لافروف يفتح باب التفاوض بيمينه.. ويلوح بنقل الحرب خارج أوكرانيا بشماله


تراجع ذكر الحرب الأوكرانية كثيرا في الفضاء الإعلامي العالمي بسبب طغيان الحرب الإيرانية وتداعياتها على النظام الدولي وعلى أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع كل تدوينة يكتبها أو تصريح يصدره بطلها الإعلامي الأبرز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لكن الصراع الأوكراني لم ينته، ودخل مرحلة بالغة التعقيد وغياب الوضوح.
وفي هذا السياق تأتي تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في منتدى أنطاليا الدبلوماسي اليوم السبت، 18 إبريل (نيسان) 2026، لتعيد تسليط الضوء على هذا الصراع الذي خفتت أضواء تغطيته الإعلامية، لكن لم تصمت مدافعه.
وضعت تصريحات شيخ الدبلوماسيين الروس الصراع الأوكراني مجددا في إطاره الحقيقي، وبلا تزويق أو ضجيج إعلامي. أكد الوزير الروسي أن استئناف التفاوض مع أوكرانيا ليس أولوية بالنسبة لروسيا في المرحلة الراهنة، لكنه مع ذلك أبقى الباب مفتوحا عند رده على سؤال صحفي تركي بشأن إمكانية العودة إلى إسطنبول مجددا كمنصة للمفاوضات بين موسكو وكييف.
وبجملة قصيرة، لكنها شديدة الوضوح، رسم لافروف استراتيجية كاملة لموقف الكرملين من الحرب حاليا، فقال: “الباب مفتوح.. نظريا.. لأي مسار تفاوضي محتمل، لكن الحرب مستمرة عمليا”.
ومن واقع تصريحات وزير الخارجية الروسي، نفهم أن لافروف لم يتحدث عن التفاوض كهدف في حد ذاته بالنسبة لبلاده في هذه المرحلة من عمر الصراع، ولكن باعتباره خيارا مؤجلا، قابلا للاستخدام سياسيا أكثر منه مسارا فعليا يتعامل معه بوتين بجدية الآن.
أخرج لافروف التفاوض من دائرة أولويات موسكو بوضوح، ووضعه في دائرة الاحتمال، وبهذا تصبح مسألة التفاوض جزءا من إدارة الصورة، وليست بحال ذات تأثير على توجيه دفة الميدان.
وهذا الفهم، بالنسبة لي، يتسق مع بقية تصريحات الوزير الروسي التي قدم خلالها الحرب في حلة رسمية جديدة باعتبارها جزءا من إعادة تشكيل أوسع للنظام الأمني الأوروبي، بمعنى أنها بالنسبة له، وبالتالي للكرملين وبوتين، لم تعد بحال نزاعا روسيا أوكرانيا، وهو الإطار الذي يحاول الرئيس الأوكراني وداعموه الأوروبيون حصرها فيه.
في أنطاليا التركية أعاد الوزير الروسي طرح الفكرة، التي حسبما أتابع تتكرر في الخطاب الروسي منذ أشهر، وإن كانت غائبة عن الانعكاس المناسب في الإعلام العالمي للأسباب التي ذكرتها في مقدمة هذا المقال، لكن هذه المرة بوضوح أكبر.
لافروف يقول: “أوروبا لا تدعم أوكرانيا فقط، بل تتحول تدريجيا إلى شريك في بنية عسكرية جديدة موجهة ضد روسيا”. وهو يقصد بهذا الكلام أن روسيا ترى أن تحالفا عسكريا أوروبيا بات يتشكل بمشاركة أوكرانيا وبعيدا عن واشنطن، وهدفه مواجهة روسيا.
وفي هذا السياق جاءت القائمة التي أعلنتها الاستخبارات العسكرية الروسية منذ يومين، وتشمل مصانع عسكرية في عدد من الدول الأوروبية وتركيا تنتج المسيرات الهجومية وتوردها لأوكرانيا، ما حدا بدميتري ميدفيديف إلى تهديد هذه الدول بضرب هذه المصانع لأن منتجاتها تضرب روسيا وتهدد أمنها القومي.
بل إن هناك موجة تساؤلات شعبية ترقى في بعض الأوساط إلى مستوى الغضب: لماذا لا تفعل روسيا ما فعلته إيران بضرب المنشآت العسكرية الأمريكية في دول الجوار الخليجي دون أن ترمش للحرس الثوري عين، بل وضربت أهدافا مدنية في هذه الدول اعتبرتها، دون حتى دليل، مرتبطة بالعدو الأمريكي؟
أما روسيا فلديها معلومات مؤكدة بمواقع وإحداثيات مصانع عسكرية في دول أوروبية مجاورة وبعيدة، تضرب الذخائر التي تنتجها قلب مدن العمق الروسي في الأراضي المعترف بها دوليا.
وأشار لافروف كذلك إلى أن التفاهمات التي تم التوصل إليها مع واشنطن في سياق مساعي التسوية تتعطل بسبب تدخل بروكسل وكييف، وأن الولايات المتحدة تسعى، بسبب ذلك، إلى نقل عبء المواجهة مع روسيا إلى أوروبا، فيما تحتفظ لنفسها، أي واشنطن، بهامش أوسع للتحرك في ملفات أخرى، خاصة ملف المواجهة المحتملة مع الصين ومقدماتها وإرهاصاتها.
وهذه القراءة من جانب الوزير الروسي لا تقف عند حدود النقد السياسي، في رأيي، وإنما يحاول بذلك تقديم تعريف جديد لطبيعة ما يحدث في هذه الحرب التي دخلت عامها الخامس وتسير كآلة تلقائية. فموسكو لم تعد ترى أن المشكلة في كييف وحدها، بل في البيئة التي تعيد إنتاج قدرات أوكرانيا على القتال كلما نضبت أو أوشكت.
ومع تصاعد الاتفاقات الأوروبية الأوكرانية في مجال التصنيع العسكري، والتي أشرنا إلى بعض ملامحها أعلاه بشأن إنتاج المسيرات، يصبح هذا التصور أكثر رسوخا داخل دوائر القرار السياسي والعسكري الروسي.
وبالعودة إلى تصريحات دميتري ميدفيديف التي أشرت إليها في الفقرات السابقة، أقول إنه لا يمكن تفسيرها أو قراءتها بمعزل عن خطاب لافروف في أنطاليا اليوم. فعندما تحدث عن مصانع وشركات أوروبية وتركية مرتبطة بإنتاج المسيرات لأوكرانيا، وأنه ينبغي اعتبارها “أهدافا محتملة”، لم يكن يخرج عن الخط العام المستجد في الخطاب الروسي، بل كان ينقله إلى مستوى أكثر صراحة وحدة.
وبهذا نستطيع نحن، كمراقبين، القول إن لافروف يضع الإطار السياسي لهذا الخط العام الجديد، بأن أوروبا تتحول إلى عمق استراتيجي للحرب. وميدفيديف يضيف قائلا: إذا أصبحتم، يا أوروبيين، جزءا من إنتاج أدوات القتال، فلا تفترضوا أنكم ستبقون خارج نطاقها ونطاق ضرباتها.
لكن هنا يجب علينا التوقف وتوضيح نقطة أساسية مهمة، وأقصد بها أن ما بين الخطاب والفعل مسافة ما زالت قائمة في حالة حرب أوكرانيا، مقارنة بحرب إيران مثلا. فحتى الآن لم يتجاوز بوتين عمليا حدود المسرح الأوكراني في ضربات الجيش الروسي، رغم التصعيد الكلامي لفريقه.
قد يبدو هذا تناقضا للمتابع البعيد الذي يعقد المقارنات، أو المتابع القريب الذي يحركه الانفعال، لكن بالنسبة لي، وبحسب فهمي الشخصي طبعا، يبدو هذا الموقف استراتيجية مقصودة. فموسكو ترفع سقف التهديد إلى أقصى حد ممكن، لكنها لا تزال تتجنب القفزة التي قد تحول الحرب إلى مواجهة مباشرة مع أوروبا، وهي ليست مستعدة لها، لا اجتماعيا ولا اقتصاديا، وليس بالدرجة الكافية عسكريا حتى الآن.
وهذا التوازن يعيدنا مجددا إلى مأزق الحسم، الذي كنت قد تناولته في مقال سابق. فروسيا لا تعاني من عجز عسكري بسيط، لكنها تواجه معادلة أكثر تعقيدا. وما أرمي إليه أن الحسم الكامل يتطلب تصعيدا قد تكون كلفته أعلى من مكاسبه في اللحظة الحالية.
كما أن أي استهداف مباشر داخل أوروبا قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في توحيد الموقف الأوروبي وتسريع عسكرة القارة العجوز بشكل أعمق وأكثر استدامة. ولا ننسى في هذا الصدد مشروع “شنغن العسكري” الذي حاولت دول الاتحاد تنفيذه، لكن الفشل لا يزال مصيره حتى لحظة كتابة هذه السطور، من واقع التقارير التي اطلعت عليها، لكنه لم يلغ تماما، كما أنه ليس مشروع العسكرة الأوروبية الوحيد.
تعتمد الاستراتيجية الروسية الآن، حسب فهمي لها، على مواصلة الضغط داخل أوكرانيا عبر ضربات مكثفة، بتسلسل غير متناسق، تستهدف البنية الصناعية والعسكرية وقطاع الطاقة، وبالتالي يؤدي ذلك إلى إبطاء قدرة كييف على إعادة إنتاج القوة. وبهذا الشكل لم تعد الحرب، في هذا المستوى، مجرد صراع على الأرض، وإنما صراع واع على القدرة على الاستمرار بأقل الخسائر.
ويتقاطع هذا الفعل الروسي مع بعد اقتصادي لا يقل أهمية، فروسيا تدير اقتصادها الآن ضمن منطق يمكن تسميته “اقتصاد الحرب المدروس”، حيث يجري استخدام أدوات مثل سعر الصرف وإدارته المرنة والسياسة المالية لامتصاص الضغوط، وخصوصا في وقت تعود فيه أسعار النفط إلى الارتفاع على خلفية تصاعد التوتر في الشرق الأوسط بسبب الحرب الإيرانية.
الوزير لافروف نفسه ربط في تصريحات اليوم، التي بنيت عليها هذه الأسطر التي أمامكم، هذا الملف، أي ملف الطاقة وأسعارها وما يحدث فيها بسبب الحرب الإيرانية، بالسياسة الأمريكية، فقال إن واشنطن لا تسعى فقط إلى الضغط السياسي على إيران، وإنما أحد أهدافها الرئيسية، إن لم يكن الهدف الأساسي، هو التحكم في ممرات الطاقة العالمية. وهذا، لو تعلمون، تصريح، بل اتهام جاد وخطير من شخص بوزن شيخ الدبلوماسيين لافروف.
وهذا الربط لا يمكنني بحال اعتباره مجرد تصريح في سياق الرد على أسئلة في ندوة بمنتدى دبلوماسي، وإنما هو جزء من رؤية روسية واقعية ترى أن الصراع الحالي يتجاوز أوكرانيا ليشمل توازنات الطاقة والنفوذ العالمي.
ومن هذا المنظور، فإن أوروبا التي تخلت نخبها السياسية الحاكمة عن العقود طويلة الأجل مع روسيا في مشتريات النفط والغاز، لم تحل مشاكلها، بل غرست نفسها في وحل أعمق، فاستبدلت اعتمادا مستقرا على موارد روسيا التي تكرهها، بآخر أقل استقرارا، ولا يمكن لأحد، في لحظة كتابة هذا الكلام، التكهن بما ستكون عليه الأمور بعد أشهر، بل بعد أيام.
وفي ضوء كل هذا الكلام يصبح المشهد أكثر وضوحا بعدما أناره لافروف بحديثه في أنطاليا. موسكو لا تتحرك نحو سلام قريب، لكنها مع ذلك لا تغلق الباب تماما أمام احتمال حدوثه.
والكرملين لا يسعى إلى حسم سريع، لكن بوتين لا يقبل، ولن يقبل، بتجميد الصراع. وبالتالي يرفع سقف التهديد، لكنه يؤجل لحظة اختباره فعليا قدر المستطاع.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-19 09:26:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-19 09:26:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
