منوعات

ماذا يحدث في مالي؟ | سياسة

لم تعد أزمة مالي، كما يقدمها الباحث سيدي أحمد ولد الأمير في دراسته الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، مجرد تمرد مسلح في الأطراف أو صراع تقليدي على الهوامش البعيدة عن الدولة، بل تحولت إلى اختبار وجودي يمسّ بنية السلطة نفسها. فالهجمات المنسقة التي شهدتها البلاد في أواخر أبريل/نيسان 2026 لم تكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بقدر ما كانت إعلانًا عن انتقال الحرب من الأطراف إلى المركز، ومن استنزاف الجيش إلى تهديد النظام السياسي في عمقه .

هذا التحول هو مفتاح قراءة المشهد كله، لأنه يكشف أن ما كان يُقدم لسنوات بوصفه أزمة أمنية قابلة للاحتواء، بات اليوم أزمة دولة، تتداخل فيها المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتطرح سؤالًا مباشرًا: هل ما زالت السلطة في باماكو قادرة على الإمساك بخيوط البلاد؟

اقرأ أيضا

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

تغيير قواعد الحرب

يبيّن سيدي أحمد ولد الأمير أن ما يجري في مالي ليس تصعيدًا في مستوى العنف فقط، بل تغيير في طبيعة الحرب نفسها. فقد انتقلت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” من منطق الهجمات المتفرقة إلى إستراتيجية تقوم على الخنق، حيث لم يعد الهدف إيقاع الخسائر بالجيش فحسب، بل تعطيل قدرة الدولة على العمل .

في هذا السياق، لم تعد الطرق مجرد مسارات للنقل، بل تحولت إلى ساحات معركة، ولم يعد الوقود سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة ضغط، كما لم تعد الأسواق فضاءات مدنية محايدة، بل امتدادًا للحرب. هذا التحول يضع العاصمة نفسها تحت ضغط غير مباشر، لأن استهداف الإمدادات يعني ضرب الحياة اليومية، وبالتالي نقل الأزمة من الأطراف إلى المجتمع كله.

إنها حرب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل بالاختناق البطيء حيث طريق يُغلق، وقافلة تُستهدف، وسعر يرتفع، ومدينة تُربك. وهنا تصبح الدولة في مواجهة خصم لا يسعى إلى هزيمتها عسكريًا فقط، بل إلى إنهاكها سياسيًا واجتماعيًا.

ماذا يحدث في مالي؟ | سياسة
،آسيمي غويتا زئيس  مالي يلتقي بمسؤولين روس، من بينهم السفير الروسي إيغور غروميكو، في قصر كولوبا بمدينة باماكو (رويترز)

انهيار المعادلة القديمة

بنى المجلس العسكري، منذ وصوله إلى السلطة عام 2020، شرعيته على ثلاثية واضحة هي السيادة، والاستقلال عن النفوذ الغربي، واستعادة الأمن. غير أن الوقائع التي يعرضها الباحث تكشف أن هذه المعادلة دخلت مرحلة تآكل عميق. فانسحاب القوات الفرنسية، وخروج بعثة الأمم المتحدة، والتحول نحو الشراكة مع روسيا، لم يؤدِّ إلى استقرار أمني، بل تزامن مع اتساع رقعة التهديد، وانتقاله إلى مناطق لم تكن مستهدفة سابقًا .

الأخطر من ذلك أن الهجمات الأخيرة لم تستهدف مواقع عسكرية تقليدية فقط، بل طالت رموز السلطة نفسها، بما في ذلك كاتي، المعقل العسكري للنظام، ووصلت إلى مستوى اغتيال وزير الدفاع. هذه اللحظة تحمل دلالة تتجاوز الحدث ذاته، لأنها تشير إلى أن الدائرة الصلبة للنظام لم تعد محصنة، وأن الحرب لم تعد تدور خارج السلطة، بل داخل نطاقها المباشر.

هنا يفقد الخطاب الرسمي جزءًا من قدرته على الإقناع. فحين تُرفع شعارات السيطرة بينما تصل الهجمات إلى قلب العاصمة، يصبح التناقض بين القول والفعل أكثر وضوحًا، ويتحول إلى عامل ضغط داخلي، ليس فقط داخل المجتمع، بل داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

تحالفات الضرورة

من أبرز ما يلفت الانتباه في تحليل الدراسة هو التقارب العملياتي بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”جبهة تحرير أزواد”. هذا التقارب لا يعني اندماجًا أيديولوجيًا، فكل طرف يحمل مشروعًا مختلفًا؛ الأول عابر للحدود ومرتبط بخطاب جهادي، والثاني محلي يرتبط بمطالب سياسية للطوارق. لكن ما يجمعهما في هذه اللحظة هو العدو المشترك: الدولة العسكرية في باماكو وحلفاؤها .

هذا النمط من التحالفات يكشف عن طبيعة الصراع في مالي، حيث لا تحكم العلاقات العقيدة وحدها، بل المصالح المتغيرة والفراغ السياسي. ومع تفكك اتفاق الجزائر، وغياب إطار سياسي جامع، عاد الشمال إلى منطق التحالفات المرنة، التي يمكن أن تتشكل بسرعة وتتفكك بالسرعة نفسها.

في هذا السياق، لا يعود السؤال: من يقاتل من؟ بل: من يتحالف مع من، ولماذا الآن؟ وهو سؤال يعكس سيولة المشهد أكثر مما يعكس ثباته.

ماذا يحدث في مالي؟ | سياسة
الرئيس المالي في أول ظهور له بعد الأحداث الأخيرة (رويترز)

رمز السيادة الهشة

تشغل كيدال موقعًا خاصًا في هذا الصراع، ليس فقط باعتبارها مدينة، بل بوصفها رمزًا تاريخيًا لتمرد الشمال وحدود سيطرة الدولة. استعادتها عام 2023 بدعم روسي قُدِّمت باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا للمجلس العسكري، ودليلًا على نجاح خياره السيادي. غير أن عودة المعارك إليها، وإعلان المتمردين السيطرة على مواقع فيها، أعاد طرح السؤال حول طبيعة هذه السيطرة: هل كانت سيادة مستقرة أم تفوقًا عسكريًا مؤقتًا؟

هذا السؤال لا يتعلق بكيدال وحدها، بل بكل المناطق التي يُعاد فيها إنتاج السيطرة دون بناء سياسي يضمن استدامتها. فالدولة التي تستعيد الأرض بالقوة دون أن تُعيد دمجها سياسيًا، تظل معرضة لفقدانها مجددًا عند أول اختلال في ميزان القوة.

لحظة الاختراق

التحول الأهم الذي ترصده الدراسة هو انتقال الجماعات المسلحة من تهديد الأطراف إلى اختراق المركز. فالهجمات التي استهدفت مواقع رمزية في باماكو، من المطار إلى مقار السلطة، لم تكن مجرد عمليات نوعية، بل رسائل سياسية واضحة: أن الدولة لم تعد قادرة على حماية نفسها في قلبها.

هذا الاختراق يحمل بعدًا نفسيًا لا يقل أهمية عن بعده العسكري. فالعاصمة ليست مجرد موقع جغرافي، بل رمز للاستقرار والسيطرة. وحين تُضرب، يتغير إدراك الناس لطبيعة الصراع، وتتحول المخاوف من احتمالات بعيدة إلى واقع يومي.

ساحة المعركة الصامتة

لا تقف الأزمة عند حدود الدولة والجماعات المسلحة، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. فكما يشير سيدي أحمد ولد الأمير، فإن الحرب الجديدة لا تُقاس فقط بعدد الهجمات، بل بتأثيرها على الحياة اليومية: الوقود، الطرق، الأسعار، المدارس، والأمن .

في هذا المستوى، يظهر نوع ثالث من الفاعلين: المجتمع الذي لا ينحاز بالضرورة إلى أي طرف، لكنه يحكم على الدولة من خلال قدرتها على تأمين الحياة. هذا الحكم قد يكون أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي، لأنه يتشكل من التجربة اليومية، لا من الشعارات.

وهنا تكمن خطورة التآكل البطيء للثقة. فالدول لا تنهار دائمًا بضربة واحدة، بل قد تتفكك تدريجيًا حين تفقد قدرتها على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة الناس.

أزمة تتجاوز الحدود

ما يجري في مالي لا يبقى داخل حدودها. فالدراسة تبرز بوضوح أن دول الجوار، من النيجر وبوركينا فاسو إلى الجزائر والسنغال، تتأثر مباشرة بما يحدث، سواء عبر طرق التجارة أو حركة الجماعات المسلحة .

وفي ظل تحالف الساحل الثلاثي، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يصبح أي اختلال في دولة منها عامل ضغط على الدول الأخرى، خاصة في ظل تشابه الأوضاع السياسية والأمنية فيها. هذا يجعل الأزمة ذات طابع إقليمي، لا يمكن فصل مساراتها عن بعضها.

ماذا يحدث في مالي؟ | سياسة
جندي مالي يقف في موقعه حاملاً سلاحه خلال هجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية خارج العاصمة باماكو (رويترز)

روسيا… شريك أم عبء؟

أحد الأسئلة التي تطرحها الدراسة يتعلق بالحضور الروسي في مالي. فقد قُدِّم هذا الحضور بوصفه بديلًا عن النفوذ الغربي، ورمزًا لاستعادة السيادة. غير أن استمرار الهجمات واتساعها يفتح الباب أمام قراءة معاكسة: هل أسهم هذا الحضور في حل الأزمة، أم أصبح جزءًا من تعقيدها؟

هذا السؤال لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى البعد السياسي، حيث قد يستخدمه خصوم المجلس العسكري لتقويض شرعيته، عبر تصويره كخيار لم يحقق النتائج الموعودة.

سيناريوهات مفتوحة

في ضوء هذا المشهد، تطرح الدراسة مجموعة من السيناريوهات التي تتراوح بين التشدد الأمني، وإعادة ترتيب السلطة، والانفتاح على تسويات، وصولًا إلى سيناريو التآكل التدريجي للدولة، حيث تبقى العاصمة قائمة بينما تتوزع السيطرة الفعلية في الأطراف .

غير أن ما يجمع هذه السيناريوهات هو أنها جميعًا تدور حول سؤال واحد: كيف يمكن إعادة بناء الدولة في بيئة فقدت فيها السيطرة على أطرافها، وبدأت تفقد السيطرة على مركزها؟

الخلاصة

ما تقدمه دراسة سيدي أحمد ولد الأمير هو أكثر من توصيف لأزمة أمنية؛ إنها قراءة في لحظة تحول، حيث لم تعد مالي تواجه تمردًا، بل اختبار بقاء. فالحرب التي بدأت في الأطراف وصلت إلى قلب السلطة، والشرعية التي بُنيت على وعد الأمن تواجه امتحانها الأصعب.

بين جماعات مسلحة أثبتت قدرتها على التكيف، وسلطة تحاول الحفاظ على تماسكها، ومجتمع يقيس كل شيء بميزان الحياة اليومية، تقف مالي عند مفترق طرق. والسؤال الذي يظل معلقًا، كما يطرحه النص ضمنيًا، ليس فقط كيف تنتهي هذه الحرب، بل أي دولة ستخرج منها، إن خرجت أصلًا


الدراسة كاملة

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6511


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-04-29 11:47:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-04-29 11:47:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *