منوعات

العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإيراني وانهيار التطبيع | سياسة

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها خرائط النفوذ مع حسابات الحرب، وتتصاعد فيها المواجهة بين إيران وإسرائيل وسط انكشاف غير مسبوق لمعادلات الأمن التقليدية في الخليج والمنطقة العربية، يطرح المفكر والفقيه الدستوري الدكتور محمد سليم العوا رؤية لطبيعة الصراع الجاري في الشرق الأوسط، معتبرًا أن “الحرب على إيران أسقطت وهم الحماية الأمريكية”، وأن المنطقة تقف أمام مرحلة «قد تعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية بالكامل».

في هذا الحوار، يتحدث العوا عن مستقبل العلاقات العربية الأمريكية، واحتمالات إعادة تقييم فكرة «الأمن المستورد»، كما يفتح ملف التطبيع العربي مع إسرائيل، متوقعًا أن «المستقبل سيهدم فكرة التطبيع بالكلية»، في ظل ما يصفه بعجز عربي مزمن عن مواجهة المشروع الإسرائيلي.

ويتوقف الحوار عند مستقبل النظام الإقليمي العربي، وإمكانية ولادة محور جديد يضم مصر وتركيا ودول الخليج، باعتباره بديلًا عن حالة الانقسام الحالية، مؤكدًا أن المنطقة «ليست بحاجة إلى مشروع عربي بقدر حاجتها إلى مشروع إسلامي قائم على التفاهم السياسي والاقتصادي».

كما يتطرق العوا لمستقبل العلاقة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين، معتبرًا أن الصراع «لم يُحسم بعد»، وأن الباب لا يزال مفتوحًا أمام تسوية سياسية إذا أعاد الطرفان قراءة الواقع بصورة مختلفة.

 كما يتطرق إلى تقييمه لدور الأزهر، وأزمة الجامعة العربية، وإشكالية غياب الإرادة السياسية العربية في لحظة يراها الأخطر منذ عقود.

كيف تُوصَف اللحظة الراهنة في المنطقة في ظل الحرب على إيران وتداعياتها؟

الحديث عن الرؤية بشكل شامل أمر معقد، خاصة إذا كنا نتحدث عن 22 دولة عربية ليست على موقف واحد، وإنما على مواقف متباينة.

 فهناك الدول القريبة من إسرائيل مثل مصر وسوريا ولبنان، ولديها مواقف مع إسرائيل شديدة الخطورة، وفيما يخص لبنان وسوريا، فهناك اعتداءات إسرائيلية الآن، وهذه الاعتداءات تتكرر يوميًا تقريبًا، والصمت العربي عن هذه الاعتداءات، والليونة من الحكومات المُعتدى على بلادها، تجعل الموقف شديد السوء؛ لأننا نتلقى العدوان ثم نشجبه وندينه أو نشتكي لمجلس الأمن أو أمريكا، ثم لا يحدث شيء، ويأتي عدوان ثانٍ وثالث ورابع، وجميعنا يرى غزة وما يحدث بها منذ عام 2023.

هنا جزء آخر من العالم العربي ممثل في دول الخليج، وهم من المفترض أنهم كانوا تحت مظلة الحماية الأمريكية، وهذه الحماية كانت تأخذ أشكالًا متعددة، منها وجود قواعد أمريكية بهذه الدول أو اتفاقات حماية رسمية بين واشنطن وبعض هذه الدول، وصورة أخرى متمثلة في تدخل سياسي متوالٍ في أي صغيرة أو كبيرة تمس هذه الدول.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية أسقطت صورة الحماية الأمريكية لمنطقة الخليج جميعها، فالقواعد الأمريكية تم ضربها، والأمريكيون انسحبوا من أغلب هذه القواعد، ومضيق هرمز تم غلقه، وبالتالي أصبح تصدير البترول من هذه الدول به مشكلة كبيرة، ومن ثم انتقل الإحساس بعدم الأمان من أصحاب الاتفاقيات مع الأمريكان إلى الشعوب التي بدأت تشعر أنها ليست في أمان، وبدأوا يشعرون أنهم كانوا يعيشون على وهم بأن هناك حماية كاملة عن طريق هذه القواعد، ثم تبين أن هذه القواعد لم تستطع الصمود أيامًا.

كذلك أيضًا تحركات الدول العربية ليست على مستوى واحد، فلدينا سلطنة عمان لا تنكر الواقع ولا تبالغ فيه، ولدينا مصر تعمل على أن تكون طرفًا مهدئًا ولاعبًا يدفع إلى الاتفاقيات السلمية، لكن لا الجهود المصرية ولا العمانية أدت إلى نتيجة.

وأنا لست مع من يرى أن الحرب متوقفة الآن، فالحرب مستمرة، وقد تعود في أي لحظة أبشع مما كانت، وأخشى أن تمتد إلى غير إيران من دول المنطقة؛ لأن إيران لديها المقدرة على أن تدافع عن نفسها وتمنع جيرانها من الانخراط مع الأمريكان في الحرب ضدها.

ما هي الدول التي تخشى امتداد الحرب إليها؟

الدولة الأولى الإمارات، ثم السعودية والبحرين، ودول هذه المنطقة.

تقصد أن يتحول الأمر إلى إمكانية حدوث مواجهة مباشرة بين إيران ودول الخليج؟

بالطبع، لأن هذه الدول قد تجد نفسها في خطر إذا استمرت الحرب وليس هناك من يدافع عنها؛ لأن الاتفاقيات لن تكون ذات جدوى بعد سحب الجنود الأمريكيين، وستضطر جيوش هذه الدول إلى أن تدافع عن نفسها.

كيف يمكن توصيف الحرب الأمريكية على إيران من منظور القانون الدولي؟

هذا عدوان محض من منظور القانون الدولي؛ لأن إيران لم تحارب أمريكا، ولم تبدأ العدوان على إسرائيل، فإسرائيل ضربت إيران خلال حرب الـ12 يومًا بطريقة بشعة واستهدفت المدنيين، وأمريكا في الحرب الحالية ضربت إيران بلا هوادة، دون أن يكون هناك أي شكل من أشكال العدوان الإيراني على الأراضي الأمريكية أو الأمريكيين.

واشنطن فقط تنفذ أغراض إسرائيل في المنطقة، حيث لا تريد إسرائيل احتلال إيران، لكنها تريد أن تكون القوة الوحيدة في المنطقة، وإيران تريد أن تكون لها هيمنة في نطاقها الجغرافي الذي تقرره هي، دون أن تتدخل إسرائيل في شؤونها أو شؤون الدول التي لها هيمنة عليها.

فالصراع بين قوتين ممثلتين في إسرائيل المدعومة من أمريكا بلا نهاية، وإيران التي تصنع سلاحها وأدواتها الدفاعية والهجومية، ولا يستطيع منصف أن ينكر أن إيران دولة كبرى في المنطقة، فهي تاريخ وحضارة وشعب وقوة عسكرية أثبتت وجودها، حيث لم تستطع أمريكا خلال كل هذه المدة أن تنال من القوة العسكرية الإيرانية وتحقق أغراضها، حتى مع إصابة المرشد الجديد وخضوعه للعلاج، تعمل الماكينة الإيرانية بنفس القوة ونفس الكفاءة.

هل ترى أن أمريكا أخطأت في تقديرها لقوة إيران وقوة نظامها الحاكم قبل الحرب؟

أريد استخدام تعبير غير “أخطأت”، فالولايات المتحدة كانت رؤيتها لإيران آثمة، فإيران شعب مختلف ونظام حكم مختلف، فهو مبني على عقيدة، وأنت لا تستطيع أن تهدم عقيدة بالسلاح، وهذا محال، ربما تُهدم عقيدة بالمناقشة أو بالعمل على مدى طويل يصل لعقد أو عقدين، وأمريكا لم تستطع أن تفهم أن في إيران عقيدة تمنع حل النظام.

المفكر سليم العوا يتحدث لمراسل الجزيرة نت محمد خيال
المفكر سليم العوا يتحدث لمراسل الجزيرة نت محمد خيال

من منظور القانون الدولي أيضًا، كيف يتم وصف الاستهداف الإيراني للأراضي الخليجية خلال الحرب؟

إذا كانت القواعد التي استهدفتها إيران في الدول العربية بالخليج قد استُعملت في العدوان ضد إيران، فبالتالي تكون إيران قد استعملت حقها في الدفاع عن النفس، أما إذا كانت هذه الأراضي لم تُستعمل، وإيران ضربت الأراضي العربية دون أن تُستعمل هذه القواعد ضدها، فإيران هنا معتدية.

وليس لدى أي أحد (علم حول) ما إذا كانت هذه القواعد استُعملت ضد إيران أم لا؛ لأن هذه القواعد كان بها طيران أمريكي وصواريخ ومعدات أمريكية، والمسيطر عليها قادة أمريكيون، والأمر يحتاج إلى تحقيق ميداني يتم التأكد من خلاله مما إذا كانت تلك القواعد استُخدمت أم لا ضد إيران.

وأنا أظن أن الدول العربية التي تسمح بوجود قواعد لأمريكا في أراضيها، في ظل الأزمة التي نحن فيها مع إسرائيل، يجب أن تعيد النظر في قرارها، وهذا وقت إعادة النظر، لأنه إذا لم يحدث ذلك فقد يفوت الأوان.

في تقديرك، هل هذه الحرب فتحت باب إعادة النظر بشأن فكرة الأمن المستورد بشكل عام؟

طبعًا فتحت الباب لإعادة التفكير في هذه الفكرة والتأكد من خطئها، هذه واحدة، أما الأخرى، فإنها فتحت الباب في مجمل العلاقات العربية الأمريكية والعربية الإسرائيلية، فنحن لا يزال لدينا دول عربية تستقبل الإسرائيليين بالأحضان وتمنحهم الجنسية، وهذا جنون، وتبرير ذلك بأنه يأتي في إطار الديانة الإبراهيمية، فهذا زعم لا يقبله مسلم عاقل أو مسيحي عاقل ولا يهودي عاقل.

على ضوء التطورات الحاصلة، كيف ترى مصير الاتفاقات الإبراهيمية؟

أنا أحترم الدول المترددة حتى الآن بشأن تلك الاتفاقات؛ لأن التردد في محله، فهم غير قادرين على أن يتبينوا ما إذا كانت المصلحة في هذه الاتفاقات أم الضرر، ولذلك هم متوقفون. لكن مشكلتي مع الدول التي سارعت إلى التطبيع مع إسرائيل بغير سبب، ومنحت الإسرائيليين جنسيات هذه الدول العربية بغير سبب، ويقيني أن شعوب هذه الدول لا توافق على هذه الإجراءات، لكنها لا تستطيع أن ترفع إصبعًا في مواجهتها.

وهنا ينبغي أن أكون صادقًا، والتأكيد على أن أكثر دولة عربية تصالحت مع إسرائيل وتسامحت مع أعداء إسرائيل ومنتقدي معاهدة الصلح ومع منتقدي اتفاقية كامب ديفيد هي مصر، ونحن نعارض العلاقة مع إسرائيل ولا يسألنا أحد في السلطة: لماذا تعارضون العلاقة مع إسرائيل؟ لكن دولًا أخرى تمارس ضغوطًا على مواطنيها لكي يصمتوا ولا يتحدثوا، لذلك أعتقد أن المستقبل سيهدم فكرة التطبيع بالكلية، وسيهدم فكرة الديانة الإبراهيمية المخترعة، لا سيما وأنها تعارض الإسلام معارضة واضحة، وأغلبية أهل المنطقة من المسلمين، كما أنها تعارض المسيحية الحقيقية.

حديثك عن مصر فيما يخص التطبيع.. هل هذا يعني أن هناك قناعة لدى حكام مصر منذ الاتفاقية بأن هذا السلام مؤقت أو فرضته الضرورة؟

أستطيع أن أقول إنه خلال مراحل الرؤساء الراحلين أنور السادات ومحمد حسني مبارك ومحمد مرسي، رحمهم الله جميعًا، لم يكن هناك أي تصرف عدائي حقيقي تجاه الذين يقفون ضد التطبيع مع إسرائيل، وأنا هنا لا أستطيع أن أتحدث عن حكم مصر في الوقت الحالي؛ لأني لا علاقة لي بالأمور السياسية الآن.

وحتى الآن نحن ضد العدوان على غزة، وضد العدوان على إسرائيل، ولا يكلمنا أحد من السلطة أو الحكومة المصرية ويرفض ذلك أو يقول لنا: لا تفعلوا ذلك، فالحكومة الآن، وفي أيام مرسي والسادات ومبارك، لم تقل لنا: اسكتوا.

كيف تفسر الموقف الشعبي المصري من الحرب على إيران؟

الشعب المصري بطبيعته يصطف إلى الجانب الذي يقف ضد إسرائيل، خاصة وأن فلسطين بالنسبة للمصريين جزء لا يتجزأ منهم، وهنا أنا لا أستطيع حتى الآن أن أفهم سبب العدوان الإعلامي من جانب بعض وسائل الإعلام والنشطاء في الخليج على مصر، فمصر لم تُسئ لأي دولة خليجية، والرئيس عبد الفتاح السيسي علاقاته مع دول الخليج واضح جدًا أنها طيبة.

موقف مصر من الرد على هذا العدوان لم يعجبني.

حوار محمد سليم العوا
سليم العوا استبعد دخول مصر في حرب ضد إيران (الجزيرة)

كيف تقيم بشكل عام التعامل المصري مع أزمة الحرب منذ بدايتها بكل تفاصيلها، خاصة بعد الظهور الرسمي لقوات مصرية في الخليج؟

القوات المصرية موجودة في عدد من الدول الخليجية لأغراض أخرى غير الحرب، ولا تشارك في الحرب، فقد يكون تدريبًا أو أمورًا لها علاقة بأسباب تعليمية، لأمور مصر متقدمة فيها عن غيرها، لكن ليس لهذه القوات أي مشاركة في الحرب ضد إيران ولا في الحرب ضد أمريكا، نحن هناك لتقديم خدمة تدريبية وتعليمية لإخواننا الخليجيين، والذين هم منا ونحن منهم.

ومصر لم تشارك في الحرب، وإن شاء الله لن نشارك فيها، ممكن نحارب إسرائيل مستقبلًا، لكن إن شاء الله لن نحارب إيران.

ما يحدث حاليًا من وجهة نظرك، هل هو إعادة تشكيل للنظام في المنطقة أم جولة صراع عابرة؟

الإجابة على هذا السؤال ستتحدد بناء على ما ستنتهي إليه الحرب الحالية، فإذا انتهى الموقف على ما هو عليه، قد لا يكون هناك إعادة تشكيل للمنطقة، لكن إذا انتهى الموقف بتطورات سياسية في لبنان وسوريا وفلسطين من جانب، وفي إيران والخليج من جانب آخر، طبعًا سيترتب عليه تغيرات جيوسياسية كبيرة في المنطقة.

في ظل المشهد العربي الحالي، هل تعتقد أن إسرائيل قادرة على إنفاذ مخطط إسرائيل الكبرى؟

إسرائيل لن تتوانى عن وضع أي حجر في بناء ما يسمى بإسرائيل الكبرى، لكن المشكلة تكمن في رد الفعل العربي والإسلامي، والذي يأتي دائمًا متأخرًا جدًا ومحدودًا جدًا منذ عام 1967.

وأظن أن الحروب التي طالت المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 ستتطلب من العرب، على وجه الخصوص، موقفًا أكثر سرعة وحسمًا في مواجهة إسرائيل الكبرى، وإذا لم يحدث ذلك فإننا سنكون بصدد إطالة أمد الحرب؛ لأن إسرائيل لن تدوم في المنطقة، والشعوب الموجودة حاليًا إذا لم تحارب، فسيحارب أولادهم وأحفادهم إسرائيل.

هناك مجموعة مشاريع سياسية تتنافس في المنطقة: المشروع الإيراني، ومشروع إسرائيل، ومشروع تركي، فهل لا يزال الوقت متاحًا لصياغة مشروع عربي يعيد التوازن، أم إن الحديث عن مشروع عربي جامع لم يعد له محل من الإعراب؟

لدي رأي بشأن المشروع العربي، وهو أنه كان ضروريًا في مرحلة السعي للاستقلال عن الخلافة العثمانية، وكذلك في مرحلة السعي للاستقلال عن الدول المستعمِرة، فكان المشروع العربي ضرورة حياتية للعرب، ونحن الآن، بعد ما يزيد عن 50 أو 70 عامًا من استقلال دولنا عن الخلافة العثمانية وعن الاستعمار الغربي، أقول إنه حان الوقت لكي يكون هناك مشروع ثلاثي تركي مصري يمر بسوريا ولبنان والأردن ويصل إلى المملكة العربية السعودية.

نحن نحتاج إلى هذا المشروع؛ لأن أكثر الدول تقدمًا صناعيًا في المنطقة هي تركيا، تليها أو توازيها إيران، وليس هناك دولة عربية واحدة توازي الصناعة التركية، والثقافة الإسلامية مختزنة في مصر وتركيا والحجاز، وهناك ثقافة إسلامية موازية أو مقابلة مختزنة في إيران، فإذا حولنا العلاقة بين الثقافتين إلى صراع فهذا ما تتمناه إسرائيل، أما إذا حولنا هذه العلاقة إلى تعاون وتفاهم بين قوتين إسلاميتين، حتى لو اختلفتا في المذهب، فسيكون ذلك إنقاذًا للمنطقة كلها من السيطرة الإسرائيلية.

لذلك لا أرى أننا بحاجة إلى مشروع عربي بقدر ما نحن في حاجة إلى مشروع إسلامي كما أوضحته، فأنا لا أقول نتوحد في دولة واحدة أو نقيم خلافة جديدة، ولكن أريد أن يكون هناك توافق في المواقف السياسية المعلنة والخفية.

وأتمنى أن يكون هناك توافق بين هذه القوى لتنشئة محور إسلامي أساسه الاقتصاد، وهذا لن يتم إلا بالصناعة التركية، والعقول المصرية، والقدرات المالية لدول البترول من أول العراق إلى المملكة العربية السعودية.

بالأساس، الصراع الحالي هل تراه صراعًا سياسيًا أم صراعًا على الهوية تُستخدم فيه الأبعاد المذهبية؟

هو صراع في الأساس اقتصادي، فأمريكا تريد السيطرة على العالم اقتصاديًا، ودول أخرى على رأسها الصين ترفض هذه الهيمنة وتواجهها، ودول أخرى تعيش بين المطرقة والسندان لا تعلم إلى أي الجهتين تذهب، وللأسف غالبية الدول العربية تقبع في تلك المنطقة الرمادية، وهذه المنطقة الرمادية لن تنتهي إلا بإعادة التوافق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي.

هذا يثير تساؤلًا آخر متعلقًا بالجامعة العربية.. هل انتهى دورها ، ام أنها في حاجة إلى إعادة هيكلة على مستوى أدواتها وآلياتها، أم الأمر يتطلب نظاما عربيا جديدا بمؤسسات مختلفة عن المؤسسات الحالية؟

الجامعة العربية منذ نشأتها لم تحقق أي تقدم على مستوى العلاقات العربية العربية الممزقة، والأمثلة كثيرة، فالجامعة لم تكن أكثر من مقر للتداول والتشاور، لكنها لم تستطع أن تحتمل دولة واحدة أن تختلف معها وتوقع اتفاقًا مع إسرائيل، فنُقلت الجامعة إلى تونس.

نعم، العرب في حاجة إلى مؤسسات جديدة بأفكار جديدة.

غياب دور الجامعة العربية الذي تحدثت عنه، سببه عجز الآليات أم غياب الإرادة السياسية؟

هناك إشكالية في الجامعة العربية، وهي أن قراراتها يجب أن تكون بالإجماع، وبدونه لا يُتخذ القرار.

وللأسف، طالما أن الإرادة العربية مشلولة بفكرة الإجماع، فلن تستطيع لا الجامعة ولا أي منظمة لاحقة أن تتخذ قرارًا، يجب أن يكون القرار بالأغلبية كما هو الحال في كافة المؤسسات.

كان ولا يزال لك دور كبير في فكرة الحوار السني الشيعي والتقريب بين أهل المذاهب.. هل ترى أن الحوار من الممكن أن يستعيد عافيته عقب الحرب أم بات الطريق مغلقًا أمامه في أعقاب الاستهداف الإيراني للأراضي العربية في الخليج؟

أولًا، الحوار مستمر، وسيستمر، ويستعيد عافيته؛ لأن كل ما يحدث هو فقاعات سياسية، فعلى سبيل المثال البيان الذي أصدره الأزهر هو بيان سياسي، ورد الحوزة في إيران سياسي، لكن في النهاية قلوب العلماء من الناحيتين على الإسلام وليس المذهبية، وسوف ينتعش الحوار مرة أخرى.

كيف ترى دور الأزهر في الوقت الحالي؟ وهل ترى أنه يجب أن يكون للأزهر دور سياسي في مثل هذه الصراعات؟

بالطبع ينبغي أن يكون للأزهر دور في كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين في العالم، فهو بيت المسلمين في العالم، فإن كانت الكعبة بيت الله، فالأزهر بيت الناس، وينبغي على الأزهر أن يقف مع قضايا الناس في كل أنحاء العالم، سواء كان في العالم الإسلامي أو غير الإسلامي، وأن يقول الأزهر كلمته، وقد لا تعجبنا، فهذا حقنا، لكن لا يمكن أن يُحجر على الأزهر، ولا يجوز أن يفكر أحد في الحجر عليه في موقفه السياسي.

الحديث عن الواقع العربي الحالي لا يمكن تناوله بدون التطرق للانقسامات والصراعات الداخلية في البلدان العربية نفسها.. هل من الممكن أن يتم حل الأزمات العربية دون مصالحات داخلية في الدول العربية؟

ما لم تتم المصالحات الداخلية سيكون التصالح الخارجي صعبًا.

هل ملف الإخوان المسلمين في مصر أصبح ملفًا أمنيًا فقط؟ وهل الدولة المصرية طوت صفحة الحديث عنه بشكل سياسي؟

لا يستطيع النظام المصري أن يطوي صفحة الحديث السياسي عن الإخوان المسلمين؛ لأن المشكلة الأمنية التي تحول إليها الصراع السياسي مشكلة موقوتة، لأن جماعة الإخوان تستطيع في النهاية أن تقول: ليس لدي علاقة بالعنف ولا أتبناه، وأنا أتخذ الوسائل السلمية، وعند ذلك لن يكون هناك سبيل لإقصائهم ومحاكمتهم، والصراع الحالي مزدوج: سياسي وأمني.

أمني؛ لأنه كانت هناك محاولات كثيرة تمت على الهيئات لتحقيق مكاسب إخوانية، وسياسي؛ لأن الأصل فيه كان السياسة، بعد فوز الإخوان بالرئاسة وتشكيل حزب الحرية والعدالة للحكومة.

وأنا أعتقد أن الصفحتين لا تزالان مفتوحتين، ولن تُطوى صفحة منهما إلا بفهم كل الطرفين موقف الآخر، بأن تتفهم الدولة عبر أجهزتها وقدرتها موقف الإخوان، وأن يتفهم الإخوان موقف الدولة، وهذا يقتضي إعادة بناء التفكير التنظيمي لدى الإخوان، حيث يجب على تنظيم الإخوان أن يعيد النظر بشأن العلاقة بينه وبين الدول، ومصر على وجه الخصوص؛ لأنه ما لم يكن للإخوان وجود حقيقي في مصر، لن يكون لهم وجود حقيقي في أي مكان آخر، والتوصل إلى حل عقلاني بين الطرفين ضرورة.

هل ترى أن إمكانية الوصول إلى حل موجودة بالأساس لدى الطرفين؟

أعتقد أنها الآن غير موجودة، بسبب القائمين على الأمر في الإخوان، وكذلك وجود عقبات داخلية لديهم تجعل التنظيم غير قابل للتفاهم والتوصل إلى حل.

بشكل آخر، الكرة الآن في ملعب من؟ أو من الذي يحتاج للوصول إلى حل: الإخوان أم السلطة في مصر؟

الذي يصوب كرته أولًا هو الذي سيكسب، والذي سيترك كرته على الأرض هو الذي سيخسر، فنحن في هذا الأمر أمام ملعبين وكرتين، والفريق الذي يدرك اللحظة المناسبة لتحريك الكرة نحو مرمى الفريق الآخر هو الذي سيكسب، وفي ظني اللحظة لا تزال قائمة.

وهنا أريد أن أرد على ما يردده البعض، وكذلك بعض المفكرين، بأن الموضوع انتهى، فأقول إن الموضوع لم ينته بعد، ولا يزال أمامنا ملعبان وكرتان بغير حكم.

هل تجاوز الوقت فكرة الصراع بين الدولة والإخوان المسلمين؟

عند الإخوان فكرة البيعة، وهي بيعة على السمع والطاعة في المكره والمنشط، وهذه البيعة لم تكن في التاريخ الإسلامي إلا للرسول، وبيعة الخلفاء بعد الرسول كانت على أن يحكموا بكتاب الله وسنة رسوله، دون أن يكون فيها سمع وطاعة في المنشط والمكره.

أنا أرى الآن أن فكرة بيعة الإخوان على السمع والطاعة في المنشط والمكره أمر يحتاج إلى دراسة علمية، لإعادة النظر في فكرة البيعة وشعار الجماعة؛ لأنكم لستم كل الإسلام، أنتم بعض الإسلام، وهناك أبعاض أخرى كثيرة، فلماذا تُفرض عليها فكرتكم أنتم تحديدًا؟

أخيرًا، ما هو توقعك لسيناريوهات المنطقة في المدى القريب؟ هل نتجه إلى احتواء أم تصعيد؟

ربما نكون أمام احتواء للصراع في المدى القريب، لكن التصعيد سيستمر في المدى البعيد؛ لأن الأطماع الإسرائيلية في المنطقة لن تتوقف، والرؤساء الأمريكيون خاضعون للتصويت الصهيوني.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-05-13 12:25:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-05-13 12:25:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *