البابا لاون وترامب: ثلاثة خلافات جوهرية
صدر الصورة، رويترز
مدة القراءة: 6 دقائق
التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو البابا لاون الرابع عشر في الفاتيكان، وسط تصاعد التوتر بين الحبر الأعظم والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأكد الكرسي الرسولي، وهو الحكومة المركزية للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أن اللقاء عُقد يوم الخميس في المقر الرسمي للبابا، القصر الرسولي، لكنه لم ينشر حتى الآن أي تفاصيل بشأن ما دار في المحادثات.
وهذه هي المرة الثانية التي يلتقي فيها روبيو، وهو كاثوليكي ملتزم، البابا لاون، والأولى المعروفة بين أحد أعضاء إدارة ترامب والحبر الأعظم منذ نحو عام. وكان روبيو ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، وهو كاثوليكي أيضاً، قد التقيا البابا لاون بعد وقت قصير من قداس تنصيبه في 18 مايو/أيار 2025.
والبابا لاون، واسمه السابق الكاردينال روبرت بريفوست، هو أول بابا مولود في الولايات المتحدة.
واعتمد في البداية أسلوباً علنياً أكثر تحفظاً من سلفه البابا فرنسيس، الذي كان من أبرز منتقدي إدارة ترامب، لكنه أصبح أكثر صراحة في الأشهر الأخيرة.
السياسة الخارجية
صدر الصورة، وكالة حماية البيئة
تصاعد الخلاف بشكل علنيّ بين ترامب والبابا الشهر الماضي، بعدما هاجم ترامب البابا في منشور مطوّل على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال”، واصفاً إياه بأنه “ضعيف في التعامل مع الجريمة” و”كارثي في السياسة الخارجية”.
وكتب ترامب: “لا أريد بابا يرى أن امتلاك إيران لسلاح نووي أمر مقبول”.
وأضاف: “لا أريد بابا يرى أن مهاجمة الولايات المتحدة فنزويلا أمر فظيع، وهي دولة كانت ترسل كميات هائلة من المخدرات إلى الولايات المتحدة، بل وكانت تفرغ سجونها، بما في ذلك قتلة وتجار مخدرات، في بلادنا”.
وفي وقت لاحق، نشر ترامب صورة يعتقد على نطاق واسع أنها مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها في هيئة شبيهة بالمسيح وهو “يشفي” رجلاً، في خطوة أثارت انتقادات من رجال دين ومعلّقين، قبل أن تُحذف لاحقاً.
وجاءت هذه التصريحات بعد إدانة البابا لاون لتحذير ترامب من أن الولايات المتحدة قد “تمحو الحضارة الإيرانية” إذا لم تمتثل طهران لمطالبها بشأن المفاوضات النووية ومضيق هرمز.
ووصف البابا هذا التهديد بأنه “غير مقبول بتاتاً”، داعياً الكاثوليك إلى الضغط على القادة السياسيين “للعمل من أجل السلام”.
وكان البابا قد ذكر اسم ترامب صراحة قبل أيام، إذ قال للصحفيين في 31 مارس/آذار: “أبلغت أن الرئيس ترامب صرّح مؤخراً برغبته في إنهاء الحرب. آمل أن يكون بصدد البحث عن مخرج”.
وناشد البابا، البالغ من العمر 70 عاماً، القادة مجدداً وقف إراقة الدماء، مندداً بما وصفه بـ”وهم القدرة المطلقة” الذي يغذّي الحرب.
ويوم الاثنين، هاجم ترامب البابا مجدداً، قائلاً إنه “يعرّض كثيراً من الكاثوليك وكثيراً من الناس للخطر”، وإن الحبر الأعظم يسعده أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً.
ودفعت هذه التصريحات وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى القول إن الهجمات على الحبر الأعظم ليست مقبولة ولا تساعد في خدمة السلام.
ويوم الثلاثاء، قال البابا لاون إن من حق الناس انتقاده، لكنه أضاف أن عليهم أن يفعلوا ذلك “على أساس الحقيقة”، مشدداً على أن “رسالة الكنيسة هي التبشير بالإنجيل والسلام”.
وردّاً على مزاعم ترامب بشأن الأسلحة النووية، قال الحبر الأعظم إن الكنيسة “تندد منذ سنوات بجميع الأسلحة النووية، ولا شك في ذلك”.
صدر الصورة، رويترز
يستند موقف البابا لاون من إيران إلى مواقف مماثلة سبق أن اتخذها في سياقات أخرى.
فبعد أيام من انتخابه العام الماضي، دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، والإفراج عن الرهائن، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون قيود.
وفي أغسطس/آب 2025، أدان ما وصفه بـ”العقاب الجماعي” والتهجير القسري للفلسطينيين، معتبراً أن الأوضاع في غزة “غير مقبولة”.
وفي عظته بمناسبة عيد الميلاد، تحدّث القائد الروحي لنحو 1.4 مليار كاثوليكي عن “الخيام في غزة، المعرّضة للمطر والرياح والبرد”.
ورغم عدم وقوع صدام علني بين ترامب والبابا بشأن غزة آنذاك، أقرّ دبلوماسيون في الفاتيكان، بشكل غير رسمي، بوجود قلق من الطرح الأخلاقي والقانوني الصريح للبابا، والذي فُسّر على نطاق واسع بأنه تحدٍ للمواقف الأمريكية والإسرائيلية.
وفي يناير/كانون الثاني من هذا العام، أعرب البابا عن قلقه بعد أن اعتقلت القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي آنذاك، نيكولاس مادورو، في كاراكاس ونقلته إلى نيويورك لمحاكمته.
وقال: “يجب أن تتقدم مصلحة الشعب الفنزويلي الحبيب على كل اعتبار آخر، وأن تقودنا إلى تجاوز العنف وسلوك دروب العدالة والسلام”.
كما دعا إلى احترام سيادة فنزويلا، وصون سيادة القانون كما ينص عليه الدستور، والاحترام الكامل لحقوق الإنسان والحقوق المدنية.
الهجرة
صدر الصورة، صور جيتي
يشكّل ملف الهجرة مصدراً رئيسياً آخر للخلاف.
وانتقد البابا لاون مراراً سياسات ترامب التقييدية للهجرة، مقدّماً القضية بوصفها واجباً أخلاقياً متجذّراً في تعاليم الإنجيل حول الرحمة والكرامة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قال إن الأجانب في الولايات المتحدة يُعاملون “بعدم احترام شديد”، مردّداً بياناً لأساقفة كاثوليك أمريكيين انتقدوا عمليات الترحيل الجماعي وحذّروا من حالة الخوف والقلق التي تسبّبها مداهمات الهجرة.
وقال: “أعتقد أنه يتعين علينا البحث عن سبل لمعاملة الناس بإنسانية”، مع إقراره في الوقت نفسه بأن “لكل دولة الحق في تحديد من يدخلها وكيف ومتى”.
وفي خطاب ألقاه في ساحة القديس بطرس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حثّ البابا الكاثوليك على عدم معاملة المهاجرين “ببرود اللامبالاة أو بوصمة التمييز”، وتساءل لاحقاً عمّا إذا كانت سياسات ترامب تتوافق مع تعاليم الكنيسة المؤيدة للحياة.
وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من شخصيات كاثوليكية محافظة.
الدين والسلطة السياسية
وجاء منشور ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي أبعد من السياسة الخارجية، إذ اتهم البابا لاون بتجاوز دوره، قائلاً: “لا أريد بابا ينتقد رئيس الولايات المتحدة، لأنني أفعل بالضبط ما انتُخبتُ، وبفوز كاسح، من أجل القيام به”.
وأشار ترامب إلى أن الحبر الأعظم انتُخب بابا فقط لأنه أمريكي، زاعماً: “لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان لاون في الفاتيكان”.
وعندما سأله صحفيون لاحقاً عن تفسير منشوره، قال: “لا أعتقد أنه يؤدي عملاً جيداً. يبدو أنه يحب الجريمة”.
وأضاف ترامب، متحدثاً على مدرج المطار بعد عودته إلى واشنطن من فلوريدا: “أنا لست من المعجبين بالبابا لاون”.
لكن بعد يوم واحد، وعلى متن الطائرة البابوية في مستهل رحلة إلى أفريقيا تستغرق 11 يوماً، رفض البابا لاون “الدخول في سجال” مع ترامب.
وقال: “سأواصل التحدث بوضوح ضد الحرب، سعياً إلى تعزيز السلام والحوار والتعددية”.
وأضاف أنه “لا يخشى إدارة ترامب”، وسيواصل رفع صوته “بقوة” دفاعاً عن الإنجيل.
وبحسب استطلاع لوكالة أسوشيتد برس، فاز الجمهوري ترامب بتأييد 55 في المئة من الناخبين الكاثوليك في انتخابات 2024. ويشكل الكاثوليك نحو خُمس سكان الولايات المتحدة، وفقاً لمكتب الإحصاء الأمريكي، ومن بينهم أيضاً نائب الرئيس جي دي فانس.
كما تحتفظ إدارة ترامب بعلاقات وثيقة مع قادة بروتستانت إنجيليين محافظين، وبدأت على نحو متزايد تأطير الحرب مع إيران بمفردات دينية.
ماذا يقول الخبراء؟
صدر الصورة، وسائل التواصل الاجتماعي
يقول خبراء إن التحوّل في لهجة البابا ونهجه يعكس سعيه إلى ترسيخ ثقل أخلاقي موازٍ على الساحة الدولية في مواجهة ترامب وأجندته في السياسة الخارجية.
ويقول ماسيمو فاجيولي، الأكاديمي الإيطالي المتخصص في شؤون الفاتيكان والأستاذ في كلية ترينيتي في دبلن، لوكالة رويترز: “لا أعتقد أنه يريد أن يُتّهم الفاتيكان بالتساهل مع الترامبية لمجرد كونه أمريكياً”.
ويضيف: “عندما يتحدث لاون، يظل حذراً دائماً. لا أرى أن ذلك مجرد صدفة”.
ومن جانبه، يقول الكاردينال بليز كوبيتش، أسقف شيكاغو والمقرّب من البابا لاون، لرويترز، إنه يواصل تقليداً راسخاً لدى الباباوات يقوم على حثّ قادة العالم على نبذ الحرب.
ويضيف: “الاختلاف يكمن في الأسلوب… فالأمريكيون والعالم الناطق بالإنجليزية يتلقّون الرسالة الآن بلغة أقرب إليهم”.
وتقول ماري دينيس، القائدة السابقة لحركة السلام الكاثوليكية الدولية “باكس كريستي”، إن تصريحات البابا لاون الأخيرة ودعوته المباشرة لترامب “تعكس قلباً مثقلاً إزاء استمرار العنف”.
وتضيف أنه “يخاطب كل من أنهكهم هذا العنف المستمر ويتطلّعون إلى قيادة شجاعة”.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-05-07 21:05:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
