اخبار لبنان

خاص | ماذا قدمت الولايات المتحدة الأميركية للدول العربية التي طبعت مع العدو الإسرائيلي؟


محمد أحمد حمود

أولاً: الضمانات الأميركية بين الوعود والواقع: هل يكرّر لبنان تجارب التطبيع العربي؟

أعاد البيان الصادر عن السفارة الأمريكية في بيروت، والذي نشرته على منصة اكس، حيث “تحدث عن إمكانية عقد اجتماع مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو برعاية أمريكية، وما يتضمنه من وعود بضمانات تشمل السيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وتأمين الحدود، والدعم الإنساني وإعادة الإعمار”، طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الضمانات وحدود قدرتها على تحقيق الاستقرار الحقيقي. فالخطاب الأمريكي الذي يربط بين الانخراط السياسي مع العدو إسرائيل وبين الحصول على الأمن والسيادة، ليس جديدًا في المنطقة، بل يندرج ضمن مسار طويل من الوعود التي رافقت تجارب التطبيع أو التسويات في العالم العربي.

غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن هذه الوعود كثيرًا ما بقيت محل جدل، بين ما تم الإعلان عنه من مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية، وبين ما تحقق فعليًا على الأرض. من مصر وسيناء وسلبيات التطبيع، إلى السودان الذي رافق تطبيعه وعود بالاستقرار ثم انزلق إلى حرب داخلية، مرورًا بالأردن وما واجهه من تعقيدات، وصولًا إلى المسار السوري وتغيرات الجغرافيا السياسية، وتجربة اتفاق أوسلو الفلسطينية وما آلت إليه من تراجع في السيطرة على الأرض، وصولًا إلى دول الخليج التي راهنت على مظلة حماية أمريكية في بيئة إقليمية متوترة، تتكرر الإشكالية ذاتها:

هل كانت هذه الوعود ضمانات حقيقية أم أدوات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية؟ في هذا السياق، يطرح الواقع اللبناني سؤالًا أكثر حساسية: هل يمكن للبنان أن يحصل فعلًا على الأمن والسيادة والاستقرار الموعود عبر هذه المعادلات، في ظل كيان قائم على منطق التوسع وتغيير الوقائع على الأرض؟ أم أن التجارب السابقة تشير إلى فجوة مستمرة بين الوعود الأمريكية والنتائج الفعلية في الدول التي اختارت هذا المسار؟


.manar-video-wrapper video{
display:block;
width:100%;
height:auto;
}

.manar-play-btn:hover{
transform:translate(-50%,-50%) scale(1.04);
}

.manar-video-wrapper.is-playing

(function(){
// Avoid double-binding if theme/plugin prints shortcodes in weird ways
if (window.__manarVideoInit) return;
window.__manarVideoInit = true;
function getWrapper(el){
return el ? el.closest(“.manar-video-wrapper”) : null;
}
function getVideoFromWrapper(wrap){
return wrap ? wrap.querySelector(“video.manar-video”) : null;
}
function setPlayingUI(wrap, isPlaying){
if(!wrap) return;
wrap.classList.toggle(“is-playing”, !!isPlaying);
var btn = wrap.querySelector(“.manar-play-btn”);
if(btn) btn.setAttribute(“aria-pressed”, isPlaying ? “true” : “false”);
}
function togglePlay(video){
if(!video) return;
if(video.paused || video.ended) video.play();
else video.pause();
}
// Event delegation: handles multiple videos + dynamically added ones
document.addEventListener(“click”, function(e){
var btn = e.target.closest && e.target.closest(“.manar-play-btn”);
if(btn){
var wrap = getWrapper(btn);
var video = getVideoFromWrapper(wrap);
e.preventDefault();
togglePlay(video);
return;
}
var vid = e.target.closest && e.target.closest(“video.manar-video”);
if (vid && !vid.hasAttribute(“controls”)) {
// optional: click video toggles play/pause
togglePlay(vid);
}
});
// Keep UI in sync for ALL videos (capture catches events in modern browsers)
document.addEventListener(“play”, function(e){
if(e.target && e.target.matches && e.target.matches(“video.manar-video”)){
setPlayingUI(getWrapper(e.target), true);
}
}, true);
document.addEventListener(“pause”, function(e){
if(e.target && e.target.matches && e.target.matches(“video.manar-video”)){
setPlayingUI(getWrapper(e.target), false);
}
}, true);
document.addEventListener(“ended”, function(e){
if(e.target && e.target.matches && e.target.matches(“video.manar-video”)){
setPlayingUI(getWrapper(e.target), false);
}
}, true);
// Initialize current videos (in case some are autoplaying or rendered paused)
function initExisting(){
document.querySelectorAll(“.manar-video-wrapper”).forEach(function(wrap){
var video = getVideoFromWrapper(wrap);
if(!video) return;
setPlayingUI(wrap, !(video.paused || video.ended));
});
}
if(document.readyState === “loading”){
document.addEventListener(“DOMContentLoaded”, initExisting);
}else{
initExisting();
}
})();


وفي هذا السياق، تبرز مقاربة نقدية تعتبر أن السياسة الأمريكية في المنطقة لا تنطلق من موقع الوسيط المحايد، بل من رؤية استراتيجية ترى في الكيان الإسرائيلي الحليف المركزي والامتداد الأساسي للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. وفي مقابلة مع موقع المنار الالكتروني يشير الدكتور وليد محمد علي، منسق شبكة “قادرون معًا”، إلى أن الولايات المتحدة تعاملت مع عدد من الدول العربية ليس بوصفها حلفاء متكافئين، بل ضمن مقاربة تقوم على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بما يضمن حماية التفوق الإسرائيلي وإضعاف أي بيئة عربية يمكن أن تشكّل عنصر مواجهة أو توازن في المنطقة. ويرى أن العديد من اتفاقيات السلام والتطبيع جاءت في هذا السياق، بحيث هدفت إلى إخراج الدول العربية الأساسية من دائرة الصراع مع العدو الإسرائيلي، وتحويلها إلى كيانات مرتبطة سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا بالمنظومة الأمريكية–الإسرائيلية.

ثانياً: مصر (اتفاقية كامب ديفيد): من استعادة سيناء إلى قيود السيادة

تذهب دراسات المصرية إلى أن اتفاقية كامب ديفيد أسفرت عن مكسب استراتيجي مهم لمصر تمثّل أساسًا في استعادة الأراضي وتحقيق قدر من الاستقرار الأمني، إلا أنها في الوقت نفسه أفضت إلى إعادة تشكيل الدور الإقليمي المصري، وأثارت جدلًا واسعًا بين من يعدّها إنجازًا دبلوماسيًا بارزًا في تاريخ السياسة الخارجية المصرية، ومن يرى أنها مثّلت بداية لتقييد حركة مصر داخل الإطار العربي المشترك.

في هذا الإطار، يعالج مقال للدكتور صبحي عسيلة الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية اتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية تحت عنوان معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية مرة أخرى باعتبارهما منعطفًا حاسمًا في مسار السياسة الخارجية المصرية منذ عام 1979، إذ تجاوزت تأثيراتهما العلاقة الثنائية مع إسرائيل لتشمل المستويين العربي والدولي، وأسهمت في إعادة صياغة موقع مصر الإقليمي وتحديد أدوارها داخل النظام الإقليمي للمنطقة.

ويشير المقال إلى أن معاهدة السلام أصبحت خلال السنوات التالية، ولا سيما بعد أحداث 2011، موضوعًا للنقاش الداخلي الحاد في مصر، حيث تصاعد الجدل حولها بين مطالب بإلغائها أو تعديلها، وبين من يتمسك بها كخيار استراتيجي. كما أُثيرت مخاوف مرتبطة بإمكانية تقييد السيادة المصرية في سيناء، وصلت إلى ساحات القضاء الذي رفض دعاوى إلغاء المعاهدة باعتبارها من أعمال السيادة.

ويعرض الكاتب مجموعة من التحديات التي رافقت العلاقات المصرية–الإسرائيلية، من أبرزها محاولات إسرائيل التأثير على الأمن القومي المصري، والحد من قدراته العسكرية، إضافة إلى تعثر عملية السلام بسبب السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، ما عمّق الشعور العربي والفلسطيني بأن الاتفاق لم يحقق تسوية شاملة. كما يتناول المقال البعد الإقليمي، مشيرًا إلى محاولات إسرائيل تعزيز نفوذها في المنطقة عبر مشاريع إقليمية بديلة، في مقابل سعي مصري للحفاظ على دورها التقليدي.

ويخلص المقال إلى أن معاهدة السلام، رغم كونها أنهت حالة الحرب بين مصر والعدو الإسرائيلي، إلا أنها ظلت محاطة بتعقيدات سياسية وإقليمية داخلية وخارجية، وأبقت العلاقة بين الطرفين في إطار من التوازن الحذر والجدل المستمر حول مستقبلها وجدواها.

وفي قراءة نقدية لنتائج كامب ديفيد، يرى الدكتور وليد محمد علي أن الاتفاقية لم تؤدِّ إلى تحقيق نهضة اقتصادية فعلية لمصر، بل ساهمت في تكريس أنماط جديدة من التبعية الاقتصادية، مستشهدًا باتفاقية “الكويز” التي تسمح بتصدير المنتجات المصرية إلى الولايات المتحدة دون رسوم جمركية شرط احتوائها على مكوّن إسرائيلي، ما أدى إلى ربط جزء من الصناعة المصرية بالسوق الإسرائيلية. كما يشير إلى أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه المصري يُستخدم في بعض الطروحات كمؤشر على محدودية المكاسب الاقتصادية التي وُعدت بها مصر بعد توقيع الاتفاقية.

وفي هذا السياق، لا تقتصر الإشكالية على الطرح النظري المرتبط بتقييد السيادة، بل تتضح بشكل أكثر دقة من خلال المعطيات التفصيلية التي تناولتها بعض القراءات الإعلامية التحليلية؛ إذ يبيّن ما ورد في مقابلة الإعلامي المصري عمرو ناصف مع موقع المنار الإلكتروني طبيعة هذه القيود على الأرض، ولا سيما في ما يتعلق بتنظيم الانتشار العسكري في شبه جزيرة سيناء وحدود التسليح المفروضة بموجب الاتفاقية، حيث يقول الإعلامي المصري عمرو ناصف أن معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية الموقعة في السادس والعشرين من آذار/مارس 1979 تنص على تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق، وتُلزم مصر بتسليح محدد لا يجوز تغييره إلا بالاتفاق بين الطرفين، حيث فُرضت قيود واضحة على حجم القوات وانتشارها وتسليحها، لا سيما في المناطق القريبة من الحدود، إذ سُمح بوجود عسكري محدود في بعض المناطق، مقابل منع نشر قوات عسكرية في مناطق أخرى والاكتفاء بقوات شرطة وقوات دولية، ما عكس طبيعة القيود المفروضة على السيادة العسكرية المصرية في شبه الجزيرة.

ويضيف ناصف أن من نتائج هذه المعاهدة خلال السنوات، أنه رغم بعض التغيرات التي طرأت لاحقًا على مستوى الانتشار العسكري، إلا أن ما كان يُقال عن تحقيق رخاء اقتصادي واسع بعد توقيعها لم يتحقق، حيث أصبحت مصر مثقلة بديون كبيرة بعد أن كانت ديونها محدودة قبل الاتفاقية.

كما يشير في المقابلة إلى تداعيات سلبية أخرى، حيث يُذكر أن العدو الإسرائيلي استطاع إدخال أنواع من المخدرات المصنعة إلى الأسواق المصرية بأسعار منخفضة قبل التحكم في أسعارها، ما خلّف آثارًا اجتماعية خطيرة، إضافة إلى الحديث عن إدخال بذور زراعية يُقال إنها تسببت بأضرار صحية جسيمة، الأمر الذي أثار مخاوف وانتقادات حول انعكاسات هذا المسار على الأمن الصحي والغذائي.

ثالثاً: فلسطين (اتفاقيات أوسلو): من وعد الدولة إلى واقع التجزئة

في 13 سبتمبر/أيلول 1993، وُقِّع اتفاق أوسلو الأول، الذي شكّل محطة مفصلية في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ تضمّن للمرة الأولى اعترافًا متبادلًا بين الطرفين، إلى جانب تعهدهما بالسعي نحو إنهاء حالة الصراع الممتدة منذ عقود. وقد مثّل هذا الاتفاق مدخلًا لمرحلة جديدة أُريد لها أن تُبنى على أسس التسوية السياسية وإعادة تنظيم العلاقة بين الجانبين ضمن إطار تفاوضي.

تكشف الوقائع أن أوسلو شكّل نقطة انعطاف تاريخية أعادت صياغة المشروع الوطني الفلسطيني ضمن إطار إدارة مدنية محدودة الصلاحيات بدل قيام دولة ذات سيادة، وشرعن أدوات السيطرة الإسرائيلية بدل تفكيكها، بما رسّخ منظومة تبعية أمنية واقتصادية حدّت من إمكانات الاستقلال الحقيقي. وضمن مقال تحليلي تناول هذا الموضوع تحت عنوان “أوسلو: من “وعود الدولة” إلى هندسة التبعية وتفكيك المجال الوطني الفلسطيني”، منشور على موقع شبكة الصحافيين الفلسطينيين، والذي يؤكد أن الاتفاق لم يكن مجرد تسوية انتقالية، بل هندسة سياسية واقتصادية أعادت إنتاج الواقع الفلسطيني تحت سقف الهيمنة الإسرائيلية، بحيث تحوّل “المسار التفاوضي” إلى إطار لإدارة الصراع بدل حله، وإلى بنية تُعيد تنظيم العلاقة بين المحتل والسلطة الناشئة ضمن شروط غير متكافئة.

وفي السياق نفسه، يعتبر الدكتور وليد محمد علي أن اتفاقية أوسلو شكّلت مدخلًا لإعادة صياغة القضية الفلسطينية ضمن إطار سياسي وأمني يخدم إدارة الصراع بدل إنهائه، مشيرًا إلى أن الوعود المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة لم تتحقق، في مقابل استمرار الاستيطان وتوسّع السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية. كما يلفت إلى أن نظام المقاصة المالية تحوّل إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي تُستخدم للتحكم بالموارد المالية الفلسطينية وتعزيز حالة التبعية البنيوية للاقتصاد الفلسطيني.

اما الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي، معن بشور، فيرى أن اتفاق أوسلو الذي وُقّع بين منظمة التحرير الفلسطينية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي لم يفضِ إلا إلى مزيد من المآسي بحق الشعب الفلسطيني. ويشير بشور، في حديث لصحيفة فلسطين، إلى أن هذا الاتفاق تحوّل إلى أداة لتقييد المقاومة ومحاصرتها، في وقت استفادت فيه سلطات الاحتلال من مفاعيله وتداعياته لتوسيع دائرة التطبيع مع دول أخرى. كما يلفت إلى أن أوسلو وفّر غطاءً سياسيًا دفع عددًا من الدول الشقيقة إلى الانخراط في مسارات تطبيع مع إسرائيل، وفتح المجال أمام دول صديقة لتطوير علاقاتها معها بعد أن كانت مقطوعة. ويخلص بشور إلى أن الاتفاق شكّل نقطة سلبية في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ استُخدم لاحقًا كأداة للضغط على الحقوق الفلسطينية، وساهم في تكريس الاحتلال وتعزيز مسارات التطبيع بدل إنهائه.

في سياق نقدي لاتفاق أوسلو، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني قراءة ترى أن الاتفاق لم يؤدِّ إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة بقدر ما أعاد صياغة المشروع الوطني الفلسطيني ضمن إطار إداري–أمني محدود الصلاحيات. إذ يشير إلى أن المفاوضات التي سبقت التوقيع كانت تقوم على مرحلة انتقالية يُفترض أن تفضي إلى تسوية نهائية تشمل قضايا الحدود والقدس واللاجئين، إلا أن الاتفاق عمليًا لم يتضمن التزامًا واضحًا بالانسحاب أو إقامة دولة.

ويضيف ياغي أن تباين التصورات بين الطرفين كان جوهريًا، حيث تعاملت إسرائيل مع أوسلو بوصفه إطارًا لإدارة الأراضي المحتلة عام 1967 دون التزام سياسي نهائي، بينما اعتبره الفلسطينيون خطوة نحو الدولة. ومع تعثر مسار التفاوض لاحقًا، وتنامي الاستيطان وتصاعد التيار اليميني الإسرائيلي، تراجع البعد السياسي للاتفاق لصالح ترتيبات أمنية.

ويخلص إلى أن التحولات اللاحقة، خصوصًا مع تعثر عملية السلام وتكريس الوقائع على الأرض، دفعت باتجاه واقع يقوم على إدارة الصراع بدل حله، بما عمّق من حالة التبعية السياسية والاقتصادية الفلسطينية ضمن ميزان قوى غير متكافئ.

رابعاً: الأردن (وادي عربة 1994): وعود الاستقرار وتعقيدات اليوم

تُعدّ اتفاقية وادي عربة لعام 1994 بين الأردن والعدو الإسرائيلي محطةً مثيرة للجدل في مسار السياسة الأردنية، إذ لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تسوية سياسية أو إطارًا لتنظيم الملفات الحدودية والمائية والأمنية، بل باعتبارها خيارًا استراتيجيًا أثار انتقادات واسعة بسبب ما ترتب عليه من تطبيعٍ مع واقع الاحتلال دون تحقيق مكاسب سياسية ملموسة على صعيد القضية الفلسطينية. فقد رُوِّج للاتفاق بوصفه مدخلًا للاستقرار الإقليمي وداعمًا لمسار قيام الدولة الفلسطينية، غير أنّ التطورات اللاحقة أظهرت محدودية هذه الوعود، واستمرار اختلال موازين القوى، بما جعل الاتفاقية في نظر العديد من الباحثين أقرب إلى إعادة إنتاج التوازنات القائمة على حساب الحقوق السياسية العربية، أكثر من كونها خطوة نحو تسوية عادلة وشاملة.

تشير دراسة “معاهدة وادي عربة: جذور وآفاق” المنشورة في مجلة مدارات تاريخية، المجلد الثاني، العدد الخامس، سنة 2020، إلى أنّ اتفاقية وادي عربة، رغم ما حققته من بعض المكاسب السياسية وحدودية للأردن، أفرزت مجموعة من السلبيات التي ظهرت بوضوح بعد سنوات من توقيعها؛ إذ تنقل الدراسة عن رئيس الوفد الأردني الفلسطيني المفاوض كامل أبو جابر قوله إنّ “الحقوق الأردنية لم تسترد بعد، فالمياه ما زالت منهوبة ولم يصل الأردن منها إلا الملوث”، كما أشارت إلى تلوث البيئة الأردنية نتيجة إشعاعات مفاعل ديمونة والمصانع الإسرائيلية، إضافة إلى استمرار معاناة الأسرى الأردنيين في السجون الإسرائيلية دون استجابة فعلية للمطالب الأردنية. كذلك أوضحت الدراسة أنّ الاتفاقية لم تنجح في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حيث بقيت مشكلتا الفقر والبطالة قائمتين، ولم تحقق المعاهدة – بحسب الدراسة – أهدافًا استراتيجية أو اقتصادية حقيقية للأردن أو للعرب، فضلًا عن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وتدهور الأوضاع الفلسطينية بعد عام 1994، إلى جانب تأجيل قضايا مركزية مثل القدس واللاجئين، وفتح الباب أمام أشكال واسعة من التطبيع الاقتصادي والأمني والثقافي مع إسرائيل.

وفي السياق ذاته، تلتقي هذه النتائج مع تطرحه القراءات النقدية الأخرى، ومن بينها ما يطرحه الدكتور وليد محمد علي، إلى أن اتفاقية وادي عربة لم تنجح في تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة للأردن على المستوى الاقتصادي أو المائي، بل كرّست بدرجات متفاوتة حالة من الارتباط بالسياسات الأمريكية والإسرائيلية، في ظل استمرار الأزمات الإقليمية وتراجع فرص التسوية الشاملة للقضية الفلسطينية.

خامساً: السودان (2020): من رفع العقوبات إلى الانهيار الداخلي

يمثل التطبيع السوداني مع العدو الإسرائيلي حالة استثنائية في مسار موجة التطبيع العربية الأخيرة، وقد تبلور هذا التطبيع في السودان ضمن مرحلة انتقالية يهيمن على مفاصلها المكوّن العسكري الذي خطا وحده أولى خطوات التطبيع مع تل أبيب بلقاء جرى في عنتيبي، وبدا أكثر حرصاً على استكمالها، متصدراً مشهد التواصل السوداني معها.

وتشير دراسة نشرت على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان “إسرائيل والسودان: رهانات التطبيع ومقاربة دعم المكوّن العسكري” مسار التطبيع بين السودان والعدو الإسرائيلي بوصفه حالة خاصة ضمن موجة اتفاقيات إبراهام، إذ نشأ في سياق مرحلة انتقالية مضطربة أعقبت سقوط نظام عمر البشير عام 2019. وتُبرز الدراسة أن هذا المسار لم يكن نتيجة توافق وطني شامل، بل جاء مدفوعًا أساسًا من قبل المكوّن العسكري الذي قاد الاتصالات مع العدو الإسرائيلي، بدءًا من اللقاءات السرية وصولًا إلى إعلان التطبيع، في ظل تهميش نسبي للقوى المدنية. وتؤكد مؤسسة الدراسات الفلسطينية في هذا السياق أن العدو الإسرائيلي تعامل بصورة مباشرة مع المؤسسة العسكرية باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على ضمان استمرارية الاتفاق.

وترى الدراسة أن التطبيع شكّل جزءًا من صفقة سياسية أوسع برعاية الولايات المتحدة، هدفها الأساسي تمكين السودان من الخروج من عزلته الدولية عبر رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب والحصول على مساعدات اقتصادية، مقابل الانخراط في مسار التطبيع. وفي هذا السياق، لم يكن التطبيع غاية بحد ذاته بقدر ما كان أداة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عاجلة للسلطة الانتقالية، ولا سيما للمؤسسة العسكرية الساعية إلى تعزيز شرعيتها الخارجية. وتوضح مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن هذا الربط بين المكاسب الخارجية والبنية الداخلية الهشة جعل المسار عرضة للاهتزاز وعدم الاستقرار.

كما تشير الدراسة إلى أن من أبرز سلبيات هذا التطبيع أنه جرى في بيئة سياسية شديدة الهشاشة، ما جعله عاملًا إضافيًا في تعميق الاختلالات الداخلية بدل أن يسهم في الاستقرار. فقد أدى تهميش القوى المدنية وتزايد نفوذ المؤسسة العسكرية إلى اختلال التوازن في المرحلة الانتقالية، وهو ما انعكس على بنية الدولة. وفي هذا الإطار، تنبه مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن هذا الوضع القائم على تعدد مراكز القوة وضعف التوافق الوطني خلق أرضية غير مستقرة، ساهمت في زيادة الاحتقان السياسي، ومهّدت لتصاعد الصراع الداخلي لاحقًا.

سادساً: (الإمارات والبحرين): اتفاقيات إبراهام، مكاسب اقتصادية مقابل هشاشة أمنية

شكّلت اتفاقيات إبراهام الموقّعة عام 2020 بين العدو الإسرائيلي وكلٍّ من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، برعاية أمريكية، تحوّلًا مهمًا في بنية العلاقات الخليجية–الإسرائيلية، إذ انتقلت هذه العلاقات من حالة الرفض السياسي التقليدي إلى مرحلة التطبيع الرسمي الثنائي، ولكن ضمن سياق إقليمي مختلف جذريًا عن اتفاقيات السلام السابقة مع مصر (1979) والأردن (1994). فعلى عكس منطق “الأرض مقابل السلام”، جاءت هذه الاتفاقيات لتؤسس لعلاقات تقوم أساسًا على المصالح الأمنية والاقتصادية، مع تراجع واضح في مركزية القضية الفلسطينية لصالح أولويات إقليمية جديدة، أبرزها مواجهة النفوذ الإيراني وتعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، وهو ما تشير إليه دراسة منشورة على موقع مبادرة الإصلاح العربي Arab Reform Initiative.

في هذا السياق، برزت الإمارات العربية المتحدة باعتبارها الطرف الأكثر فاعلية واستفادة من الاتفاقيات، إذ اتخذ قرارها بالتطبيع طابعًا استراتيجيًا مدروسًا يرتبط برؤية قيادتها السياسية لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي، وفق ما توضحه الدراسة نفسها. فقد سعت أبو ظبي من خلال هذا المسار إلى توسيع شراكاتها الأمنية مع العدو الإسرائيلي، خاصة في مجالات الاستخبارات والأمن السيبراني والتكنولوجيا المتقدمة، بما يتيح لها تعزيز قدراتها الدفاعية وترسيخ مكانتها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في مراكز القرار الدولية، ولا سيما في واشنطن. كما فتح الاتفاق المجال أمام تعاون اقتصادي وسياحي واستثماري متزايد، وهو ما يتقاطع أيضًا مع تحليل الدراسة ذاتها في موقع مبادرة الإصلاح العربي لدوافع التطبيع الإماراتي.

أما البحرين، فقد اتسم مسارها نحو التطبيع بقدر أكبر من المحدودية والارتباط بالضغوط الخارجية، سواء الأمريكية أو الإقليمية، خاصة من جانب المملكة العربية السعودية، كما تشير إليه الدراسة المنشورة، وعلى الرغم من إعلان إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع العدو الإسرائيلي، حيث واجه هذا المسار تحديات داخلية مرتبطة برفض شعبي واضح، وهو ما تعكسه أيضًا قراءة التحليل ذاته لطبيعة التطبيع البحريني.

شكّلت اتفاقيات إبراهيم عام 2020، برعاية الولايات المتحدة، تحوّلًا نوعيًا في بنية العلاقات الخليجية–الإسرائيلية، إذ انتقلت كلّ من الإمارات العربية المتحدة والبحرين من موقع الرفض السياسي التقليدي إلى التطبيع الرسمي، ضمن مقاربة جديدة تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية بدلًا من منطق “الأرض مقابل السلام”. غير أنّ التطورات اللاحقة، ولا سيما تعرّض الإمارات لهجمات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة من دول متحالفة مع إيران، كشفت حدود هذه الترتيبات.
فبحسب تحليلات صادرة عن Brookings Institution وCouncil on Foreign Relations، اقتصر الرد الأميركي على إجراءات دعم غير مباشرة، شملت تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، ونشر قوات وقطع بحرية إضافية، وتكثيف التعاون الاستخباراتي، دون اللجوء إلى رد عسكري مباشر ضد إيران.

وعليه، يتبيّن أن ما حصلت عليه الإمارات والبحرين في أعقاب هذه الاتفاقيات، حتى في ظل تعرّضهما لتهديدات أمنية، تمثّل أساسًا في تعزيز القدرات الدفاعية والتكامل ضمن منظومات ردع إقليمية، لا في توفير مظلّة حماية عسكرية مباشرة. ويعكس ذلك تحوّلًا في الاستراتيجية الأميركية من نموذج الحماية المباشرة إلى نموذج “تمكين الحلفاء”.

سابعاً: سوريا (تحولات جيوسياسية وخسائر استراتيجية في ظل الصراع الإقليمي)

تشهد الساحة السورية بعد التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد وبروز السلطة الجديدة، إعادة تشكّل عميقة في موازين القوى الإقليمية، وهو ما وفّر للعدو الإسرائيلي فرصة متقدمة لإعادة صياغة بيئة الأمن الإقليمي بما يخدم رؤيته الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تصاعدت تساؤلات سياسية وإعلامية حول طبيعة الاتصالات والمفاوضات الجارية بين سوريا والعدو الإسرائيلي، وإمكانية إدراج دمشق ضمن مسار “اتفاقيات أبراهام” التي أُطلقت في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وانضمت إليها لاحقًا عدة دول عربية تحت شعار “السلام مقابل السلام”.

وعلى المستوى الميداني، اتجه العدو الإسرائيلي، مباشرة عقب سقوط النظام، إلى التحرك السريع للسيطرة على المنطقة العازلة الخاضعة لرقابة الأمم المتحدة. ففي 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تقدمت قواته لاحتلال مساحات واسعة من المنطقة المنزوعة السلاح، التي تمتد لنحو 75 كيلومترًا، ويتفاوت عرضها بين نحو 10 كيلومترات في الوسط و200 متر في أقصى الجنوب. وقد شكّلت هذه المنطقة، على مدى أكثر من خمسين عامًا، حاجزًا أمنيًا أساسياً تحت إشراف قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF)، وأسهمت في الحفاظ على قدر من الاستقرار الحدودي رغم غياب اتفاق سلام رسمي بين الطرفين هذا ما ورد على (الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 2024).

وتتابع القراءة ، وفي خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا في موقف العدو الإسرائيلي، أعلن رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو أن اتفاقية فك الاشتباك لم تعد سارية، معتبرًا أن الترتيبات السابقة فقدت فعاليتها في ضوء المستجدات. وترافق ذلك مع تقييد واضح لحركة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF)، حيث تراجع نشاط دورياتها بشكل ملحوظ، بالتوازي مع إقامة منشآت عسكرية إسرائيلية داخل المنطقة العازلة، في انتهاك مباشر لولايتها الأممية.

وفي سياق موازٍ، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن لقاء جديد جمع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر بمسؤولين سوريين في باريس، بوساطة أميركية، ضمن مسار تفاوضي غير معلن رسميًا. ووفق مصادر نقلتها الصحيفة، فإن هذا اللقاء لم يكن خيارًا إسرائيليًا خالصًا، بل جاء تحت ضغط أميركي، في وقت لم تكن فيه تل أبيب راغبة في تقييد حركتها العسكرية داخل سوريا، حيث تمحورت المباحثات حول إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني بين الجانبين.

وفي هذا الإطار تشير المقابلات الواردة في موقع المنار إلى أن التحولات في الجنوب السوري تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز البعد الميداني. إذ يوضح علي حيدر أن الجنوب السوري يندرج ضمن خرائط توسع إسرائيلية قديمة يُعاد تفعيلها في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، بما يشمل السعي نحو إنشاء مناطق عازلة وربطها بمفهوم الأمن القومي الإسرائيلي والتأثير في البيئة الداخلية السورية.

كما يرى جمال زهران أن ما يجري يرتبط بمشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المشرق، من خلال مشاريع مثل “ممر داوود” الهادف إلى ربط الجنوب السوري بامتدادات إقليمية أوسع ضمن تصور جيوسياسي أميركي–إسرائيلي. ويشير رفعت السيد أحمد إلى أن السيطرة على الجولان وجبل الشيخ تمنح الكيان قدرة على مراقبة وتهديد نطاق إقليمي واسع يتجاوز سوريا، ما يعزز البعد الاستراتيجي للجغرافيا في الصراع.

أما حسن حجازي فيلفت إلى أن التمركز الإسرائيلي في جبل الشيخ يوفّر قدرات رصد تمتد من الجنوب السوري حتى البقاع اللبناني، ما يجعل المنطقة جزءًا من منظومة مراقبة متقدمة تربط مسارح عمليات متعددة في المشرق.

ثامناً: لبنان وعود بالسيادة الكاملة واعادة الاعمار ودعم انساني

في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتصاعد المواجهة بين المقاومة والعدو الإسرائيلي منذ مرحلة إسناد غزة وصولًا إلى «معركة العصف المأكول»، وفي سياق التحولات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما مع اتساع نطاق المواجهة ليشمل أبعادًا مرتبطة بالعدوان الأميركي–الإسرائيلي على الجمهورية الاسلامية الإيرانية، عاد ملف التفاوض إلى واجهة النقاش السياسي اللبناني.

ولا يقتصر الجدل الدائر حول هذا الطرح على كونه مسألة تقنية مرتبطة بآليات التفاوض، بل يتجاوز ذلك إلى جوهر العملية التفاوضية نفسها، ولا سيّما لجهة ارتباطها بالمطالب اللبنانية الأساسية، وفي مقدّمها: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار. الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان الانتقال إلى التفاوض المباشر من شأنه تلبية هذه المطالب أو إمكانية تحقيقها في ظل أطماع العدو التوسعية.

في هذا السياق، تعكس مقاربة منشورة في جريدة الأخبار في العدد الصادر يوم الثلاثاء 10 آذار 2026 رؤية نقدية حادّة لموقف السلطة اللبنانية من طرح التفاوض المباشر. إذ ترى أن إعلان جوزيف عون الاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة، بالتوازي مع الحديث عن هدنة ووعود تتصل بضبط السلاح، لا يعكس قدرة فعلية على التأثير في مسار الحرب، بقدر ما يكشف عن محاولة استرضاء الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتشير المقالة إلى أن هذه المقاربة لم تُثمر أي تجاوب دولي، بل قوبلت بتجاهل أميركي واضح، حيث لم تلقَ التعهدات اللبنانية، سواء في ما يتعلق بسلاح المقاومة أو بالاستعداد للانتقال إلى مفاوضات مدنية، أي اهتمام يُذكر. كما تُبرز محدودية الدور الفرنسي، رغم محاولات إيمانويل ماكرون التدخل، في ظل تهميشه من قبل واشنطن وتل أبيب.

إذاً ماذا وراء إعلان رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان تحت النار، بعد فشله في تحقيق أيّ إنجاز في الميدان وارتكابه مجازر مروّعة في بيروت، سوى محاولة للهروب إلى الأمام؟ وهل يستهدف من ذلك فتح ثغرة داخل الداخل اللبناني وإثارة الانقسام حول شكل التفاوض، في ظل تمسّك أطراف لبنانية بارزة بخيار المفاوضات غير المباشرة عبر آلية “الميكانيزم” وتحت سقف القرار 1701؟.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الملك سكرية، رئيس الجمعية الوطنية لمناهضة التطبيع، أن الهدف الأساسي للعدو الإسرائيلي والولايات المتحدة هو القضاء على المقاومة الإسلامية في لبنان، باعتبارها قوة أساسية نجحت في تحقيق انتصارات بارزة، خصوصًا في حرب تموز 2006، وفي مراحل لاحقة وصفها بـ“الصمود الاستثنائي” أمام الاعتداءات الإسرائيلية. ويعتبر أن هذه المقاومة تشكّل عنصر قلق مباشر لكل من الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، لأن الجيش الإسرائيلي غير قادر على إنهائها عسكريًا، ما يدفع هذه الأطراف إلى اعتماد أساليب أخرى تقوم على الضغط الداخلي، عبر إثارة الفتن أو الدفع نحو حروب داخلية واستنزاف المقاومة داخل الساحة اللبنانية. ويحذّر من خيار التفاوض أو ما يُسمّى بالحلول الدبلوماسية، معتبرًا أنها تصبّ في خدمة العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة دون أن تقدّم مكاسب حقيقية للبنان، مشيرًا إلى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، وما تبعها من توسّع استيطاني وتراجع في الواقع الفلسطيني، محذرًا من محاولة تكرار النموذج نفسه في لبنان عبر تحويله إلى كيان منزوع القوة وخاضع لتفاهمات أمنية مع العدو الإسرائيلي.

تاسعاً: الخلاصات (فجوة بين الوعود والنتائج)

يتبيّن من خلال هذه الدراسة أنّ الدور الذي أدّته الولايات المتحدة الأميركية في الوساطة بين عدد من الدول العربية والعدو الإسرائيلي، في سياق إبرام اتفاقيات السلام والتطبيع، انحاز عمليًا لصالح العدو الإسرائيلي أكثر مما وفّر للدول العربية الموقّعة أو تلك التي لا تزال في طور انتظار هذا المسار، ومن بينها لبنان وسوريا. إذ تُظهر التجارب أن الفجوة بين الوعود الأميركية المرتبطة بالازدهار والتنمية والاستقرار، وبين النتائج الفعلية على الأرض، كانت واسعة وواضحة.

ففي الممارسة العملية، تراجعت تلك الوعود أمام اختبارات الواقع، حيث استغل العدو الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة ولبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية لتوسيع نطاق عملياته العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة، من دون أن تترجم الضمانات الأميركية إلى قيود فعلية على سلوكه. كما برز ذلك في محاولات فرض مناطق عازلة داخل الأراضي المصرية خلال العدوان على غزة، بما شكّل، وفق قراءات عديدة، مساسًا غير مباشر بروح اتفاقية السلام المصرية–الإسرائيلية.

وفي السياق الخليجي، لم تتمكن الولايات المتحدة من تقديم مظلة حماية فعلية لحلفائها، في ظل تعرّض قواعدها العسكرية في المنطقة لهجمات صاروخية مرتبطة بالتوتر مع إيران، ما كشف حدود الالتزامات الأمنية الأميركية في لحظات التصعيد.

أما في الحالة السورية، فرغم انخراط النظام الجديد في مسارات تفاوضية مباشرة مع العدو الإسرائيلي، فإن ذلك لم يُترجم إلى مكاسب سياسية أو ميدانية، بل تزامن مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمساحات إضافية من الأراضي السورية وتكريس وقائع جديدة على الأرض.

وفي لبنان، وعلى الرغم من إعلان رئيس الجمهورية جوزيف عون الاستعداد للانخراط في أي مسار يحقق مصلحة البلاد، جاءت الوقائع الميدانية مغايرة تمامًا، حيث استمر العدوان الإسرائيلي وتكررت الخروقات والاعتداءات على المدنيين وإرتكاب المجازر، من دون أي التزام فعلي بوقف إطلاق النار أو تثبيت الهدنة.

وضمن هذا الإطار التحليلي، يرى الدكتور وليد محمد علي أن جوهر السياسات الأمريكية المرتبطة بمسارات التطبيع يقوم على إعادة تشكيل المنطقة بطريقة تُبقي الدول العربية في حالة ضعف أو تبعية، مقابل تكريس التفوق الإسرائيلي سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. ويعتبر أن هذه الاتفاقيات لم تؤدِّ، وفق هذا المنظور، إلى تحقيق استقلال فعلي أو تنمية مستدامة للدول العربية، بقدر ما ساهمت في إعادة توزيع موازين القوى الإقليمية بما يخدم المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

وفي المحصلة، تكشف هذه الوقائع أن المعادلة التي رُوّج لها أميركيًا، والقائمة على ربط الانخراط في مسارات التطبيع والتفاوض بضمانات سياسية وأمنية واقتصادية، لم تصمد أمام اختبار الميدان، حيث أظهرت التطورات أن ميزان الاستفادة بقي مائلًا لصالح العدو الإسرائيلي، في ظل عجز الضمانات الأميريكية عن فرض التزامات حقيقية أو كبح التصعيد.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.almanar.com.lb

تاريخ النشر: 2026-05-09 14:26:00

الكاتب: أحمد فرحات

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.almanar.com.lb
بتاريخ: 2026-05-09 14:26:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *