مليار كلمة مرقمنة.. كواليس أضخم مشروع معجمي عربي | ثقافة
تكشف حلقة “موازين” تحوّل المعجم من كتاب تقليدي إلى مشروع حضاري رقمي، مستعرضة تجربة معجم الدوحة التاريخي الذي يوثق تطور العربية عبر مليار كلمة ويؤسس لصناعة معجمية حديثة.
تناولت حلقة (2026/4/13) من برنامج “موازين” التحولات العميقة التي يشهدها العمل المعجمي في العصر الرقمي، مسلطة الضوء على معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بوصفه مشروعا حضاريا يتجاوز حدود التوثيق اللغوي، ليعيد وصل اللغة بتاريخها ويمنحها أدوات فاعلة للحضور في الحاضر والمستقبل.
وانطلقت الحلقة من طرح إشكالي حول موقع المعجم في زمن تتسارع فيه المعرفة وتتغير وسائطها، حيث لم يعد المعجم مجرد كتاب يُرتب الألفاظ، بل تحول إلى منظومة معرفية توثق الذاكرة اللغوية للأمة، وتكشف مسارات تطور المعنى في سياقات التاريخ والثقافة والسياسة.
اقرأ أيضا
قائمة من 4 عناصرنهاية القائمة
وفي هذا السياق، قدم المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي حتى عام 2025 الدكتور عز الدين البوشيخي تصورا نظريا لوظيفة المعجم، معتبرا أنه “خزان التسميات” الذي يُمكّن الإنسان من تمثيل العالم لغويا، وأن كل تسمية تعكس مستوى إدراك حضاري معين، بما يجعل المعجم مرآة لمدى تطور المعرفة داخل المجتمع.
وأوضح أن العلاقة بين التسمية والمعرفة علاقة تأسيسية، إذ لا يُسمّى إلا ما يُعرف، مما يعني أن توسع المعجم يعكس توسع الوعي الحضاري، وأن تتبع الألفاظ في تاريخها يكشف كيف فهم الإنسان العالم وتفاعل معه عبر العصور.
وتوقف النقاش عند طبيعة المعاجم العربية القديمة، مشيرا إلى أنها كانت في جوهرها “تزامنية” تصف اللغة في حقبة معينة، لكنها لم تحقق التزامنية الدقيقة بسبب تكرار المواد بين المعاجم وتداخل الأزمنة، وهو ما صعّب لاحقا مهمة بناء معجم تاريخي شامل.
وفي سياق الحديث عن تطور الصناعة المعجمية، بيّن البوشيخي أن العمل المعجمي مر بثلاث مراحل أساسية بدأت بجمع الألفاظ، ثم انتقلت إلى تدقيق التعريفات وربطها دلاليا، قبل أن تتحول في العصر الحديث إلى “صناعة معجمية” تقوم على مدخلات ومخرجات ضمن بيئة إنتاج منهجية.
نقلة نوعية
وأكد أن هذه النقلة لم تتحقق عربيا إلا بشكل محدود، مما جعل معجم الدوحة يمثل خطوة نوعية ليس فقط باعتباره معجما تاريخيا، بل لكونه أسس لنموذج حديث في بناء المعاجم قائم على المدونات اللغوية والمعالجة الرقمية.
وفي عرض تفاصيل المشروع، أوضح أن المعجم استند إلى مدونة نصية ضخمة بلغت نحو مليار كلمة، جُمعت من مختلف مراحل التأليف العربي من النقوش القديمة إلى النصوص المعاصرة، ما أتاح تتبع الألفاظ ومعانيها عبر 20 قرنا من الزمن.
وبيّن أن هذه المدونة لم تكن مجرد تجميع نصوص بل خضعت لعمليات تنظيم وهيكلة دقيقة، حيث حُوّلت إلى بيئة رقمية تتيح استخراج المعاني والسياقات وبناء مداخل معجمية مرتبة تاريخيا تمر بمراحل التحرير والمراجعة والاعتماد قبل النشر.
ولفت إلى أن المعجم تميز بإدخال عناصر جديدة في العمل المعجمي العربي، من بينها “الجذاذة الإلكترونية الموحدة” التي تضمن توحيد المعلومات الخاصة بكل مدخل، إضافة إلى “الوسوم التحيزية” التي تنبه المستخدم إلى طبيعة بعض الألفاظ أو سياقاتها.
وفي ما يتعلق بالتعامل مع المصطلحات الوافدة، أوضح الضيف أن المعجم لا يتدخل في توليد البدائل بل يرصد ما استقر في الاستعمال العربي، مؤكدا أن إشكالية المصطلح ترتبط بغياب منهجية موحدة، رغم الجهود التي تبذلها المجامع اللغوية ومكتب تنسيق التعريب.
وأشار إلى أن تعدد الاجتهادات وغياب الإلزام المؤسسي أدى إلى تشتت المصطلح العربي، مما يعرقل توحيد الفهم بين الباحثين والمتعلمين، داعيا إلى تطوير مقاربات منهجية تراعي “النسقية المفهومية” للمصطلحات داخل شبكاتها العلمية.
قيمة المعجم
وفي معرض الحديث عن قيمة المعجم، شدد ضيف “موازين” على أن تتبع الكلمات تاريخيا يفتح آفاقا جديدة للفهم، إذ يتيح قراءة النصوص التراثية ضمن سياقاتها الأصلية ويمنع إسقاط المعاني المعاصرة على مفاهيم قديمة، كما في مثال كلمة “مؤامرة” التي كانت تعني “المشاورة” في سياقات معينة.
وقال إن المعجم يوفر قاعدة بيانات ضخمة يمكن استثمارها في مراجعة كثير من الأحكام اللغوية، خاصة تلك التي وُصفت بالشذوذ أو الندرة، بعدما أظهرت المدونة اتساع استعمالها في نصوص متعددة.
كما يفتح المشروع الباب أمام تطوير معاجم متخصصة وتعليمية، إضافة إلى توظيف موارده في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي العربية، نظرا لما تتميز به بياناته من توثيق وهيكلة ودقة.
وفي الجانب التقني، أوضح الدكتور عز الدين البوشيخي أن العمل أُنجز بالكامل داخل بيئة حاسوبية متكاملة، شارك فيها نحو 500 خبير من تخصصات متعددة خضعوا لتدريب موحد واعتمدوا آليات دقيقة في التحرير والمراجعة، مما أسهم في توحيد المنهجية وتسريع الإنجاز.
وأشار إلى أن المعجم رغم إعلان اكتماله سيظل مشروعا مفتوحا للتحديث نظرا لطبيعة اللغة المتغيرة، مؤكدا أن التجارب العالمية الناجحة حولت المعاجم إلى مؤسسات مستدامة، وهو ما تحتاجه اللغة العربية لضمان حضورها في العصر الحديث.
وفي ختام الحلقة، خلص النقاش إلى أن المعجم لم يعد مجرد أداة لغوية، بل مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف العلاقة بين اللغة والمعرفة ويمهد لبناء مستقبل رقمي تستعيد فيه العربية دورها في التعليم والإعلام والبحث العلمي.
تم النشر بتاريخ 13/4/2026
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.aljazeera.net
بتاريخ: 2026-04-13 21:27:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
