الدفاع والامن

الوضع الداخلي في روسيا وانعكاسات الحرب الأوكرانية

الوضع الداخلي في روسيا وانعكاسات الحرب الأوكرانيةالوضع الداخلي في روسيا وانعكاسات الحرب الأوكرانية

تشير المعطيات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية الروسية خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أن الدولة الروسية ما تزال تحتفظ بدرجة مرتفعة من التماسك المؤسسي والسيطرة الأمنية، رغم استمرار الحرب في أوكرانيا وتحولها إلى صراع استنزاف طويل الأمد مع الغرب.

وتوضح القراءة المتقاطعة للمصادر الروسية الرسمية، والصحافة الرئيسية، ومراكز الدراسات، واستطلاعات الرأي، أن موسكو نجحت حتى الآن في منع تحول الضغوط العسكرية والعقوبات الغربية إلى أزمة سياسية داخلية، إلا أن طبيعة التحديات الروسية بدأت تنتقل تدريجيا من المجال العسكري الخارجي إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي الداخلي.

وتظهر المؤشرات الروسية أن الرئيس الروسي وإدارته في الكرملين لا يتعاملان مع الحرب باعتبارها أزمة مؤقتة، بل باعتبارها مواجهة استراتيجية طويلة تستوجب إعادة تشكيل الاقتصاد، والعقيدة العسكرية، وهيكل الدولة، وأولويات المجتمع.

لكن، في الوقت نفسه، يجدر القول إن استمرار الحرب يفرض ضغوطا متزايدة تتعلق بالتضخم، ونقص الكوادر البشرية، وارتفاع الإنفاق العسكري، والإرهاق الاجتماعي، وتراجع وتيرة النمو الاقتصادي.

أولاً – الوضع السياسي والأمن الداخلي

1.1. البيئة السياسية الداخلية

دخل النظام السياسي الروسي مرحلة يمكن توصيفها بالاستقرار التعبوي طويل الأمد، حيث نجحت الدولة في تحويل الحرب من حالة طارئة إلى إطار دائم لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع والاقتصاد.
وتشير نتائج مركز “فتسيوم” (مركز عموم روسيا لاستطلاع الرأي العام) الصادرة في فبراير (شباط) 2026 إلى أن مستوى تأييد العملية العسكرية الخاصة ما يزال عند حدود 65%، وهي نسبة قريبة من مستويات الدعم المسجلة خلال المراحل الأولى للحرب، كما اعتبر 65% من المستطلعين أن العمليات العسكرية الروسية “تسير بنجاح نسبي”. وتعكس هذه النسبة استمرار قدرة الدولة الروسية على الحفاظ على التماسك السياسي والمجتمعي رغم طول أمد الحرب.

وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات مؤسسة “فوم” لاستطلاع الرأي، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، أن 51% من الروس يتوقعون أن يكون عام 2026 أفضل بالنسبة لروسيا، بينما ربطت الأغلبية هذا التفاؤل بإمكانية انتهاء الحرب وتحقيق الأهداف الروسية. وفي المقابل، أشار 11% إلى توقعهم تدهور الأوضاع بسبب التضخم والصعوبات الاقتصادية.

أما استطلاعات مركز “ليفادا” (مركز شبه مستقل لاستطلاع الرأي العام) خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026، فتُظهر صورة أكثر تعقيدا، حيث ما يزال تقييم المواطنين الروس للوضع السياسي العام مستقرا نسبيا، نعم، لكن مع تصاعد تدريجي للقلق المرتبط بمستويات المعيشة والأسعار وطول أمد الحرب.

وتوضح تحليلات مراكز الدراسات الروسية الرئيسية، مثل “فالداي” و”المجلس الروسي للشؤون الدولية”، أن النخبة الروسية باتت تنظر إلى المواجهة مع الغرب باعتبارها صراعا بنيويا طويل الأمد، وليس أزمة قابلة للتسوية السريعة.

1.2. الشرعية السياسية والثقة بالقيادة

بحسب بيانات “فتسيوم” حتى أبريل (نيسان) 2026، بلغ مستوى الثقة بالرئيس فلاديمير بوتين نحو 71%، وهو ما يعكس استمرار قدرة النظام الروسي على الحفاظ على شرعيته السياسية رغم الحرب والعقوبات الغربية.

غير أن القراءة التحليلية الروسية تعتبر أن هذا الدعم لا يرتبط فقط بالتأييد السياسي التقليدي، بل يقوم أيضا على عدة عوامل، أهمها:

  • مركزية الدولة أثناء الحرب،
  • غياب البديل السياسي المنظم،
  • تنامي الإحساس المجتمعي بالمواجهة مع الغرب.

1.3. الوضع الأمني الداخلي

حتى الآن، لا توجد مؤشرات روسية يمكن الوثوق بها على اقتراب اضطراب سياسي واسع أو تهديد مباشر لبنية النظام الحاكم. لكن، مع ذلك، تركز المؤسسات الأمنية الروسية بصورة متزايدة على مجموعة من التهديدات الداخلية الجديدة، أبرزها:

  • الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي.
  • الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن التضخم وارتفاع الأسعار.
  • تداعيات عودة المقاتلين من الجبهة.
  • التآكل النفسي والاجتماعي الناتج عن طول أمد الحرب.
  • نقص العمالة والضغوط الديموغرافية.

وفي ذات السياق، تشير استطلاعات مركز “ليفادا” المستقلة إلى أن 44% من الروس يتوقعون أن تؤدي عودة المشاركين في الحرب إلى تعزيز النظام العام والتماسك المجتمعي، بينما يخشى 39% من ارتفاع معدلات الجريمة والعنف الاجتماعي، وهو ما يعكس انقساما حقيقيا داخل المجتمع بشأن التداعيات طويلة المدى للحرب.

1.4. أداء المؤسسات الأمنية

ما تزال المؤسسات الأمنية الروسية، وعلى رأسها جهاز الأمن الفيدرالي (FSB)، والحرس الوطني الروسي، ووزارة الداخلية، ولجنة التحقيق الروسية، تحافظ على مستوى مرتفع من السيطرة والقدرة العملياتية، كما نجحت الدولة في تعزيز مركزية القرار الأمني والعسكري بعد تداعيات تمرد “فاغنر” في 2023.

ثانياً – المكاسب العسكرية المحققة في أوكرانيا

2.1. طبيعة المكاسب الميدانية

تقول الرواية الروسية الرسمية إن القوات الروسية حققت، خلال الأشهر الأخيرة، تقدما تدريجيا على عدة محاور، خصوصا في دونيتسك، وخاركوف، وسومي.

وكان رئيس هيئة الأركان الروسية، فاليري غيراسيموف، قد أعلن، في بيان رسمي خلال زيارة ميدانية للجبهة الشهر الماضي، أن القوات الروسية بسطت منذ بداية عام 2026 السيطرة على عشرات البلدات، واستولت على أكثر من 1700 كيلومتر مربع من الأراضي، بينما تحدثت وزارة الدفاع الروسية عن توسيع متواصل للسيطرة الميدانية وتحسين التموضع العملياتي للقوات الروسية.

2.2. التقييم العسكري الروسي

بناء على كل المعلومات التي تمت مراجعتها ورصدها من المصادر الرسمية، ترى موسكو أنها نجحت في استنزاف جزء مهم من القدرات البشرية الأوكرانية، ونجحت كذلك في فرض ضغط متواصل على خطوط الدفاع الأوكرانية، كما تمكنت من تحسين التنسيق بين المدفعية والطيران والمسيّرات، فضلا عن تعزيز القدرة على إدارة حرب طويلة منخفضة الكلفة البشرية نسبيا.

لكن غالبية مراكز الدراسات الروسية المعتبرة لا تعتبر، في تحليلاتها، أن الوضع الحالي يمثل حسما استراتيجيا، بل تصفه بأنه استنزاف منظم طويل الأمد.

وفي الوقت نفسه، تدرك موسكو أن أوكرانيا ما تزال قادرة على مواصلة القتال بسبب الدعم الغربي المتواصل، وخصوصا آخر ما أعلنته المفوضية الأوروبية يوم الاثنين 11 مايو (أيار) الجاري، من تسليم الدفعة الأولى من 90 مليار يورو مخصصة لدعم كييف خلال العامين 2026-2027، وذلك رغم مؤشرات الإرهاق الأوروبي والأميركي.

ثالثا – تطوير الأسلحة والصناعات العسكرية

3.1. التحول في العقيدة العسكرية

أدت الحرب إلى إعادة صياغة أولويات العقيدة العسكرية الروسية، مع التركيز على المجالات التالية:

أ) الطائرات المسيّرة،

ب) الحرب الإلكترونية،

ج) الذكاء الاصطناعي،

د) الاستطلاع الفضائي،

هـ) الذخائر الدقيقة منخفضة الكلفة،

و) أنظمة الضرب والاستطلاع المتكاملة.

وتشير تقارير مؤسسة “روستيخ” الحكومية، المسؤولة عن تطوير تكنولوجيا التصنيع العسكري، ووسائل الإعلام الروسية، إلى أن فترات تطوير بعض الأنظمة العسكرية تقلصت من سنوات إلى عدة أشهر فقط بفعل متطلبات الحرب.

3.2. الصناعة العسكرية الروسية

تشير المعطيات الروسية إلى أن المجمع الصناعي العسكري انتقل إلى نمط إنتاج حربي طويل الأمد، يركز فيه على توسيع الطاقة الإنتاجية، وتسريع دورات التطوير، ورفع معدلات إنتاج المسيّرات والذخائر، فضلا عن تعزيز التعاون التكنولوجي مع الصين وبعض الشركاء الآسيويين، كالهند وكوريا الشمالية.

3.3. نقاط القوة والقيود

إذا تحدثنا عن نقاط القوة في هذه التحولات والتغيرات في هذا المجال، فيمكننا الإشارة إلى سرعة التكيف مع متطلبات الجبهة، وانخفاض كلفة بعض الأنظمة القتالية، فضلا عن تراكم الخبرة الميدانية، وهو عنصر بالغ الأهمية.
أما القيود والصعوبات، فيمكن تلخيصها، دون حصر بالطبع، في معوقات مثل نقص الرقائق الإلكترونية، واستمرار ضغوط العقوبات الغربية، ووجود نقص في الكوادر التقنية، فضلا عن الاعتماد الجزئي على الواردات التكنولوجية من آسيا تحديدا.

وفي الوقت نفسه، ترى موسكو أن المرحلة الحالية تمثل بداية سباق تسلح طويل مع حلف الناتو، خصوصا في مجالات المسيّرات والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.

رابعاً – المستجدات الداخلية وانعكاسات الحرب على الاقتصاد والمجتمع

4.1. الاقتصاد الروسي

فيما يتعلق بوضع الاقتصاد الروسي، فتشير كل التقارير والمؤشرات الداخلية، بل والخارجية، إلى أن روسيا نجحت حتى الآن في منع الانهيار المالي، والحفاظ على استقرار النظام المصرفي، وإبقاء البطالة عند مستويات منخفضة نسبيا.
وبدورها، تشير البيانات الروسية الرسمية إلى أن معدلات البطالة تراوحت خلال 2026 بين 2.2% و2.6%، وهي من أدنى المستويات تاريخيا.

ومع ذلك، تحذر مراكز الدراسات الاقتصادية الروسية المهمة والمحترمة من أن هذا الانخفاض لا يعكس فقط قوة الاقتصاد، بل يرتبط أيضا بنقص العمالة الناتج عن الحرب والتعبئة وارتفاع الطلب العسكري.

وفي المقابل، يواصل التضخم فرض ضغوط متزايدة على المجتمع الروسي، خاصة في ارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة تكلفة الخدمات، والسكن، وكذلك الفائدة المصرفية على القروض للمواطنين.
وكان البنك المركزي الروسي قد أشار مؤخرا، في تقريره الربع سنوي، إلى أن الاقتصاد الروسي بدأ يدخل مرحلة تباطؤ تدريجي بعد انتهاء مرحلة “النمو المحفز بالحرب”، وسط توقعات باستمرار الضغوط التضخمية وضعف النمو خلال 2026.

4.2. التأثير الاجتماعي للحرب

أما بالحديث عن التأثير الاجتماعي للحرب، فالرصد يسمح لنا بالقول إن الحرب غيرت بنية المجتمع الروسي عبر زيادة الاعتماد على الدولة، وتصاعد ما يمكن وصفه بالنزعة الأمنية، كما نمت الصناعات المرتبطة بالحرب مقارنة بغيرها من الصناعات المتوسطة والصغيرة، فضلا عن تراجع الأولويات الاستهلاكية للمواطنين.
وفي الوقت نفسه، نرصد، بناء على ما قرأناه في مراكز استطلاع الرأي المعتبرة، تزايدا في القلق الشعبي من ارتفاع الأسعار، مع طول أمد الحرب، وما يرافق ذلك من زيادة الضغوط المعيشية، فضلا عن الخسائر البشرية.
وتشير استطلاعات مركز “فوم” الأخيرة إلى أن إنهاء الحرب وتحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة أصبحا من أبرز محددات المزاج العام الروسي تجاه المستقبل.

كما بدأت بعض مراكز الدراسات الروسية المحترمة تتحدث بصورة متزايدة عن خطر تنامي الإرهاق الاجتماعي البطيء، وليس خطر الانفجار السياسي المباشر.

الخاتمة

تشير المعطيات الحالية، وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريبا من العام الخامس للحرب، إلى أن روسيا دخلت مرحلة يمكن وصفها بمرحلة التكيف الاستراتيجي مع الحرب الطويلة. فالدولة الروسية ما تزال، على الرغم من كل محاولات الاستنزاف العسكري داخل أوكرانيا، أو الاقتصادي عبر فرض 20 حزمة من العقوبات التي تقدر الآن بعشرات الآلاف، ما تزال الدولة، أقول، مستقرة سياسيا، وهذه حقيقة موضوعية واضحة، وكذلك متماسكة أمنيا، على الرغم من سلسلة اختراقات أمنية، لكنها لم تهدد بنية الدولة الأمنية في الداخل، وتعتبر إلى حد ما مفهومة ومنطقية في ظل ما تشهده الدولة من صراع مع الغرب، وبسبب الحرب نفسها طبعا.
فضلا عن ذلك، لا تزال الدولة قادرة وبقوة على مواصلة العمليات العسكرية، والأهم أنها نجحت حتى الآن في إعادة توجيه الاقتصاد نحو متطلبات الحرب، وما زالت قادرة على الاستمرار في ذلك لفترة أطول.
لكن، ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى الوجه الآخر للوضع، فالدولة الروسية تواجه، بلا جدال، ضغوطا اقتصادية متراكمة، وكذلك تحديات ديموغرافية متزايدة، وهذه نقطة خطيرة وملحة. فضلا عن ذلك، فإن الإرهاق الاجتماعي يظهر، وإن كان بطيئا، في ظل استنزاف مستمر، ويبدو أنه سيكون طويل الأمد للموارد.

ولا يبدو، في الوقت نفسه، وعلى الرغم من تصريحات الرئيس بوتين مساء يوم 9 مايو (أيار) 2026، في المؤتمر الصحفي بختام فعاليات يوم النصر، حيث ألمح إلى قرب انتهاء الحرب في أوكرانيا، أقول إنه لا يبدو، مع ذلك، في رأيي، أن موسكو تتوقع نهاية قريبة للصراع مع الغرب، بل تعمل على إعادة تشكيل الاقتصاد، والصناعة العسكرية، والعقيدة القتالية، بل وحتى بنية الدولة نفسها، وذلك بما يتناسب مع بيئة مواجهة ممتدة مع الغرب.

لذلك، لو كنت أخاطب صانع القرار العربي، لأشرت عليه بأن الاتجاه الأرجح خلال السنوات المقبلة يتمثل في عدة نقاط، أهمها:

  • سوف تستمر روسيا كفاعل دولي رئيسي على الساحة الدولية وفي القضايا الرئيسية، مثلما يحدث في حرب إيران الآن؛
  • سوف تزيد روسيا من اعتمادها على أدوات القوة الصلبة؛
  • سوف يتعاظم دور المؤسسة الأمنية والعسكرية داخل الدولة بقوة، خصوصا مع تقدم الرئيس بوتين في السن؛
  • سوف تستمر في توسيع توجهها نحو الشراكات غير الغربية، على الرغم من الإشارات التي تأتي من أوروبا هذه الأيام، فالنخبة الروسية، وعلى رأسها بوتين، فقدت الثقة تماما في النخب الغربية الحالية، وخصوصا الأوروبية؛
  • سوف يستمر بوتين، وتستمر موسكو، في استخدام الطاقة والسلاح والنفوذ الجيوسياسي كأدوات استراتيجية في إدارة علاقتها مع العالم.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-05-12 20:19:00

الكاتب: سعد خلف

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-12 20:19:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *