الدفاع والامن

تصريحات غينادي زوغانوف عن احتمال تكرار ثورة 1917 في روسيا

i مصدر الصورة: lslutsky
تصريحات غينادي زوغانوف عن احتمال تكرار ثورة 1917 في روسياتصريحات غينادي زوغانوف عن احتمال تكرار ثورة 1917 في روسيا

لم يكن الصدى الواسع الذي أحدثته تصريحات غينادي زوغانوف ناتجًا فقط عن حدّة العبارة، ولا عن موقع قائلها فحسب، بل عن الاستدعاء المقصود لأخطر سنة في الذاكرة السياسية الروسية الحديثة: 1917. ففي وعي الدولة والمجتمع في روسيا، لا تحيل هذه السنة إلى تغيير حكومي عابر، بل إلى لحظة انكسار شامل: انهيار الإمبراطورية، وسقوط الشرعية القيصرية، وتآكل الجيش تحت ضغط الحرب، وانفجار أزمة الغذاء، ثم الانزلاق إلى ازدواج السلطة، فالثورة، فالحرب الأهلية، وأخيرًا إعادة تأسيس الدولة على أسس مغايرة تمامًا. ولهذا، فإن التلفظ بـ”1917″ في الخطاب الروسي المعاصر ليس استعارة تاريخية بريئة، بل جرس إنذار يلامس أعمق مخاوف السلطة والنخب معًا.

ومن هنا جاءت أهمية كلام زوغانوف، لأنه صدر من داخل النظام لا من خارجه، ومن شخصية أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صلب السياسة البرلمانية الروسية، وفي لحظة تتقاطع فيها حرب طويلة، وعقوبات ممتدة، وتباطؤ اقتصادي، وتوتر اجتماعي مكتوم. لذلك، لا ينبغي قراءة التصريح بوصفه نبوءة حرفية بقرب ثورة، ولا بوصفه رغبة في تكرارها، بل بوصفه علامة سياسية على أن شبح الانهيار الداخلي عاد إلى التداول، حتى بين القوى التي بنت دورها طوال سنوات على الدفاع عن الاستقرار، أو على الأقل على التعايش معه.

زوغانوف وموقعه في النظام الروسي

يصعب فهم دلالة التصريح من دون فهم طبيعة صاحبه. فزوغانوف ليس سياسيًا هامشيًا، بل هو أحد أقدم أركان المشهد السياسي الروسي ما بعد السوفيتي. ووفق السيرة الرسمية المنشورة على موقعه الحزبي، يتولى رئاسة الحزب منذ 1993، ويرأس كتلته البرلمانية منذ ذلك الحين تقريبًا، وخاض أربع مرات الانتخابات الرئاسية، وكان أبرز تحدياته في انتخابات 1996 حين بلغ أكثر من 40% في الجولة الثانية. وفي يوليو (تموز) 2025، أعاد مؤتمر الحزب التاسع عشر انتخابه رئيسًا للجنة المركزية، بما يؤكد أن الرجل، رغم تقدمه في السن، ما زال المرجعية الأساسية للحزب وصوته الأعلى.

غير أن أهمية زوغانوف لا تأتي من عمره السياسي الطويل فقط، بل من وظيفته داخل النظام. فهو يقود الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، ثاني أكبر قوة في البرلمان بحسب توصيف رويترز، أي ذلك النوع من “المعارضة النظامية” التي تنتقد الحكومة والحزب الحاكم، لكنها لا تعمل خارج الإطار الذي رسمته السلطة. والأهم أن الرجل نفسه شدد، عشية تصريحه المثير، على أن الشيوعيين “يفعلون كل شيء لدعم” فلاديمير بوتين واستراتيجيته وسياساته، وأنهم يقفون مع “الخط الوطني–الدولتي”. لذلك، فإن تحذيره لم يكن تمرّدًا على النظام بقدر ما كان احتجاجًا من داخله، ورسالة من فاعل يتقن حدود النقد المسموح، ويعرف في الوقت نفسه كيف يرفع منسوب الإنذار من دون كسر السقف السياسي العام.

معنى التصريح وشبح فبراير

قال زوغانوف كلامه تحت قبة مجلس الدوما، في سياق هجومي على الأداء الاقتصادي. ووفق التسجيل الذي استندت إليه رويترز، حذر من أن الاقتصاد “يتهاوى”، وأن البلاد إذا لم تتخذ سريعًا إجراءات “مالية واقتصادية وغيرها”، فقد تواجه بحلول الخريف ما حدث عام 1917. وفي القراءة الصحفية والسياسية السريعة، بدا الأمر كأنه تحذير من الثورة. لكن التدقيق في مضمون الخطاب يبين أن الرجل لم يكن يحرض على الانتفاض، بل كان يهاجم الحكومة، والبنك المركزي الروسي، والحزب الحاكم “روسيا الموحدة”، مع تحاشي تحميل بوتين المسؤولية المباشرة. وبهذا المعنى، بدا التصريح أقرب إلى تلويح بانفجار اجتماعي إذا استمر المسار الحالي، لا دعوة إلى تغيير ثوري.

وقد ازداد هذا المعنى وضوحًا عندما سارع الحزب، في اليوم التالي، إلى تعديل نص الخطاب المنشور على موقعه. فالعبارة التي أثارت الضجة أُعيدت صياغتها لتصبح إحالة صريحة إلى “فبراير 1917” لا إلى السنة كلها، كما حُولت من صيغة الجزم إلى صيغة الاحتمال. وهذا التعديل لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل توضيحًا سياسيًا بالغ الأهمية: المقصود هو التحذير من سيناريو انهيار الدولة والسلطة القديمة تحت ضغط الحرب والأزمة والشلل، لا تمجيد لحظة استيلاء البلاشفة على السلطة في أكتوبر (تشرين الأول). والحقيقة أن هذا التصحيح الحزبي يكشف أن الحزب نفسه أدرك سريعًا حساسية العبارة وخطورة التباسها في المجال العام الروسي.

بل إن العودة إلى النص الحزبي الأصلي تكشف أن زوغانوف نفسه كان يفكر بالفعل بمنطق فبراير أكثر من أكتوبر. فقد استعاد في خطابه المشهد السابق على سقوط النظام القيصري: تحذيرات وُجهت إلى نيقولا الثاني في أواخر 1916، وطوابير الخبز، وخروج النساء إلى الشارع، وتردد الجيش أو امتناعه عن إنقاذ السلطة. صحيح أنه مرّ لاحقًا على دور فلاديمير لينين وشعاراته التعبوية، ثم على الدولة السوفيتية اللاحقة، لكن بنية التحذير كانت واضحة: الكارثة تبدأ عندما تصم السلطة أذنيها عن مؤشرات التآكل، وحين تتحول الحرب الطويلة إلى مُسرّع لأزمة الثقة الداخلية.

روسيا اليوم على ضوء 1917

تكمن خطورة استدعاء 1917 في أن هذه السنة، داخل المخيال السياسي الروسي، ترمز إلى شيء أعمق من الثورة بوصفها تغييرًا أيديولوجيًا؛ إنها ترمز إلى انهيار القدرة على الحكم. ففي فبراير (شباط)، سقطت الملكية لأن الحرب العالمية الأولى استنزفت الدولة، ولأن أزمة المعيشة والغذاء أضعفت الإجماع الاجتماعي، ولأن النخب فقدت الثقة في القيادة، ولأن الجيش نفسه لم يعد حائط الدفاع المضمون عن النظام. ثم جاء أكتوبر (تشرين الأول) ليحسم صراع السلطة داخل فراغ مفتوح أصلًا، لا ليخلق الأزمة من العدم. ولهذا، تبدو إحالة زوغانوف إلى فبراير شديدة الدلالة: فهي تتكلم بلغة تفكك الدولة قبل أن تتكلم بلغة الثورة الأيديولوجية.

ومع ذلك، فإن المقارنة بين روسيا اليوم وروسيا 1917 يجب أن تُدار بحذر شديد. نعم، ثمة عناصر تشابه لا يمكن تجاهلها: حرب ممتدة تستنزف الموارد والناس، واقتصاد موجه بدرجة متزايدة نحو الحاجات العسكرية، ومناطق حدودية وجنوب روسي يتلقيان أثر الحرب مباشرة عبر هجمات المسيّرات وانقطاعات الكهرباء والخدمات، ومجتمع يعيش بين التعبئة الرمزية والإرهاق الصامت. كما أن الحرب لم تعد بعيدة عن الحياة اليومية تمامًا؛ فقد تسببت الهجمات الأوكرانية في انقطاعات واسعة للكهرباء في المناطق الحدودية، وأوقعت قتلى وجرحى داخل الأراضي الروسية، في حين أثارت إجراءات قطع الإنترنت المتكررة سخطًا بين المواطنين، وحتى داخل بعض دوائر النخبة الإدارية والاقتصادية.

لكن أوجه الاختلاف أكثر حسمًا، وهي ما يمنع أي إسقاط ميكانيكي على 1917. فالدولة الروسية المعاصرة أكثر مركزية وانضباطًا بكثير من الإمبراطورية القيصرية في أشهرها الأخيرة؛ والأجهزة الأمنية أكثر تماسكًا واتساعًا؛ والرقابة الإعلامية والرقمية أشد فاعلية؛ والمعارضة السياسية أضعف وأشد تشتتًا؛ ولا وجود لتنظيم ثوري جماهيري ذي قدرة تعبئة مستقلة. وإضافة إلى ذلك، لا تزال الدولة تمتلك أدوات تمويل وسيطرة وإدارة لا تشبه هشاشة السلطة المؤقتة عام 1917، حتى إن موازنة 2026 نفسها تقدم الدفاع والأمن والالتزامات الاجتماعية بوصفها أولويات مركزية، فيما يبقى النمو ضعيفًا، لكنه لم يتحول إلى انهيار شامل. والفرق الأساسي، إذًا، أن روسيا اليوم تواجه خطر التآكل البطيء أكثر من خطر الانفجار غير المحكوم على الطريقة الكلاسيكية.

الاقتصاد والعقد الاجتماعي تحت ضغط الحرب

إذا كان زوغانوف قد ربط التحذير مباشرة بالإجراءات المالية والاقتصادية، فلأن المركز الحقيقي لمخاوفه هنا هو الاقتصاد السياسي للاستقرار. فالأرقام الرسمية وشبه الرسمية لا تشير إلى انهيار، لكنها تشير بوضوح إلى فقدان الزخم. بوتين نفسه أقر في منتصف أبريل (نيسان) بأن الاقتصاد انكمش 1.8% في أول شهرين من 2026، فيما قالت رويترز إن هذا يمثل أشد انكماش من هذا النوع منذ أكثر من ثلاث سنوات. وفي 24 أبريل (نيسان)، خفض البنك المركزي سعر الفائدة إلى 14.5%، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن تباطؤ النشاط في الربع الأول، واستثمار “فاتر”، ونمو تضخم سنوي بلغ 5.7% حتى 20 أبريل (نيسان)، مع توقع نمو سنوي بين 0.5 و1.5% فقط. أما صندوق النقد الدولي، فيتوقع نموًا بنحو 1.1% في 2026، وهو رقم لا يعني أزمة وجودية، لكنه يعني اقتصادًا يتحرك عند حدود القدرة، لا عند أفق التوسع.

وتزداد الصورة تعقيدًا حين ننظر إلى المالية العامة. فوزارة المالية الروسية أعلنت أن الميزانية الفيدرالية سجلت في يناير (كانون الثاني)–مارس (آذار) 2026 عجزًا أوليًا كبيرًا بلغ 4.576 تريليون روبل، بزيادة ملموسة عن الفترة نفسها من العام السابق. وفي الوقت نفسه، تؤكد الموازنة المقررة أن الأولويات الأساسية هي الالتزامات الاجتماعية وتمويل احتياجات الدفاع والأمن الوطني. ومعنى ذلك أن الدولة لا تزال قادرة على شراء الوقت والاستقرار، لكنها تفعل ذلك بكلفة أعلى، وبقدر متزايد من تقديم الإنفاق الأمني والعسكري على حساب المرونة اللاحقة. حتى البنك المركزي نفسه أشار إلى أن الإقراض والنشاط تأثرا بتمويل حكومي مسبق ضخم في الربع الأول. وهنا بالضبط يصبح تحذير زوغانوف مفهومًا: ليس لأن الخزينة ستفرغ غدًا، بل لأن نموذج الاستقرار القائم على الإنفاق المرتفع، والضبط الأمني، والتعبئة الوطنية يواجه حدودًا متراكمة.

ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية: سوق العمل والإنتاج المدني. فوفق رويترز، تواجه روسيا نقصًا فوريًا لا يقل عن 2.3 مليون عامل، وهو نقص فاقمته الحرب والتعبئة واستنزاف الكفاءات والهجرة الجزئية، ودفع السلطات إلى البحث عن عمالة أجنبية جديدة. والبنك المركزي يقول إن ضيق سوق العمل أخذ يخف تدريجيًا، لكنه ما زال يتحدث عن بطالة عند مستويات تاريخية متدنية، وعن أجور تسبق الإنتاجية. وفي الصناعة، أظهر مؤشر مديري المشتريات انكماش قطاع التصنيع للشهر الحادي عشر على التوالي في أبريل (نيسان)، مع انخفاض التوظيف بأسرع وتيرة منذ أربع سنوات، فيما قال “روس ستات” إن الإنتاج الصناعي في الربع الأول لم يزد إلا زيادة هامشية. وهذه ليست مؤشرات ثورة بالمعنى المباشر، لكنها مؤشرات اقتصاد حرب يربح في بعض القطاعات، ويفقد التوازن في قطاعات مدنية أخرى.

ومن هنا، يصبح مفهوم “العقد الاجتماعي” أكثر فائدة من مفردة “الأزمة” المجردة. فالثورات لا تنشأ من الفقر وحده، بل من انقلاب التوقعات: حين يطلب النظام من المجتمع مزيدًا من التضحية، ثم يعجز عن إقناعه بأن الأعباء موزعة بعدالة، وأن الدولة ما زالت قادرة على حماية المستقبل، لا الحاضر فقط. وفي روسيا الحالية، تتجاور الوطنية العالية مع تضخم، وضغط معيشي، وارتباك الخدمات الرقمية، وتكرار الانقطاعات، وتعب من الحرب، وسؤال صامت عن زمن النهاية. وهذا هو المستوى العميق الذي قصده زوغانوف عندما ربط بين المالية العامة و1917: لحظة يصبح فيها الخلل الاقتصادي مدخلًا لتآكل الثقة، لا مجرد مشكلة أرقام.

الحزب الشيوعي ورسالة الضغط على السلطة

يبدو في الظاهر أن ثمة مفارقة: كيف يحذر زعيم حزب شيوعي من تكرار 1917، بينما يُفترض أن تلك السنة هي لحظة التأسيس الرمزية الأكبر للتاريخ الشيوعي الروسي؟ لكن هذه المفارقة تتبدد إذا فهمنا طبيعة الحزب اليوم. فالحزب لم يعد حزبًا ثوريًا كلاسيكيًا ينتظر الانقضاض على النظام، بل تحول إلى قوة وطنية–اجتماعية محافظة نسبيًا، تتمسك بمفردات العدالة الاجتماعية والسيادة والدولة القوية أكثر مما تتمسك بخيال الانتفاضة. وهذا ظاهر بوضوح في “برنامج النصر” الذي يطرحه الحزب في 2026: تنظيم الأسعار والتعريفات، وحماية اجتماعية أعلى، وتخفيف العبء الائتماني، وتأكيد مركزية “الدولة المقتدرة” و”الحياة الآمنة الكريمة” و”السيادة”. إننا هنا أمام يسار دولتي، لا يسار تمرّدي.

ولهذا، يمكن قراءة كلام زوغانوف أيضًا بوصفه رسالة ضغط إلى الكرملين أكثر منه خطابًا إلى الشارع. فالرجل يحاول، على الأرجح، أن يقول للسلطة: غيّروا المسار الاقتصادي والاجتماعي قبل أن يتحول التململ الصامت إلى أزمة شرعية أو إلى تشقق داخل النخبة نفسها. وهذه القراءة يعضدها أن ردود الفعل من الحزب الحاكم لم تنكر وجود المشكلات، بل قللت من جدة كلامه، وقالت إن التحديات حقيقية، وإن بعض التعديلات المطلوبة تؤخذ بالفعل في الحسبان. أي إن الجدل لم يكن حول وجود الضغوط، بل حول ما إذا كانت قد بلغت مستوى التهديد التاريخي الذي لمح إليه زوغانوف.

وفي هذا المعنى تحديدًا، لا يبدو زوغانوف خارج النسق، بل يؤدي وظيفة معروفة داخل النسق: إطلاق إنذار مضبوط، يعبّر عن مصالح قاعدة اجتماعية قلقة من الأسعار والركود والخدمات، ويتيح للنظام في الوقت نفسه قناة امتصاص نقد من داخل البرلمان لا من الشارع. لكن خطورة الأمر أن هذا النوع من التحذير، حين يصدر من لاعب شديد الانضباط، يفقد قيمة المناورة الدعائية البسيطة، ويصبح مؤشرًا إلى أن التوتر بلغ حدًا يستحق استخدام أخطر رموز التاريخ الروسي.

بين السخرية وإمكان الاضطراب

تلقّى الإعلام والجمهور التصريح بقدر كبير من السخرية، وربما كان ذلك متوقعًا. فقد بدت المفارقة جذابة إلى حد لا يُقاوَم: زعيم شيوعي يحذر من الثورة، ويفعل ذلك في سياق استدعاء إرث لينين. وقد أشارت التغطيات الروسية إلى أن المقطع ولد كمًا كبيرًا من النكات والتعليقات الساخرة، وأن الفيديو انتشر سريعًا على الشبكات الاجتماعية. غير أن هذه السخرية نفسها تخفي تحوّلًا أعمق: 1917 لم تعد في الخطاب الروسي الرسمي أو شبه الرسمي وعدًا بالخلاص، بل صارت اسمًا للفوضى والانقسام والحرب الأهلية. وهنا تحديدًا تكمن قوة العبارة التي أطلقها زوغانوف، حتى لو بدا ظاهرها قابلًا للتندر.

أما السؤال الأهم، وهو ما إذا كانت روسيا مهددة فعلًا بثورة جديدة، فيقتضي جوابًا متوازنًا لا ينجرف إلى الدراما ولا إلى الإنكار. فلا توجد حتى الآن مؤشرات مباشرة على ثورة شاملة بالمعنى الكلاسيكي: الأجهزة الأمنية قوية، والفضاء العام شديد الضبط، والمعارضة غير النظامية مجروحة ومفككة، وحتى الحزب الليبرالي المناهض للحرب الذي يحاول مواصلة العمل يفعل ذلك تحت ضغط قانوني وأمني شديد. وفي الوقت نفسه، لا يزال تأييد القيادة والحرب، وفق استطلاعات مركز ليفادا، مرتفعًا نسبيًا، وإن كان يتراجع ببطء في بعض المقاييس. وكل هذا يجعل سيناريو “إعادة إنتاج أكتوبر” شبه مستبعد في المدى المنظور.

لكن استبعاد الثورة لا يعني استبعاد الاضطراب. فالمؤشرات المتراكمة تدل على شيء آخر أكثر تعقيدًا: إمكانية نشوء توترات اجتماعية واقتصادية وسياسية تتخذ أشكالًا أقل درامية وأكثر خطورة على المدى الطويل؛ مثل تآكل الشرعية، واحتكاك متزايد بين الدولة والمجتمع حول الأعباء، وغضب مناطقي أو مهني، وتوتر داخل شرائح من النخبة الاقتصادية والإدارية من كلفة السيطرة والحرب، واتساع الفجوة بين خطاب الصمود ومتطلبات الحياة اليومية. وفي هذا المستوى، يصبح 1917 عند زوغانوف ليس جدولًا زمنيًا، بل تحذيرًا من “لحظة الانتقال” حين تتراكم الضغوط إلى درجة تجعل أكثر الأنظمة استقرارًا عرضة لتبدل نوعي مفاجئ.

الاستنتاجات

لا تبدو تصريحات زوغانوف نبوءة حتمية، ولا تصلح دليلًا على أن روسيا تقف غدًا على أبواب ثورة جديدة. لكن أهميتها الحقيقية تكمن في شيء آخر: أنها تكشف أن شبح 1917 ما زال حيًا في الوعي الروسي بوصفه رمزًا لانهيار الدولة عندما تجتمع الحرب الطويلة مع الاختناق الاقتصادي وفقدان الثقة.

روسيا اليوم ليست روسيا القيصرية: دولتها أكثر مركزية، وأجهزتها أكثر صلابة، ومجالها العام أكثر ضبطًا، ومعارضتها أضعف بكثير. ومع ذلك، فإن دروس التاريخ الروسي التي استدعاها زوغانوف لا تتعلق بتطابق الشروط، بل بتشابه الآلية: الدول الكبرى لا تسقط فقط بفعل أعدائها الخارجيين، بل حين تتآكل قدرتها الداخلية على إدارة التضحيات، وتوزيع الأعباء بعدالة، وإقناع المجتمع بأن ألم الحاضر يقود إلى أفق مفهوم للمستقبل.

ومن هذه الزاوية، فإن عبارة زوغانوف ليست دعوة إلى الثورة ولا احتفالًا بها، بل إنذار سياسي ثقيل من داخل النظام بأن الاستقرار، مهما بدا متماسكًا، ليس قيمة مُعطاة إلى الأبد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-05-10 19:26:00

الكاتب: ديميتري بريجع

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-10 19:26:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *