الذين ظفروا بالسلطة وجاءوا عن طريق المحاصصة يتسابقون على نهش جسد العراق ويسعون للثراء الفاحش ويقتاتون كالطفيليات على مآسي المعدمين و(كل أليها بالمطامع أشعب) .

إنني لم أقل هذا الكلام بدافع الحسد أو الحقد ولكن أرى من حقي كمواطن عراقي أن أشخص مواطن الخلل في وطني الجريح بعين الكاتب الصادق الذي لاتحركه الأغراض الحزبية ولاالنوازع الشخصية .

وسأكتب عن الأديب الحقيقي المهمش وعن المعلم المسحوق الموجوع وعن الفقراء .

سأكتب عن العشائر التي تحولت إلى دول داخل دوله لاوجود لها وأخذت تشرع القوانين بدلا عنها.

وسأكتب عن كل الحقائق المرة التي تنخر في جسد العراق، وتضعف من قدراته ، وتؤذي شعبه وتجعله عرضة لتدخل دول الجوار.

يقول المثل لايلدغ المرء من الجحر مرتين فهل سيختار الشعب هؤلاء المفسدين الفاشلين ويوصلهم إلى المناصب التي لايستحقونها لتتكرر المأساة وتبدأ دوامة الشكوى من جديد ؟ سؤال أوجهه لكل عراقي ضاق الألم والمرارة والحرمان على أيدي هؤلاء.

كتبه: جعفر المهاجر

تستطيع مشاهدة خبر: شاهد على مأساة وطن .1
في موقع برس شيعة الالكتروني.


بانوراما
بانوراما


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: