الضمير الإسرائيلي “المشوّه” يبكي “كلبة”..ويصمت على إبادة الفلسطينيين
في مشهد يعكس حجم التناقض الأخلاقي داخل المجتمع الإسرائيلي، تصاعدت خلال الأيام الأخيرة موجة غضب واسعة في الأوساط الإعلامية ومنصات التواصل الإسرائيلية عقب توثيق اعتداء مستوطن على كلبة في إحدى القرى الفلسطينية، بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه الدموية وجرائم القتل الجماعي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية وسط صمت إسرائيلي شبه كامل تجاه آلاف الضحايا الفلسطينيين.
ورأى مراقبون أن حالة التعاطف الكبيرة التي أظهرها الإسرائيليون تجاه الكلبة، مقابل التجاهل المستمر لمجازر الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين، تكشف طبيعة الازدواجية التي تحكم الخطاب الإسرائيلي، حيث تُستثار المشاعر تجاه الحيوانات، فيما يتم التعامل مع دماء الفلسطينيين باعتبارها أمراً عادياً أو خارج دائرة الاهتمام الإنساني.
وفي انتقاد لافت من داخل إسرائيل نفسها، حذر الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني، في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، من تنامي ما وصفه بـ”الإرهاب اليهودي”، مؤكداً أن جرائم المستوطنين والانتهاكات المتواصلة بحق الفلسطينيين أصبحت تشكل أحد أبرز أسباب تصاعد الكراهية العالمية تجاه إسرائيل.
وأشار يميني إلى أن استمرار الاحتلال في سياساته القائمة على القوة والعنف وتغليب المصالح السياسية الضيقة على القيم الأخلاقية، سيدفع إسرائيل نحو مزيد من العزلة الدولية والمقاطعة السياسية والشعبية، في ظل تزايد الانتقادات الدولية للجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
بدوره، انتقد المحلل السياسي الإسرائيلي ناحوم بارنياع حالة الانحدار الأخلاقي التي تعيشها إسرائيل، على خلفية عمليات القتل والسلب والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية تحت حماية جيش الاحتلال وغطاء حكومي مباشر.
واتهم بارنياع الحكومة الإسرائيلية بتوفير الدعم السياسي للمستوطنين المتورطين في الاعتداءات ضد الفلسطينيين، معتبراً أن المعارضة الإسرائيلية فضلت الصمت خشية خسارة أصوات اليمين، بدلاً من اتخاذ موقف واضح تجاه الجرائم والانتهاكات اليومية بحق الشعب الفلسطيني.
وفي قراءة فلسطينية لهذا المشهد، أكدت الناشطة الفلسطينية حنين مجادلة أن موجة التعاطف الإسرائيلية مع الكلبة “لوسي” كشفت الحدود الحقيقية لما وصفته بـ”الضمير الإسرائيلي المشوّه”، موضحة أن المجتمع الذي يغضب لأجل حيوان هو ذاته الذي تجاهل استشهاد آلاف الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، ولم يُبدِ أي تعاطف مع المجازر المتواصلة منذ شهور.
وقالت مجادلة إن الفلسطينيين جرى تجريدهم داخل الخطاب الإسرائيلي من إنسانيتهم على مدار عقود، حيث يتم تصويرهم باستمرار كتهديد أمني أو مجرد أرقام في نشرات الأخبار، دون الاعتراف بحقوقهم أو معاناتهم الإنسانية.
وفي سياق متصل، أظهرت تقارير إسرائيلية أن العنف الذي يمارسه الاحتلال والمستوطنون ضد الفلسطينيين بدأ يرتد تدريجياً إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، مع تصاعد معدلات الجريمة والعنف بين فئة الشباب والمراهقين.
وأكدت مصادر إسرائيلية مطلعة أن التغاضي الرسمي عن اعتداءات المستوطنين وما يعرف بـ”الإرهاب اليهودي” في القرى الفلسطينية، ساهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب وانتشار العنف والفوضى داخل المدن الإسرائيلية.
وعقدت لجان برلمانية في الكنيست جلسات طارئة لمناقشة تصاعد جرائم القتل والعنف بين الفتية الإسرائيليين، ووصفت الظاهرة بأنها “أزمة وطنية” متفاقمة، غير أن هذه اللجان تجنبت بشكل واضح ربط الأزمة بالحرب المستمرة على الفلسطينيين أو بثقافة الاحتلال والعنف التي تهيمن على المجتمع الإسرائيلي.
وكشفت بيانات صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست عن تسجيل أكثر من 6200 قضية جنائية ضد مراهقين إسرائيليين خلال العام الماضي، فيما شكلت جرائم العنف الجسدي نحو 20 بالمئة من إجمالي هذه القضايا.
ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات تعكس حالة تفكك قيمي وأخلاقي متصاعدة داخل المجتمع الإسرائيلي، في ظل بيئة سياسية وإعلامية تقوم على التحريض والكراهية وتبرير العنف ضد الفلسطينيين.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، طالبت رئيسة اللجنة الخاصة لحقوق الطفل في الكنيست بتشديد العقوبات بحق القاصرين المتورطين في جرائم القتل والعنف، داعية إلى تبني خطة حكومية شاملة تشمل برامج تدخل نفسي ووقاية مبكرة.
ورغم هذه الدعوات، تواصل وزارة المالية الإسرائيلية، بحسب تقارير برلمانية، المماطلة في توفير الميزانيات اللازمة لتنفيذ برامج الدعم النفسي والاجتماعي، ما يعمق من تفاقم الظاهرة داخل المجتمع الإسرائيلي.
من جهته، انتقد مركز “مدار” الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية تجاهل المؤسسات الإسرائيلية للأسباب السياسية والعسكرية التي تقف خلف تنامي العنف داخل إسرائيل، مؤكداً أن النقاشات الرسمية تركز على النتائج فقط، دون التطرق إلى تأثير الاحتلال والتحريض العنصري على سلوك الأجيال الشابة.
وأشار المركز إلى أن الخطاب السياسي الإسرائيلي القائم على الكراهية والعنف ضد الفلسطينيين بات ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي بدأ يدفع ثمن السياسات القائمة على الاحتلال والقوة العسكرية.
وفي السياق ذاته، أقرت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية بأن المدارس لم تعد معزولة عن المناخ العام المشبع بالعنف والتطرف، فيما أكدت نائبة المدير العام للوزارة أن مسؤولية تدهور سلوك الأطفال لا تقع على المدارس وحدها، بل تشمل الأسرة والمجتمع والمنصات الرقمية التي تسهم في تشكيل وعي الأطفال بعيداً عن القيم الإنسانية.
ويرى مختصون نفسيون أن السلطات الإسرائيلية تركز على العقوبات بعد وقوع الجرائم، بينما تغيب بشكل شبه كامل خطط الوقاية والتدخل النفسي المبكر، في وقت يعاني فيه القطاع العام من نقص حاد في المختصين النفسيين والاجتماعيين.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن أحد مديري المدارس قوله إن آثار الحروب المتكررة والتحريض السياسي باتت واضحة حتى لدى طلاب المرحلة الابتدائية، موضحاً أن أطفالاً باتوا يرددون عبارات تدعو إلى قتل العرب في غزة وتتمنى الموت للفلسطينيين، وهي سلوكيات لم تكن بهذا المستوى من العلنية قبل الحرب الأخيرة.
بدورها، اتهمت عضو الكنيست نعاما لزيمي الحكومة الإسرائيلية الحالية بالعمل على تقويض مؤسسات الدولة وتمجيد شخصيات متورطة بالعنف، معتبرة أن هذه السياسات أنتجت جيلاً يشعر بأنه فوق القانون.
وأكدت لزيمي أن حالة التفكك الاجتماعي التي تشهدها إسرائيل اليوم ليست طارئة، بل نتيجة مباشرة لسياسات ممنهجة تقوم على التحريض والعنف وتغذية الانقسام داخل المجتمع.
وخلص مراقبون إلى أن العنف الذي مارسه الاحتلال لعقود ضد الفلسطينيين لم يعد محصوراً داخل الأراضي المحتلة، بل بدأ يرتد على المجتمع الإسرائيلي نفسه، في تجسيد واضح لتحذيرات سابقة من أن ثقافة القتل والتحريض ستتحول في نهاية المطاف إلى تهديد داخلي يضرب بنية المجتمع الإسرائيلي ونسيجه الاجتماعي.
نشر لأول مرة على: shehabnews.com
تاريخ النشر: 2026-05-19 16:07:00
الكاتب: وكالة شهاب الإخبارية
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
shehabnews.com
بتاريخ: 2026-05-19 16:07:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
