اقتصاد

نزع العدادات في سوريا: الكهرباء تتحوّل إلى عقاب جماعي

نزع العدادات في سوريا: الكهرباء تتحوّل إلى عقاب جماعي


لم تعد عبارة “خلينا على الشموع” مجرد نكتة سورية عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء أمام “تسونامي” الفواتير الذي يضرب السوريين في مقتل. ففي بلد يعيش فيه الموظف على رواتب متواضعة، جاءت تسعيرة الكهرباء الجديدة والتعميمات الصارمة لتعيد صياغة العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، بلغة “الجباية بالإكراه”. التحول الدراماتيكي لم يقف عند حدود الأرقام، بل وصل إلى تهديد مباشر بنزع العدادات نهائياً.

الوزارة تشهر سلاح “نزع العدادات”

في تطور لافت، جرى تسريب تعميم صادر عن قسم كهرباء مصياف في محافظة حماة يقضي باتخاذ إجراءات صارمة بحق المتخلفين عن السداد، إذ نص القرار على نزع العداد بشكل نهائي في حال تراكم ثلاث فواتير غير مدفوعة. وبالرغم من الحديث عن “مهلة محدودة” لتسوية المستحقات، إلا أن غياب آليات التقسيط جعل المواطن محاصراً بين مطرقة الأسعار وسندان خسارة العداد نهائياً، في وقت تسعى فيه الوزارة لضبط ما تسميه “الاستهلاك غير النظامي”.

وانتقلت المعركة من “فيسبوك” إلى أروقة المحاكم. ففي مادة سابقة نشرتها “المدن” بتاريخ 06/04/2026 تحت عنوان فواتير الكهرباء في سوريا إلى القضاء… ومحامٍ يتحدى الطاقة، برزت خطوة غير مسبوقة للمحامي السوري هادي بازغلان، الذي أعلن تطوعه لتمويل ورفع دعاوى قضائية ضد وزارة الطاقة على نفقته الشخصية وبدون أتعاب. وأوضح بازغلان في حديثه لـِ “المدن” أن الهدف هو “حماية حقوق المواطنين وفق القانون المدني السوري، ورفع الظلم الواقع بسبب زيادة التعرفة التعسفية”.

مراجعة هيكلية التكاليف وغياب الشفافية

وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، يرى الخبير في شؤون الطاقة رياض النزال، في تصريح خاص لـِ “المدن”، أن وزارة الطاقة استندت في تبرير رفع التعرفة الكهربائية بنسب وصلت إلى 800% إلى معطيات تشغيلية، أبرزها توسيع ساعات التغذية الذي أدى لارتفاع حاد في الاستهلاك تجاوز الطاقة الاستيعابية للشبكات. ويضيف النزال: “رفع التعرفة جاء كأداة تنظيمية لترسيخ ثقافة الترشيد والتخفيف من العبء المالي لدعم الطاقة، غير أن وصول الفواتير المنزلية إلى مستوى 3 ملايين ليرة يستوجب مراجعة نقدية لهيكل التكاليف الفعلية، إذ لا تكفي الحجج المتعلقة بأسعار الفيول والغاز وحدها لتسويغ هذا القفز التعريفي دون بيانات شفافة ومدققة حول حجم الإنتاج والاستيراد وهوامش التوزيع”.

ويعتقد النزال أن ربط التحصيل الإلزامي والتلويح بنزع العدادات بمسار الخصخصة يستدعي قراءة متأنية. فخصخصة قطاع التوزيع تشترط بيئة استثمارية وبنية تحتية مؤهلة تشمل مصادر طاقة مستقرة ومحطات توليد كافية، وهي متطلبات غائبة حالياً في ظل بنية متهالكة تعتمد على الصيانة الوقائية لا التأهيل المنهجي. ويحذر من أن أي خصخصة في هذه المرحلة، دون تقييم موضوعي، لن تستقطب مستثمرين استراتيجيين بقدر ما ستفرز نماذج استثمار ريعي يستهدف الشرائح القادرة على الدفع حصراً.

أرقام خارج المنطق.. والخبز هو الثمن

تكشف الأرقام التي رصدتها منصة “استبيانات سوريا” عن فجوة مرعبة. فالفواتير التي كانت تاريخياً لا تتجاوز 200 ألف ليرة (بالعملة القديمة)، قفزت اليوم لتتخطى حاجز 3 ملايين ليرة سورية. هذا الرقم اعتبره خبراء “حكماً بالجوع” على عائلات اضطر 50% منها لتقليص وجبات الطعام لتأمين ثمن الكهرباء. وبحسب التحليلات، فإن الحد الأدنى للأجور بات عاجزاً عن شراء أكثر من 707 كيلوواط/ ساعة شهرياً بالأسعار الجديدة، وهو تراجع بنسبة 60% في القدرة الشرائية مقارنة بالسبعينيات، وهذا ما يعني أن الكهرباء أصبحت رسمياً “سلعة للأثرياء”.

وفي حديثه مع “المدن”، يقول الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم: “تحولت فاتورة الكهرباء فعلاً من ثمن خدمة إلى أداة مالية تؤدي ثلاث وظائف: الأولى سد نزيف القطاع الذي يُراكم خسائر تجاوزت 2 مليار دولار، والثانية تحقيق ما يعرف بـِ “التضخم الجبائي” لسحب السيولة من الأسواق بدلاً من طباعة النقد، وهذا ما يُفاخر به وزير المالية يسر برنية، حين يؤكد أن الخزينة لم تقترض من البنك المركزي، وأن موازنة 2025 أغلقت بفائض 0.15% من الناتج المحلي، أما الوظيفة الثالثة فهي تهيئة القطاع للاستثمار الأجنبي، خصوصاً صفقة UCC القطرية-التركية بقيمة 7 مليارات دولار، وهي صفقة تستلزم تعرفة قريبة من كلفة الإنتاج الحقيقية المقدّرة بـِ 1,600 ليرة للكيلوواط ساعي”.

ويرى عبد الكريم أن الأسرة المتوسطة الاستهلاك التي تستخدم 600 كيلوواط شهرياً تواجه فاتورة بـِ 840 ألف ليرة أيّ 60% من راتب موظف كامل، أما وصول الفواتير إلى 3.5 مليون ليرة فيُفسَّر بتراكم ثلاث آليات: القفزة السعرية (60 ضعفاً)، ودورة الفوترة الثنائية، و”الاستهلاك التقديري” الذي فرضته المؤسسة بواقع 400 كيلوواط لكل دورة بسعر الشريحة الثانية. ويضيف: “المواطن يدفع 0.06 دولار للكيلوواط ولا يحصل عليه إلا 40% من اليوم، وهي المفارقة التي فجّرت احتجاجات 29 يناير أمام مقر الوزارة في دمشق”.

تقدير اعتباطي رقمي

على الخط نفسه، تطل قضية القراءات التقديرية العشوائية برأسها كأحد أبرز أوجه الخلل؛ إذ وثق مشتركون على وسائل التواصل الاجتماعي فواتير مليونية بالرغم من اعتمادهم على الطاقة الشمسية واقتصار استهلاكهم على حدوده الدنيا. ولم تتوقف المعاناة هنا، بل امتدت لفشل منظومات الدفع الإلكتروني كضياع المبالغ عبر تطبيق “شام كاش”في حالات عدة. وفي مقابل هذه الشكاوى، لم تصدر توضيحات رسمية، إذ نقل موقع “تلفزيون سوريا” وجود قرار إداري يمنع المسؤولين من التصريح، بينما تكتفي الوزارة بتصريحاتها حول “تحسين الخدمة” ضمن مسار إصلاحي لم يلمس المواطن نتائجه سوى في الفواتير.

وهنا، يشير رياض النزال إلى أن معالجة أزمة هذا القطاع تستلزم إصلاحاً هيكلياً يرتكز على إعادة البناء المؤسسي وفصل مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع، وتحديث المنظومة التشريعية لاستقطاب الاستثمار، واعتماد الحلول المستدامة عبر تطوير مصادر الطاقة المحلية المتجددة بدلاً من المسارات المؤقتة كاستيراد الغاز والفيول.

صرخات من قاع الفقر

رصدت “المدن” ردود فعل الشارع التي عكست حالة من الانفجار الصامت؛ أحد المتقاعدين براتب 850 ألف ليرة (قديمة) وصف فاتورته بـ “الكارثية”. وفي شهادة أخرى، يقول مواطن: “بلغت فاتورة الكهرباء لدي مليونين و300 ألف، واليوم أزالوا العداد لأنني لم أدفع.. ابني من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاج أدوية ومصروفاً، لمن نشتكي؟”. هذا مع استعداد الكثيرين للتخلي عن العداد طواعية قائلين: “تعالوا وخذوا العدّاد، لم يعد يلزمنا”.

وفي هذا السياق، يوضح محمود عبد الكريم أن التعرفة الجديدة أداة لسحب السيولة وترميم الموازنة بشكل ينحاز ضد الطبقتين الفقيرة والوسطى، إذ تستحوذ الكهرباء على 30 إلى 70% من دخل الأسرة السورية وفق تقديرات جمعية حماية المستهلك، مقارنة بـ 5 لـ 10% في الدول المجاورة. ويحذر من أن رفع التعرفة للصناعات الثقيلة إلى 1,800 ليرة للكيلوواط الساعي ما يعادل 0.155 دولار، يضع الصناعي السوري في وضع تنافسي صعب مقارنة بتعرفة صناعية تتراوح بين 0.10 و0.12 دولار في تركيا، وبين 0.05 و0.09 دولار في مصر. ما يعني أن المنتج السوري يدخل السوق الإقليمية مثقلاً بفارق يتراوح بين 30% و40% في كلفة الطاقة وحدها، ما أدى لإغلاق مصانع كبرى في حلب.

كذلك، يلفت عبد الكريم إلى تحوّل المدن الصناعية الثلاث الكبرى، الشيخ نجار وعدرا وحسياء، من جاذبة إلى طاردة للعودة الصناعية التي كان يُعوّل عليها بعد سقوط النظام، كون المُصنّع يدفع التعرفة الكاملة مقابل ساعات تغذية يومياً لا تتناسب مع حاجته، فيما تطال الآثار القطاع الزراعي بحسب عبد الكريم بشكل لا يقلّ خطورة، فآبار الري في الحسكة ودير الزور والرقة وريف حلب تعتمد على الضخ الكهربائي، والفلاح الذي كان يدفع آلاف الليرات شهرياً بات يواجه فواتير بالملايين، ما يدفعه إما لرفع أسعار المحاصيل أو تقليص المساحات المزروعة، وذلك يُقاس على واقع حال مزارع الدواجن ومطاحن الحبوب والأفران، إلى جانب قطاع الخدمات متمثلاً بالمستشفيات الخاصة والمطاعم والفنادق والمحلات التجارية.

وهنا يؤكد الخبير الاقتصادي: أننا أمام “ركود تضخمي” ناتج عن “تضخم الكلفة” الذي يرفع الأسعار حتى مع انضباط العرض النقدي، وهو ما قد يدفع الاقتصاد في “حلزون الأجور والأسعار” الكلاسيكي، محذراً من تكرار تجربة السودان في حال غياب منظومة حماية اجتماعية.

تداعيات السياسة الردعية

وحول قرار نزع العدادات، يرى عبد الكريم أن هذا الإجراء يتحول إلى أداة “إقصاء اجتماعي”، إذ أن 10% فقط من المواطنين قادرون فعلياً على الدفع. ويحذر من أن هذه السياسة ستؤدي لنشوء سوق سوداء وتوسع التعدي على الشبكة كما حدث في لبنان والعراق، موضحاً أن “منحنى لافر للتعرفة” يشير إلى أن رفع التعرفة بشكل مفرط قد يؤدي لانخفاض الإيرادات الصافية بسبب تراجع الاستهلاك والتحصيل، فضلاً عن تآكل عقد الثقة بين المواطن والدولة. وعن البدائل يشير عبد الكريم إلى خيارات الدفع المسبق عبر البطاقات الذكية المطبّق في جنوب أفريقيا ومصر، وجدولة الديون بشروط ميسّرة لـِ 24 إلى 36 شهراً كما في الأردن ولبنان، أو ربط التحصيل بنظام حماية اجتماعية يُعفي الأسر الأشد فقراً مؤقتاً مقابل إثبات دخلها.




■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: lebanoneconomy.net

تاريخ النشر: 2026-04-24 09:18:00

الكاتب: hanay shamout

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
lebanoneconomy.net
بتاريخ: 2026-04-24 09:18:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *