منوعات

سحب 5 آلاف وبقاء 80 ألف جندي.. فعلامَ كل هذا الضجيج؟ | سياسة

على الرغم من أن قرار الولايات المتحدة المعلن بسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، قد أثار حفيظة صناع القرار والمحللين والجمهور على حد سواء، فإنه يظل متسقا مع إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية الصادرة في يناير/كانون الثاني 2026، ولا يمثل حيزا جسيما من إجمالي القوة القتالية العسكرية الأمريكية في أوروبا.

لقد قرأ البعض هذه الخطوة من منظور التوترات السياسية فحسب، مشيرين إلى الخلافات الأخيرة بين واشنطن وبرلين حول العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، بما في ذلك الجهود الرامية لتأمين مضيق هرمز.

ولا شك أن هذه الديناميكيات السياسية واقع ملموس، وقد صبغت نبرة السجالات الأخيرة بين الحكومتين؛ بيد أن قصر التركيز على الاحتكاك الدبلوماسي الراهن ينطوي على مخاطرة إغفال السياق الإستراتيجي الأوسع الذي يكتنف هذا القرار.

يعكس خفض القوات في حقيقة الأمر، مزيجا من الرسائل السياسية قصيرة المدى، والتوجهات الهيكلية الراسخة في إستراتيجية الدفاع الأمريكية. فعلى مدى عقود، دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة -جمهورية كانت أم ديمقراطية- على حث أوروبا للاضطلاع بحصة أكبر من المسؤولية الدفاعية.

ومن ثم، ينبغي فهم التعديل الحالي في وضعية القوات بوصفه جزءا من هذا المسار طويل الأمد.

ويبدو البعد السياسي هو الأكثر جلاء؛ إذ إن توقيت الإعلان، مقترنا بالتصريحات العلنية لكبار المسؤولين، قد يوحي بأن عدم رضا واشنطن عن دور ألمانيا المحدود في عمليات الشرق الأوسط قد لعب دورا في اتخاذ القرار.

فقد كان تحفظ ألمانيا على المشاركة في بعض جهود الأمن البحري، ومنها تلك الهادفة لضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، نقطة خلاف جوهرية. وقد رد القادة الألمان بتصريحات علنية خاصة بهم، مما سلط الضوء على مواطن الإجهاد في العلاقات الثنائية.

ومع ذلك، فإن المنطق الإستراتيجي الكامن وراء خفض القوات يسبق هذه الخلافات الأخيرة؛ فالولايات المتحدة ما فتئت تحث الحلفاء الأوروبيين على زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز القدرات العسكرية منذ العقود الأولى للحرب الباردة.

وفي عام 2011، ألقى وزير الدفاع روبرت غيتس خطابا شهيرا في بروكسل حذر فيه من أن الدعم الأمريكي لحلف الناتو قد يضعف ما لم تعكس الدول الأوروبية مسار تراجع استثماراتها الدفاعية.

كانت رسالته مباشرة: أن استدامة الحلف على المدى الطويل تعتمد على توزيع أكثر توازنا للمسؤوليات الدفاعية.

وقد انسحب هذا النهج على إستراتيجية الدفاع الوطني لشهر يناير/كانون الثاني 2026، والتي جعلت من “تعزيز تقاسم الأعباء مع الحلفاء” ركيزة من ركائزها الأساسية.

وأوضحت الإستراتيجية أن على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للدفاع عن الوطن والردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارهما أسمى هدفي أمنها القومي.

وتلبية هذه الأولويات قد تقتضي إعادة مواءمة القوات الأمريكية عالميا، بما في ذلك إجراء بعض التخفيضات في المناطق التي تزداد فيها قدرة الحلفاء على المساهمة بشكل أكبر في الدفاع الجماعي.

كما أضفى الصراع المستمر مع إيران مزيدا من التعقيد؛ حيث نشرت الولايات المتحدة مجموعة كبيرة من الأصول العسكرية في الشرق الأوسط؛ لدعم العمليات الجارية هناك.

وما يُغفل عنه غالبا هو الدور المحوري الذي تلعبه أوروبا في تمكين هذه المهام؛ إذ تعمل القواعد الأمريكية في ألمانيا ودول أوروبية أخرى كمراكز لوجيستية، ونقاط للإخلاء الطبي، ومناطق تحشد للقوات المتجهة إلى الشرق الأوسط وما وراءه.

وتظل أوروبا منصة أساسية لانطلاق القوة الأمريكية، ولا يغير التعديل الأخير في عدد القوات هذه الحقيقة الجوهرية للوضعية العسكرية الأمريكية العالمية.

ومن الأهمية بمكان أيضا إبقاء حجم هذا الخفض في سياقه الصحيح؛ فحتى بعد سحب 5 آلاف جندي، ستحتفظ الولايات المتحدة بنحو 80 ألفا من القوات المسلحة في أوروبا.

وقد وضع الكونغرس حدا أدنى قانونيا يبلغ 75 ألف جندي، مما يعكس الالتزام الراسخ من كلا الحزبين بالدفاع عن حلف الناتو. ويمثل هذا التعديل تغييرا طفيفا نسبيا ضمن وجود أمريكي أوسع نطاقا ولا يزال متينا.

ومن اللافت أن رد فعل الحكومة الألمانية على الإعلان كان موزونا؛ حيث أكد وزير الدفاع الألماني أن القرار يتماشى مع توجه أعم، وهو أن أوروبا تزيد من استثماراتها في دفاعها الخاص.

فقد نمت ميزانية الدفاع الألمانية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يتوسع “الجيش الألماني” بوتيرة لم تشهدها البلاد منذ عقود. ويعكس هذا التحول أمرين:

إدراكا أوسع في جميع أنحاء أوروبا أن البيئة الأمنية قد تغيرت بشكل كبير منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، ومنح إدارة ترمب الأولوية للدفاع عن الوطن والردع في آسيا، مع مطالبة الحلفاء الأوروبيين بأخذ زمام المبادرة في أوروبا. وتأخذ الدول الأوروبية الآن على محمل الجد ضرورة تعزيز قدراتها الردعية الخاصة.

هذا هو السياق الأرحب الذي ينبغي فهم القرار الأمريكي من خلاله. إن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي ليست محل ترحيب فحسب، بل هي ضرورة ملحة.

فلفترة طويلة جدا، اعتمد التحالف عبر الأطلسي بشكل غير متناسب على القوة العسكرية الأمريكية. وبينما تظل الولايات المتحدة ملتزمة بحلف الناتو، فإن الاستقرار طويل الأمد للحلف يعتمد على لعب أوروبا دورا أكبر في الدفاع عن نفسها.

إن اللحظة الراهنة -التي تتسم بعدم اليقين الجيوسياسي، والتهديدات المتزايدة، وتحول الأولويات العالمية- تمنح أوروبا فرصة للتقدم إلى الأمام.

إن خفض القوات الأمريكية في ألمانيا يُنظر إليه على نحو أفضل باعتباره “تعديلا إستراتيجيا” وليس قطيعة؛ فهو يعكس كلا من الديناميكيات السياسية الآنية، والقوى الهيكلية الأعمق التي تشكل سياسة الدفاع الأمريكية.

ومع استمرار أوروبا في الاستثمار في أمنها الخاص، وتركيز الولايات المتحدة على تحدياتها ذات الأولوية القصوى، قد ينبثق في نهاية المطاف تحالف عبر أطلسي أكثر توازنا -تحالف يعزز الردع ويوطد القيم المشتركة التي تقع في قلب هذا الحلف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-05-10 01:50:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.aljazeera.net
بتاريخ: 2026-05-10 01:50:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *