حياة بـ30 ألف ريال.. صفية ماتت دون عناية وسط أزمة صحية باليمن | سياسة




تعز- بيدين نحيلتين وجسد منهك حمل الأب محمد سيف حسن طفلته صفية (4 أعوام) إلى أحد مستشفيات مدينة تعز، في محاولة أخيرة لإنقاذها من حمى شديدة داهمتها، غير أن الرحلة انتهت بوفاتها داخل المستشفى بعد تعذر إدخالها إلى قسم العناية المركزة بسبب عجز الأسرة عن دفع تكاليف العلاج المقدرة بنحو 30 ألف ريال يمني وفق والدها.
توفيت الطفلة داخل المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة شرقي مدينة تعز (جنوب غربي اليمن) في حادثة أعادت الجدل حول واقع القطاع الصحي وأثارت موجة تفاعل واسعة ومطالبات بفتح تحقيق ومساءلة المسؤولين، في ظل أزمة إنسانية واقتصادية متفاقمة تضغط على الخدمات الصحية في البلاد.
من أرياف تعز إلى أبواب مشافي موصدة
يقول والد الطفلة صفية، في حديثه للجزيرة نت، إن معاناة طفلته بدأت بارتفاع حاد في درجة الحرارة قبل أن تُظهر الفحوصات الأولية إصابتها بتكسر في الدم. وبحسب الأب جرى تحويل الحالة من مستشفى النشمة إلى مستشفى الثورة في مدينة تعز غير أن الأخير رفض استقبالها وأحالها إلى المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة باعتباره مركزا تخصصيا للأطفال والحالات الحرجة.
يضيف الأب للجزيرة نت أن طفلته أُدخلت فور وصولها إلى غرفة طبية عادية قبل أن يخضع وضعها لتقييم طبي انتهى إلى ضرورة نقلها بشكل عاجل إلى العناية المركزة. ويوضح “قالوا لي إنها تحتاج عناية مركزة فورا لكنني لم أكن أملك المال”.
وبحسب الأب فقد طُلب منه دفع 30 ألف ريال يمني مقابل إدخال طفلته إلى العناية المركزة وهو ما لم يتمكن من توفيره بسبب ظروفه المادية.

لا رعاية دون مال
ويتابع محمد سيف أن المستشفى طلبوا منه إحضار والدة الصبية، لكنها في الريف والمكان بعيد ولم يستطع الأب توفير تكاليف النقل أو العلاج.
وضع الأب هاتفه كرهينة، وأبلغ المستشفى أن والدة الطفلة ستحضر في اليوم التالي بسبب ظروف المواصلات. وخرج ليبحث عن أي مساعدة لكنهم اتصلوا به لاحقا وأخبروه أن طفلته توفيت.
وبحسب الأطباء في المستشفى فإن حالة الطفلة كانت حرجة وتستدعي تدخلا عاجلا، إذ أوضح مدير المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة الدكتور سامي الشرعبي للجزيرة نت أن الطفلة “كانت بحاجة إلى رعاية صحية عاجلة ومتابعة طبية مكثفة” غير أن الظروف المادية الصعبة التي تمر بها أسرتها حالت دون استكمال إجراءات العلاج وتغطية تكاليف الرعاية المطلوبة.
وأضاف الشرعبي للجزيرة نت أن الطفلة “وصلت إلى قسم الطوارئ في حالة حرجة، وتم إدخالها إلى غرفة الإفاقة المجهزة بكامل الأجهزة والمعدات الطبية، مؤكدا أن تقييم حالتها كان يستدعي تحويلها إلى قسم العناية المركزة”.
وخلال زيارة الجزيرة نت للمستشفى اليمني السويدي، التقينا بالأم رغدة محمد صالح أمام مكتب المدير وهي تحمل ورقة تطلب فيها تخفيض تكاليف علاج ابنتها أنفال (7 أعوام) المصابة بثقب في القلب والتي ترقد في أحد أقسام المستشفى. لكنها لم تستطع الدخول إلى مكتب المدير.
تقول رغدة، للجزيرة نت، إن حالتها المادية متدهورة وإنها غير قادرة على تغطية تكاليف علاج ابنتها. وتضيف للجزيرة نت “طلبوا مني 10 آلاف ريال مقابل الأكسجين والكشافة ولا أملك ريالا واحدا. استدنت من الصيدلية لشراء العلاج والآن لا أستطيع الدفع”.

مطالب بمحاسبة “سماسرة الأوجاع”
حادثة وفاة الطفلة أثارت موجة غضب واسعة في اليمن حيث عبّر ناشطون وحقوقيون عن استيائهم من تكرار مثل هذه الوقائع مطالبين بضمان حق المرضى في العلاج الطارئ دون اشتراطات مالية في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية.
وعقب تصاعد الجدل أعلن مكتب الصحة العامة في تعز تشكيل لجنة تحقيق عاجلة للوقوف على ملابسات وفاة الطفلة مؤكدا عدم التهاون مع أي تقصير في استقبال الحالات الحرجة.
كما شدد على أن أي منشأة صحية ترفض استقبال الحالات الطارئة ستواجه إجراءات قانونية رادعة، فيما وجهت السلطة المحلية بتشكيل لجنة موازية لمراجعة جميع الإجراءات منذ لحظة وصول الطفلة وحتى وفاتها.
وفي السياق، أكدت وكيلة محافظة تعز للشؤون الصحية، إيلان عبد الحق، أن الجهات المختصة ستتخذ إجراءات قانونية بحق أي جهة يثبت تقصيرها أو تورطها، مع إحالة الملف إلى القضاء.

ميزانيات ضعيفة
من جهته، قال المدير سامي حمود الشرعبي للجزيرة نت إن المستشفى “هو المرفق المرجعي الوحيد في محافظة تعز والمحافظات المجاورة ويستقبل مختلف الحالات في أقسام الطوارئ والعناية المركزة والحاضنات والعمليات والرقود”
وأوضح في حديث للجزيرة نت أن المستشفى يشهد ضغطا كبيرا خلال الفترة الأخيرة نتيجة تزايد أعداد المترددين خصوصا بعد فتح طريق الحوبان، ما أدى إلى تدفق حالات من محافظات عدة، وغالبيتها تصل في أوضاع حرجة.
وأضاف أن الدعم الحكومي للمستشفى لا يتجاوز 3.2 ملايين ريال شهريا، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء محدود من احتياجات التشغيل اليومية.
وبيَّن أن المستشفى يحتاج إلى نحو 80 إلى 85 مليون ريال شهريا لتغطية النفقات التشغيلية بما في ذلك الأدوية والمستلزمات الطبية والمياه والأكسجين ورواتب الكوادر. لافتا إلى أن نحو “80% من العاملين يعملون بنظام التعاقد”.
وأشار إلى أن المستشفى “استقبل خلال العام الماضي نحو 370 ألف متردد فيما بلغ عدد المترددين خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري نحو 120 ألف حالة” ما تسبب في ضغط كبير على مختلف الأقسام خصوصا الطوارئ والعناية المركزة.
كما كشف في حديثه للجزيرة نت عن ديون متراكمة على المستشفى لصالح موردي الأدوية والمستلزمات الطبية تُقدر بنحو 110 ملايين ريال مرجعا ذلك إلى “تراجع التمويل وتوقف دعم منظمات دولية، بينها منظمة اليونيسف التي كانت تقدم دعما شهريا يقدر بنحو 30 ألف دولار”.

أعباء متزايدة ووضع حرج
في السياق يقول الطبيب محمد الفقيه للجزيرة نت إن “الرسوم التي يدفعها المرضى أصبحت مصدر تمويل رئيسي تعتمد عليه المستشفيات بشكل شبه كامل لتسيير خدماتها” هذا الواقع ينعكس مباشرة على المرضى في ظل تراجع الدعم الحكومي وارتفاع كلفة التشغيل.
ويضيف الطبيب محمد الفقيه للجزيرة نت “وضع المستشفيات في تعز متدهور بشكل عام خصوصا المستشفيات المركزية وفي مقدمتها المستشفى اليمني السويدي الذي يُعد مرجعا لمرضى الأطفال وقد كان يستقبل خلال سنوات الحرب مرضى من محافظات عدة بينها إب والضالع والحديدة ولحج وعدن”
ويوضح الطبيب محمد الفقيه خلال حديثه للجزيرة نت أن بعض المستشفيات الحكومية “تحظى بدعم من منظمات دولية مثل مستشفى خليفة ومستشفى النشمة وعدد من المرافق الريفية بينما تعاني المستشفيات المرجعية من تراجع واضح في مستوى الدعم.”
ويؤكد أن شح الإمكانيات، وانهيار العملة، وارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية أدى إلى تراجع الخدمات الصحية، في ظل ثبات الميزانيات التشغيلية وغياب حلول حكومية واضحة، ما دفع القطاع الصحي في تعز إلى مرحلة حرجة.
تذاكر الموت
من جهته، يقول مصدر طبي (فضل عدم ذكر اسمه) للجزيرة نت” الرسوم التي تفرض من قبل المستشفيات الحكومية على المواطنين هي حمل ثقيل على المريض خاصة أنه في عام 2024 تم اعتماد لائحة تقر تسعيرة خاصة بكل الخدمات الطبية وهي شبه قريبة من تسعيرة المستشفيات الخاصة ومجحفة بحق المواطن.”
وأضاف المصدر الطبي للجزيرة نت “كل المستشفيات وقعت على التسعيرات عدا مستشفى الثورة العام، ومستشفى الأمراض النفسية الواقع في مدينة النور غرب مدينة تعز.”وقد حصلت الجزيرة نت على هذه الوثائق كاملة، وبشكل حصري.
لتبقى حادثة الطفلة صفية، واحدة من الحوادث التي تعكس جانبا من الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن، حيث يواجه القطاع الصحي انهيارا تدريجيا في الإمكانيات والخدمات، في ظل استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد، ما يجعل المرضى خصوصا الأطفال أمام مخاطر متزايدة نتيجة محدودية القدرة على الاستجابة الطبية وارتفاع تكاليف العلاج.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-05-11 07:58:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
