موقع مركز باحث للدراسات :: حرب ترامب في أسبوعها السادس.. رحلة البحث عن “نصر مفقود”!

حرب ترامب في أسبوعها السادس.. رحلة البحث عن “نصر مفقود”!
سميح صعب
موقع 180 بوست
05/04/2026
عندما لمس وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر، عناد رئيس الوفد الفيتنامي إلى مفاوضات باريس للسلام لي دوك ثو، في كانون الأوّل/ديسمبر 1972، عَمَدَ الرئيس الأميركي عامذاك ريتشارد نيكسون إلى حملة جويّة غير مسبوقة بواسطة 200 قاذفة “بي-52” على البنى التحتيّة العسكرية والاقتصادية في هانوي وهايفونغ من “أجل هزّ الفيتناميين في صميمهم”، كما دَوّنَ كيسنجر في مذكّراته لاحقاً. لكن الحملة الجويّة لم تُحَقّق هدفها برغم الخسائر التي أسفَرت عنها، واضطرّت واشنطن لإبرام اتفاق سلام مع هانوي، لينسحب آخر جندي أميركي من فيتنام في آذار/مارس 1973.
لا يُعرَف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب شغفه بالتاريخ أو إعجابه بنيكسون أو كيسنجر. على العكس، لم يتوانَ الرجل عن ازدرائهما في كثير من الأحايين. لكن الرئيس الأميركي الآن، يسير على خُطاهما، بتوسّل تصعيد عسكري بلغ حدّ التلويح مُجدّداً بـ”الجحيم”، سعياً إلى مخرج من الحرب المتهوّرة التي قاده إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منذ خمسة أسابيع. بعد ساعات من تهديد ترامب في خطابه الذي وَجّهَهُ إلى الأميركيين، يوم الأربعاء الماضي، بشنّ ضربات أعنف ضدّ الإيرانيين “تُعيدهم إلى العصر الحجري”، قصفت القاذفات الأميركية جسر “بي.1” قَيْد الإنشاء بين العاصمة طهران ومدينة كرج إلى الغرب منها. واحتفل ترامب بـ”انهيار الجسر”، متوعّداً بأنّ هذه بداية حملة ضدّ الجسور الأخرى، على أن تليها محطّات الكهرباء، إذا لم تُبرِم طهران اتفاقاً “قبل فوات الأوان”.
ما هي إلّا ساعات قليلة، حتى أثبتت الحرب الدائرة أنها أكثر تعقيداً من التبسيط الذي يُسبِغه ترامب عليها. هذا ما تؤكّده مُفاجَأة إسقاط إيران الجمعة مُقاتِلة “إف-15” أميركية فوق جنوب غرب إيران، ومُقاتِلَة أخرى من طراز “إي-10” فوق مضيق هرمز، علاوة على إصابة مروحيّتين من طراز “بلاك هوك”. وقد تمكّنت القوّات الأميركيّة الخاصّة من انقاذ أحد طيّاري “الإف-15″، وتتسابق مع الإيرانيين للعثور على الطيّار الثاني.
صدمة إسقاط الطائرتين الأميركيتين وإصابة المروحيّتين، دفعت ترامب، وللمرّة الأولى منذ بدء الحرب في 28 شباط/فبراير، إلى الاعتراف بأن “أميركا في حالة حرب”، ليُقلِع عن الاستخفاف الذي درَج عليه، من خلال وصفه عمليّة “الغضب الملحمي” بأنها “نزهة قصيرة”، أو بأنه قادرٌ على التحكّم بالسقف الزمني للحرب التي تُشعِل ضفّتي الخليج، وتخلّف تداعيات كارثيّة على الاقتصاد العالمي، بعدما جعلت إيران من مضيق هرمز رهينة استراتيجيّة.
وكأنّ هرمز لا يكفي!
لطالما رَدّدَ ترامب أن العمليّات العسكرية الأميركية حقّقت سيادة جويّة مُطلقة لأميركا وإسرائيل في أجواء إيران. ما جرى الجمعة يُثبِت أنّ ما من سيادة مُطلقة، وبأنه من غير المُمكن التحكّم بمسارات الحرب؛ وهذا يُعيدُنا إلى حسابات الرئيس الأميركي بأنّ النظام الإيراني سينهار في أربعة أيام، تحت تأثير الضربات الافتتاحيّة للحرب التي أسفرت عن اغتيال المُرشِد علي خامنئي و50 من كبار القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين في أولى ساعات المواجهة.
هذا التطوّر المتمثّل في فقدان أميركا عدداً من المُقاتِلات المأهولة (سبع منذ 28 شباط/فبراير)، يُعتَبَر نجاحاً تكتيكياً لإيران في نزاع غير متكافىء مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويُضاعِف من الضغوط التي يتعرّض لها ترامب في الداخل الأميركي بسبب ذهابه إلى حرب تُعارِضها غالبيّة ساحقة من الرأي العام. والأمر سيكون مُحرِجاً جداً لترامب في حال وصل الإيرانيون إلى الطيّار الأميركي الثاني المفقود قبل أن تصل إليه القوّات الخاصّة الأميركيّة. وأصاب كاتب العمود في صحيفة “واشنطن بوست”، ديفيد إغناثيوس، عندما كتب أنّ “تمتّع القوّات الأميركيّة والإسرائيلية بالتفوّق الجويّ وضَرْب الأهداف متى شاءت… لا يُشَكّل مُعادِلاً للنصر.
لم تؤدّ الهيمنة التكتيكيّة إلى استسلام إيراني سريع، بل إلى حرب أطول أمَداً مُكلِفَة لترامب سياسياً واقتصادياً… قد يُعلِن ترامب فوزه، لكن أيّ شخص عاقل سيعلم أن هذا قد هَزّ رئاسته”. وكأنّ هرمز لا يكفي، حتى تتكدّس المتاعب في وجه ترامب. هو الآن تماماً في الوضع الذي رأته فيه صحيفة “لوموند” الفرنسية “؛ سيتعرّض للإهانة إذا رَحَل، وسيغوص في مُستنقع إذا بقي”.
وتعبيراً عن هذا المأزق، كتبت نائبة رئيس معهد بروكينغز، سوزان مالوني، في مجلّة “فورين أفيرز” الأميركية، أنه “بدَلاً من الحرب القصيرة والانهيار السريع للنظام الذي توقّعته الولايات المتحدة وإسرائيل، كان ما حدث عبارة عن معركة دمويّة ومُكلِفَة، في ظروف سمحت لإيران بإملاء متى سينتهي الصراع”.
إطالة أمَد الحرب وزيادة كلفتها
هل الحلّ في تصعيد القصف ضدّ البنى التحتيّة الاقتصاديّة والحياتيّة للإيرانيين العاديين، على أمل تحفيزهم مجدّداً للانتفاض في وجه النظام؟ على الأرجح هذا ما يهمس به رئيس الوزراء الإسرائيلي في أُذُن ترامب، لأن الناس لن تجد مصانع أو شركات أو جامعات أو مدارس أو مستشفيات أو أيّ مقوّمات أساسيّة للعيش، بعد أن تتوقّف العمليّات العسكريّة؛ وتالياً سينْحون باللائمة في ذلك على النظام. وهذا ما يقصده نتنياهو عند الحديث عن تهيئة الظروف لعودة الشارع الإيراني للتحرّك. نتنياهو يستدلّ بذلك على تجربة نظام سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا الذي أسقطته احتجاجات شعبيّة بعد أقلّ من عام على انتهاء الحرب الأطلسيّة عليه في 1999.
من بين أهداف كثيرة، تدلّ حملة التصعيد الجديدة التي بدأها ترامب ضدّ البنى التحتيّة المدنيّة في إيران، على أن الولايات المتحدة لم تَعُد تجد أمامها أهدافاً عسكريّة استراتيجيّة يمكن أن تطالها من الجو، وأنّ ما تبقّى من مواقع عسكريّة تحتاج إلى تدخّل برّي، الأمر الذي لم يحسمه ترامب بعد. هل يكون الهدف، جزيرة خرج وجهته، أم السواحل المُطِلّة على هرمز، أم مواقع أخرى على غرار الـ450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة المدفونة تحت مُنشأة أصفهان النووية؟ كلّها خيارات ستترتّب عليها إطالة مدّة وخسائر بشريّة وماديّة كبيرة من الجانبيْن. الحرب الطويلة هي ما يريد ترامب تجنّبه بأيّ ثمن مع تعاظم الانتقادات الداخلية للحرب، حتى من قِبَل تيّار “ماغا” اليميني المتطرّف ومن الاستراتيجيين في حزبه الجمهوري؛ وهؤلاء يُلاحِظون كيف يهوي ارتفاع أسعار البنزين والديزل بشعبيّة ترامب، ويُهَدّد بإمكان احتفاظ الحزب الجمهوري بالغالبيّة في مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفيّة المقرّرة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ليس هذا فحسب، وإنما بات الديموقراطيون في موقع الهجوم على ترامب، بعد الارتباك الذي أصابهم في هزيمتهم بالانتخابات الرئاسية في 2024. وإذا نجح الديموقراطيون في السيطرة على الكونغرس، في ما تبقّى من نصف الولاية الثانية، فإنّ ذلك سيُعيد شبح مُحاكَمَة ترامب للمرّة الثالثة، وذلك بتهمة سوء استخدامه للسلطة وبتعريض أمن الولايات المتحدة للخطر، من خلال ذهابه إلى الحرب مع إيران تحت ضغط من نتنياهو. وإسرائيل هي محلّ تشكيك واتّهام من قِبَل الكثيرين من الديموقراطيين؛ وامتدّت العدوى إلى شخصيّات يمينيّة متطرّفة بينها ستيف بانون.
النصر المفقود
إنّ احتمال تكبّد أميركا مزيداً من الخسائر البشرية والمادية، سيزيد من علامات الاستفهام حول جدوى الذهاب إلى “حرب بلا نهاية”، وفْق توصيف صحيفة “تايمز” البريطانية، التي تستغرب كيف تمكّنت إيران في حرب غير مُتكافئة من إصابة 13 قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط. والأدهى، هو اعتراف كبيرة موظّفي البيت الأبيض، سوزان وايلز، في مُقابَلة مع مجلّة “تايم” الأميركية، بأنّ مُساعِدي ترامب يُقَدّمون له “تقارير ورديّة” لمسار الحرب، بخلاف الواقع. وتنقل صحيفة “النيويورك تايمز” تقريراً للاستخبارات الأميركية مفاده أنّ القوّات الإيرانيّة تُرَمّم بسرعة مخازن الصواريخ التي تتعرّض للقصف، بما يُضعِف الرواية عن نجاح أميركا وإسرائيل في القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، كهدف من الأهداف الرئيسية للحرب.
ومثلما تُعاني السياسة الخارجية لترامب من الفوضى في خضم الحرب المتعثّرة على إيران، تسود الفوضى في الداخل. للمرّة الأولى يذهب رئيس أميركي إلى المحكمة الفيديراليّة العليا ليُدافِع عن قراره بحظر منح الجنسيّة للأطفال الذين يولَدون في الولايات المتحدة. ويعود إلى البيت الأبيض ليتخلّص من وزيرة العدل بام كوندي، على خلفيةّ تعاملها مع فضائح جيفري إبستين، ولأنها لم تُنَفّذ أوامره في ما يتعلّق بالادّعاء على خُصومه السياسيين. وفي البنتاغون، لا تقلّ قرارات وزير الحرب، بيت هيغسيث، ارتجاليّة وكيديّة ضدّ من لا يُقَدّمون الولاء على الكفاءة؛ وآخر من سقط على يديه رئيس أركان القوّات البريّة الجنرال راندي جورج. وهناك تقارير في الإعلام الأميركي على أن بوندي وجورج هما الدفعة الأولى من مسؤولين يعتزم ترامب إعفاءهم من مناصبهم، وبينهم مدير الـ”إف. بي. آي” كاش باتيل.
وفي نهاية المطاف، لا أحد يستطيع التكهّن بالمدّة التي ستستغرقها رحلة ترامب في البحث عن “النصر المفقود” في إيران!
2026-04-22 01:09:58 | 3 قراءة
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bahethcenter.net
بتاريخ: 2026-04-22 07:09:58.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.