منوعات

الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟ | ثقافة

كيف يحول المجمع الترفيهي العسكري الحروب العدوانية والإبادة إلى ترفيه وتسلية: أفلام ومسلسلات وألعاب فيديو وصور أخرى من الميديا الشائعة؟ وكيف يوظفها في ترويج الحروب وحشد التأييد وتطبيع الإبادة الجماعية والمحو والدمار؟

على مدى ربع القرن الماضي، استخدمت الولايات المتحدة ما يسمى بـ”الترفيه العسكري”، أي منتجات ترفيه، أفلام ومسلسلات وألعاب فيديو، تدور حول حروب وتواريخ وبطولات حربية، بحيث يتم دمج عمليات إنتاج “الميديا” ووسائطها بالحرب، لإخفاء حقائق الموت والدمار. لكن الإبادة الإسرائيلية الجماعية في غزة جعلت استمرار هذا النوع من الدعاية مستحيلا، وهو ما يكتشفه دونالد ترامب وبيت هيغسيث الآن مع الحرب الأخيرة.

اقرأ أيضا

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

تستحضر أستاذة دراسات الإعلام والاتصال بجامعة فوردهام، روبن أندرسِن، مقولة الرئيس جورج بوش الأب عشية نهاية حرب عاصفة الصحراء في 10 مارس/آذار 1991: “أقسم بالله، لقد قضينا على متلازمة فيتنام نهائيا”.

بهذه الكلمات، أكد بوش الأب آنذاك أنه بعد هزيمة فيتنام وتوجه الرأي العام الأمريكي ضد الحروب والتدخلات العسكرية الخارجية، أعادت حرب الخليج الأولى إحياء عقلية الحرب مجددا وتأكيد صدارة الجيش الأمريكي محليا وعالميا، وهيمنته مرة أخرى على العالم.

صناعة البروباغندا في استوديوهات هوليوود

بدوره، بلغ ترامب وحاشيته مستويات غير مسبوقة من التباهي المفرط، ويتجلى ذلك بوضوح في تصريحات وزير الحرب بيت هيغسيث، الإعلامي السابق بقناة فوكس نيوز، الذي يتحدث عن قصف إيران وكأنه في حلبة ملاكمة، قائلا: “نحن نوجه لهم اللكمات وهم ساقطون على الأرض، وهذا بالضبط هو الوضع الأمثل”.

إن تحويل هذه الحرب غير الشرعية إلى حدث رياضي هو جزء من تحويل العدوان الأمريكي إلى مجرد لعبة تسلية، وهو ما ترسخ جيدا في حروب الولايات المتحدة بالشرق الأوسط منذ أوائل القرن الحالي.

فمن خلال صور دعائية ومقاطع فيديو مصورة على منصة “تيك توك”، يسعى ترامب وآلته الحربية جاهدين لإقناع الأمريكيين بأن قصف إيران أمر ممتع ومثير.

“تحويل العدوان إلى مجرد لعبة تسلية.. متعة تدمير سامة تُنتزع منها حقائق المعاناة الإنسانية”

يتم دمج لقطات حقيقية للقنابل المتساقطة ضمن نصوص وصور مأخوذة من برامج تلفزيونية وأفلام، بعضها نتاج سيطرة البنتاغون على هوليوود. لنأخذ مثلا المونتاج الذي يضم سلسلة مقاطع فيديو من أفلام “آيرون مان” (Iron Man)، و”بريكينغ باد” (Breaking Bad) والذي يبرز كلمات مثل “القوة” و”الشرف” و”الحرية”، بجانب لقطات حقيقية لعمليات قصف وإلقاء القنابل وانفجارات، ثم عبارة “أنا الخطر” و”ها هو قادم”، وانفجارات أخرى. وينتهي المونتاج بهدير ودمدمة “نصر ساحق”، وصورة للبيت الأبيض.

يدعو هذا الخلط بين الحقيقة والخيال، وبين الحرب والترفيه، المشاهدين لاستشعار قوة الأسلحة الخارقة وتجربتها من خلال عيون أبطال التلفزيون المشهورين ومحارب الأفلام الخارق الذي يقف دائما في الجانب الصحيح من العنف المفرط. تُنتزع حقائق المعاناة الإنسانية والموت والدمار من خلال ما يصبح مجرد متعة تدمير سامة.

وعلى مدار القرن الحادي والعشرين، عُرف هذا الاندماج بين الميديا والحرب باسم الترفيه العسكري (Militainment).

سيئة للغاية
مسلسل بريكنج باد (الجزيرة)

من “نينتندو” إلى “نداء الواجب”

تجد لعبة الفيديو المستخدمة في حروب ترامب جذورها في حرب بوش الأب، الذي ترأس حرب الخليج الأولى، أو “عاصفة الصحراء”، التي سُميت في البداية “حرب نينتندو” (Nintendo)، ثم تحولت إلى لعبة فيديو حربية فعلية تحمل اسم “نينتندو” ذاته.

عندما سقطت القنابل الذكية المزعومة على بغداد، كانت مزودة بكاميرات مراقبة عن بُعد احتفاء بضربات “دقيقة” لم تخطئ أهدافها قط. وزُعم أن الأسلحة الجديدة عالية التقنية أسفرت عن “أضرار جانبية” محدودة. وقدّم البنتاغون صورا تلفزيونية للقصف إلى شبكات البث. شاهد جمهور المشاهدين الحرب من منظور الأسلحة، ما رسّخ الصراع ضمن تجربة العسكرة السمعية البصرية.

لم يكن إعلان بوش الأب للنصر ليتحقق لولا تلك الصور المشهودة التي أمتعت الجماهير الأمريكية ومنحتها شعورا بالقوة والزهو، لكنها بالتأكيد لم تُطلعهم على نطاق الدمار والخسائر في الأرواح. وبفضل تغطية إعلامية جمعت العلاقات العامة بالترفيه والبروباغندا الحربية، ضمنت الميديا استمرار الدعم الشعبي لـ”عاصفة الصحراء”.

“في ألعاب الفيديو الحربية.. لا أحد يموت فعليا!”

كان كل ذلك جزءا من شبكة ناشئة تُعرف باسم “مجمع الميديا الصناعي العسكري”، الذي كان آنذاك منشغلا بخلق أوهام وفانتازيا الحرب. استخدمت ألعاب (فيديو) الحرب نفس التقنيات الحاسوبية التي تُشغّل أنظمة الأسلحة الحقيقية، وحققت العديد من سلاسل ألعاب الفيديو الحربية، مثل “جيش أمريكا” (America’s Army) و”نداء الواجب” (Call of Duty)، ملايين الدولارات من خلال توحيد اقتصادات وتقنيات الحرب. لقد محت ألعاب الفيديو هذه وقائع وحقائق الموت والدمار؛ ففي النهاية، لا أحد يموت في لعبة فيديو!

توم كروز في بغداد

اندمجت الأخبار التلفزيونية الأمريكية بالكامل في حرب بوش الابن على الإرهاب، حيث شهدت الشراكة بين الحرب والترفيه قفزة كبرى أخرى إلى الأمام، وغلب “الترفيه العسكري” على التغطية الإخبارية. نقلت تقارير ومذيعو الأخبار “المرافقون” للقوات الأمريكية قصة غزو العراق من منظور جنود حقيقيين، تماما كما في برامج “تلفزيون الواقع” (reality show).

ومن أشهر المشاهد حمل أحد جنود المارينز الأمريكيين طفلا عراقيا رضيعا بين ذراعيه في ساحة المعركة، مُبرزا بذلك صور البطولة والإنسانية في الحرب. ومع الحرب على الإرهاب، صُممت دعاية البروباغندا الأمريكية في ساحة المعركة، مستلهمة حبكات أفلام ناجحة دمجت حروب بوش في القرن الحادي والعشرين ضمن أنواع الترفيه.

تحوّل فيلم “إنقاذ الجندي رايان”، من إنتاج وإخراج ستيفن سبيلبرغ (1998)، على الشاشة إلى “إنقاذ الجندي لينش” في العراق. وتمكن بوش الابن، الذي لم يخدم في الجيش قط، من توجيه طائرة مقاتلة إلى حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن”، قبالة سواحل سان دييغو، في مشهد مُصمم خصيصا لمحاكاة توم كروز في فيلم “توب غَن” (Top Gun) الأسطوري. بعد ذلك، توجه بوش إلى “المنطقة الخضراء” في بغداد، ووزع على الجنود قطعا من ديك رومي “مزيف” بمناسبة عيد الشكر، ليصبح بوش بذلك نموذجا لدمية تمثل شكل الرئيس.

توم كروز في فيلم توب غن(آي إم دي بي)
توم كروز في فيلم توب غن (آي إم دي بي)

لقد كثفت صناعة السينما تعاونها مع الجيش، وظهرت موجة أفلام ضخمة رائجة عُرضت على الشاشة الكبيرة، تضمنت أبطالا خارقين معدنيين يحملون أسلحة (ألعاب) من صنع البنتاغون. كان ذلك مزجا مثاليا بين الصوت والصورة للأسلحة الباهظة.

وفي نهاية المطاف، عُرض فيلم “عمل بطولي” (Act of Valor)، الذي قام ببطولته جنود في الخدمة الفعلية من قوات البحرية الأمريكية الخاصة (Navy Seals) في فيلم كان في الأصل إعلانا ترويجيا للتجنيد في الجيش الأمريكي، وشوهد في دور السينما بجميع أنحاء البلاد.

هيمنت الصور الترفيهية المشهدية المبهرة على المشهد العالمي، في طمس للواقع الإنساني لضحاياها على أرض الواقع. لكن الحرب على الإرهاب تحولت إلى حروب أبدية مكلفة، أودت بحياة ملايين الناس في الشرق الأوسط. وبغياب أي انتصارات تُذكر، تلاشت الادعاءات الزائفة لفانتازيا حروب الخيال.

تحاول أشكال ورموز وقوالب ترامب وهيغسيث الثقافية والسلوكية جاهدة إحياء بيئة ميديا تروّج للحروب من خلال الترفيه العسكري، وهذه المرة مُطعّمة بمستويات غير مسبوقة من نزعة العسكرة السامة التي تُعلي شأن القوة الأنانية. لكن أوهام فانتازيا ميديا الحرب المُسلية قد تلاشت نهائيا عندما شاهد العالم بأسره حليفة أمريكا الأهم، أي دولة “إسرائيل” الاستيطانية، وهي ترتكب جريمة الجرائم بالإبادة الجماعية ضد شعب فلسطين. حاولت وسائل الإعلام الأمريكية المُهيمنة التغطية على مجزرة إسرائيل بغزة في انحياز إخباري صارخ لإسرائيل، لكن معظم شعوب العالم لم تُصدّق ذلك.

سقوط الأقنعة وانكسار الفانتازيا

خلال عامين ونصف من الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، شهد العالم أهوالا بصرية على أرض الواقع، وثّقتها تضحيات الصحفيين الفلسطينيين الذين أرسلوا تقاريرهم عبر منصات الإنترنت العالمية. شعر مواطنو العالم بقنابل تزن 2000 رطل تُدمّر مباني سكنية بأكملها، وتُمزّق أجساد الأطفال والعائلات الممتدة، وتمحو أنسابا فلسطينية بأكملها.

لقد استمع العالم إلى شهادات أطباء كانوا يعتنون أو يحاولون الاعتناء بالأطفال الضحايا، المصابين برصاص قناصة إسرائيليين في الرأس والصدر، كما شاهد صور مدنيين جائعين قُتلوا لدى بحثهم عن الطعام، وقد اشمأز العالم مستنكرا ذلك بشدة. وطالبوا حكوماتهم بوقف دعم الإبادة الجماعية، وفي الولايات المتحدة، دعوا بايدن ثم ترامب إلى وقف إرسال أسلحة فتاكة لإسرائيل.

“الفرق ضئيل بين الحقيقة والخيال بالنسبة لمختل عقليا منتشٍ بسلطته التدميرية”

لم يعد ممكنا تحويل الإبادة الجماعية إلى ترفيه، ولم تحاول حتى وسائل الميديا الرسمية ذلك. بل اكتفت بترديد عناصر الخطاب الإسرائيلي، والتقليل من شأن المذبحة، وتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وبرّرت كل تدمير للبنية التحتية المدنية كضرورة إستراتيجية للقضاء على “جيش” خفي يُفترض أنه متغلغل في كل مدرسة ومستشفى ومركز توزيع مساعدات ومخيم لاجئين وبئر ماء.

عارض نحو أربعة أخماس الأمريكيين قصف إيران منذ البداية، ورغم أن وسائل الإعلام الكبرى بذلت جهودا حثيثة لترويج الحرب الأمريكية الإسرائيلية، فقد أظهر استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في 5 مارس/آذار أن 53 بالمئة من الأمريكيين يعارضونها، وهذه النسبة في ازدياد مطرد. ولا تزال حرب ترامب تحظى بشعبية متدنية للغاية، تاريخيا وعالميا. ويعارض الرأي العام الأمريكي بشدة توسيع نطاقها، إذ يعارض 74 بالمئة منهم إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران.

وعي محصن

تقول روبن أندرسن، لقد عدنا إلى نقطة البداية، إذ باتت “متلازمة إبادة غزة” الجديدة، تجعل الرأي العام الأمريكي والعالمي محصنا ضد اعتبار الحرب ترفيها وتسلية، وخاصة حرب ترامب وهيغسيث ونتنياهو الوحشية وغير المبررة مؤخرا.

يستخدم ترامب حاليا كلمة رحلة أو فسحة “excursion” لوصف قصفه غير القانوني وقتله للمدنيين في إيران والتضحية بحياة الجنود الأمريكيين، وكأنها إجازة سريعة ومريحة. بالنسبة إلى مختل عقليا، منتش بسلطته التدميرية، وفي جو يصفه الكاتب الصحفي المخضرم كريس هيدجز بأنه “عالم بلا قانون يقوده الحمقى”، يبدو الفرق ضئيلا بين الحقيقة والخيال.

“متلازمة إبادة غزة جعلت الرأي العام العالمي محصنا ضد اعتبار الحرب ترفيها وتسلية”

ينفث ترامب أوهاما وفانتازيا حربية خيالية يبدو أنه يؤمن بها، مؤكدا زورا “أننا انتصرنا بالفعل”، حتى وهو يتوسل إلى الحلفاء لإرسال سفنهم الحربية لفتح مضيق هرمز، وهي مناورة باءت بالفشل الذريع. يتخبط ترامب بحثا عن مخرج لا يستطيع سلوكه خوفا من الإذلال، رافضا الاعتراف بحقيقة الهزيمة. في هذه اللحظة، يبدو شعاره الدعائي “أنا الخطر” وكأنه حقيقة على الساحة العالمية.

يبقى هذا الموضوع مجالا بحثيا خصبا لدراسات الميديا والاتصال وتضميناتها السياسية والأيديولوجية والأنثروبولوجية ودورها في ترويج الحروب على مدى قرن ونيف. وقد خصصت البروفسورة روبن أندرسِن عدة دراسات وكتب لهذا الحقل، أحدها كتاب بعنوان: “قرن من الميديا قرن من الحرب” (A Century of Media A Century of War)؛ وكتابها الصادر مؤخرا بعد الإبادة الإسرائيلية بغزة بعنوان: “عدسة التواطؤ: تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للإبادة الجماعية الإسرائيلية بغزة” (The Complicit Lens: US Media Coverage of Israel’s Genocide in Gaza). وربما نستأنف هذا النقاش بعرض الكتاب الأخير قريبا إن شاء الله.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-04-21 18:46:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-04-21 18:46:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *