بوتين.. سنسوي بالأرض من يحاول ضرب روسيا


صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مؤتمره الصحفي في ختام زيارة الدولة التي قام بها إلى العاصمة الكازاخية أستانا، والتي استمرت ثلاثة أيام، وحضر خلالها كذلك قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي المنعقدة يوم الجمعة 29 مايو (أيار) 2026، بأن روسيا تمتلك كل الوسائل اللازمة للرد على أي محاولة لاستهداف أراضيها أو قواعدها العسكرية.
وفي رد على سؤال من صحفية حول دعوات بعض مسؤولي دويلات البلطيق حلف الناتو إلى ضرورة ضرب المطارات العسكرية والمنشآت الروسية في كالينينغراد، قال بوتين بلغة حادة ومباشرة، ولا أبالغ إن قلت إنها كانت تهديدية وليست حتى تحذيرية: “ماذا قلتِ؟ ضرب قواعدنا؟!”، ثم أردف قائلاً: “إذا كانت لديهم وسائل لتسوية قواعدنا بالأرض، فإن روسيا تمتلك كل الوسائل لتسوية كل من يحاول فعل ذلك بالأرض”.
جاء تصريح الرئيس الروسي الحاد هذا في سياق الرد على نقاشات وتصريحات غربية متزايدة خلال الأسابيع الأخيرة حول جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا، والذي أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في المواجهة المستعرة نيرانها حالياً بين روسيا وحلف الناتو، وإن كانت لم تتسع بشكل كبير، حتى لحظة كتابة هذه السطور، خارج نطاق ساحة الحرب الأوكرانية.
لكن بوتين لم يتوقف عند كالينينغراد فقط خلال حديثه في المؤتمر الصحفي، بل كان حريصاً على العودة مجدداً للحديث عن أرمينيا وعلاقتها المتصاعدة بالاتحاد الأوروبي، معيداً التأكيد على أن ما جرى في أوكرانيا بدأ أصلاً من محاولة شبيهة للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، وكأنها رسالة تحذيرية لأرمينيا، مفادها: إذا كانت ترغب في ذلك فلتفعل، لكن دون أن تتحول إلى ساحة لمحاولات استهداف روسيا.
يقول بوتين نصاً: “إن الأزمة الأوكرانية بدأت ذات يوم بمحاولات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي… ونحن لم نكن ضد ذلك”. وهو يقصد بالطبع المحاولات التي بدأت عام 2012 لتوقيع ما يعرف باتفاق الشراكة الأوروبية بين أوكرانيا والمفوضية الأوروبية، وتراجع الرئيس الأوكراني حينها، فيكتور يانوكوفيتش، بعد عامين من الأخذ والرد، بعدما حصل على قروض ضخمة من روسيا تجاوزت 14 مليار دولار بفوائد زهيدة، فضلاً عن أسعار مخفضة جداً للغاز الروسي.
المهم، وعودة إلى حديث بوتين، أنه رغم أن الصياغة الروسية الرسمية لم تتضمن تهديداً مباشراً وصريحاً لأرمينيا، التي يفعل رئيس وزرائها الحالي نيكول باشينيان، المدعوم فرنسياً، كل شيء من أجل فك الارتباط مع روسيا، فإن الربط المتكرر بين المسار الأوروبي الأرمني والتجربة الأوكرانية في كلام المسؤولين الروس، وعلى رأسهم بوتين، لا يمكننا نحن كمراقبين إلا أن نقرأه باعتباره تحذيراً سياسياً واضحاً، ولا نقول بعد تهديداً، من السير في مسار انفصال استراتيجي عن الفضاء الروسي، خاصة في هذه اللحظة الراهنة، وفي هذه المنطقة التي تعد من مناطق النفوذ الروسي المباشر، وفي ظل محاولات جر الأوروبيين إلى القوقاز، المنطقة التي يراها الأمنيون الروس رئة للأمن القومي الروسي.
لكن أخطر ما قيل في أستانا، في رأيي، ربما لم يكن ما تعلق بأرمينيا ولا حتى بكالينينغراد، وإنما ما قاله بوتين تعليقاً على حادثة المسيّرة التي سقطت فوق مدينة غالاتي الرومانية.
فأول سؤال في المؤتمر الصحفي كان عنها، وعندما طُلب من بوتين التعليق على اتهام رومانيا لروسيا بإرسال المسيّرة التي أصابت مبنى سكنياً وأدت إلى إصابة مدنيين، جاء رده مباشراً وحاداً أيضاً، متسائلاً بسخرية: “من قال في رومانيا إن هذه مسيّرة روسية؟ لا أحد يستطيع تحديد مصدر أي مسيّرة قبل إجراء الفحوص الفنية اللازمة”.
ثم أردف قائلاً إننا سبق أن رأينا مسيّرات أوكرانية تظهر في فنلندا وبولندا ودول البلطيق، وكانت ردود الفعل دائماً هي نفسها: “الروس قادمون”، ثم اتضح لاحقاً أنها لم تكن روسية أصلاً.
بالطبع، بهذه الكلمات لجأ بوتين إلى دهائه المعتاد، فهو لم ينف مسؤولية موسكو عن الحادثة فحسب، بل حاول نقل القضية بالكامل من الإطار الأمني إلى الإطار السياسي، والأهم من ذلك أنه نقلها أيضاً إلى الفضاء الإعلامي.
وفي الحقيقة، هذا هو جوهر المعركة الحالية. وما أرمي إليه هنا أن ما جرى في غالاتي الرومانية تحول على الفور من حادثة سقوط مسيّرة إلى أزمة دبلوماسية كاملة خلال ساعات قليلة، وقبل إجراء أي تحقيقات أو تقديم أي أدلة أو قرائن، تم فوراً توجيه أصبع الاتهام إلى روسيا. كما قامت رومانيا باستدعاء السفير الروسي إلى مقر وزارة الخارجية، بل وأعلن الرئيس الروماني، على عجل، إغلاق القنصلية الروسية العامة في كونستانتسا.
وعلى وجه السرعة، تم إعلان القنصل العام الروسي شخصاً غير مرغوب فيه، كما أعلن الناتو، فوراً ودون أي تحليل أو تحقيق، تضامنه الكامل مع بوخارست وتعهد بالدفاع عن كل شبر من أراضي الحلف.
أما موسكو فتعاملت مع القضية باعتبارها جزءاً من حملة سياسية أوسع. ففي ردها الأول على هذه الإجراءات المتعجلة، قالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، إن الضجة الغربية حول المسيّرة تهدف إلى التغطية على جريمة ستاروبيلسك.
واتهمت زاخاروفا، من المنطلق ذاته الذي يستخدمه الغرب، الناتو وأوروبا، بل والغرب عموماً، بمحاولة صرف الأنظار عن سقوط ضحايا مدنيين في لوغانسك.
كما واصلت حديثها باتهام رومانيا باستغلال حادثة لا تزال تحوم الشكوك حول ملابساتها لاتخاذ قرار بإغلاق القنصلية الروسية.
أما دميتري ميدفيديف، المعروف بتعليقاته اللاذعة، فذهب أبعد من ذلك. فقد قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي إن الأوروبيين يجب أن يعتادوا على مثل هذه الحوادث، وإن المسيّرات ستواصل دخول الأجواء الأوروبية ما دامت أوروبا تشارك فعلياً في الحرب ضد روسيا بالسلاح والمسيّرات والمعلومات الاستخباراتية والدعم العملياتي لأوكرانيا.
وتصريحات ميدفيديف هذه مهمة للغاية، لأنها، وعلى الرغم من أنها تبدو حادة وتمثل تحدياً مباشراً للسردية الغربية ولسردية الناتو، بل وتنطوي على قدر من التهكم عليها، فإنها تكشف أيضاً عن حقيقة مهمة، وهي أن موسكو تنظر إلى الحرب الآن بالفعل باعتبارها مواجهة مع الغرب، وليس مع أوكرانيا وحدها.
فموسكو، بمؤسساتها الرئيسية كافة، باتت تدرك أنها في مواجهة مع البنية العسكرية والسياسية الغربية بأكملها.
ولهذا فإن حادثة غالاتي جاءت في توقيت شديد الحساسية. بمعنى أنها، وكما نتابع جميعاً، جاءت في اللحظة نفسها التي تتحدث فيها روسيا عن نيتها القاطعة توسيع ضرباتها ضد مراكز اتخاذ القرار ومراكز تشغيل المسيّرات في كييف، وتوجه في الوقت نفسه تحذيرات إلى السفراء الأجانب من مغبة البقاء هناك.
لذلك تثير هذه الحادثة علامات استفهام كثيرة، سواء من حيث توقيتها أو ملابساتها أو حدة ردود الفعل عليها. فما هي، من وجهة نظري، إلا جزء من الصورة الكاملة للمعركة الأكبر.
لقد بدأت الحرب تقترب فعلاً، يا سادة، من الحدود الفعلية للناتو أكثر من أي وقت مضى.
والمسألة هنا ليست مسألة المسيّرة التي سقطت على مبنى سكني وأدت إلى إصابة شخصين، بحسب الرواية الأطلسية. الأهم هو ما حدث بعدها، إذ إن القرار الروماني بإغلاق القنصلية الروسية بدا، بالنسبة لي على الأقل، أسرع من أن يكون مجرد رد فعل فوري على حادثة لم تكتمل تحقيقاتها بعد.
لقد تم استخدام هذه الحادثة سياسياً على الفور من أجل تبرير إجراءات كان يجري التحضير لها أصلاً ضد الوجود الدبلوماسي الروسي في دول مثل رومانيا.
ولكم الحق في طرح السؤال التالي: من أين لك هذا؟
وسأرد بأنني لا أملك، نعم، أدلة حاسمة تحت يدي على ذلك، لكن المنطق والقراءة الموضوعية لمجمل ملابسات الحادثة، وما سبقها من مواقف في علاقات الطرفين، وما تلاها من إجراءات متعجلة وأحادية الاتهام، كالعادة، ودون أدلة معلنة يمكن الاستناد إليها، كلها أمور لا يمكنها إلا أن تقودنا إلى قناعة بأن رومانيا تتحول، في سياق المواجهة الروسية الغربية، إلى أحد أهم المراكز الخلفية للدعم الغربي لأوكرانيا.
وهذا، في رأيي الشخصي طبعاً، كافٍ لجعل أي حادث يقع هناك يتحول فوراً إلى أزمة دبلوماسية، بل وقد يتحول إلى أزمة استراتيجية.
لذلك لا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل حقيقة أخرى، وهي أن رومانيا ليست دولة عادية في هذه الحرب.
ما أقصده أن رومانيا، وعلى الرغم من أنها دولة صغيرة نسبياً، فإنها دولة عضو في حلف الناتو. والأخطر من ذلك أنها تقع جغرافياً على حدود واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الحرب الحالية، وهي جبهة أوديسا والبحر الأسود.
ولهذا السبب وحده، فإن سقوط أي مسيّرة داخل أراضيها، سواء كانت روسية أو أوكرانية أو مجهولة المصدر، يضع الحلف الأطلسي مجدداً أمام معضلة متكررة: كيف يرد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع موسكو؟
وهذا هو السؤال الجوهري الآن، لأن المسألة بالنسبة إلى دول الجناح الشرقي للناتو ليست فقط: من أين جاءت المسيّرة؟ بل كيف سيتعامل أكبر تحالف عسكري في العالم مع حماية أجواء هذه الدول وأراضيها؟
وفي خلفية هذا كله تتشكل أمام ناظرينا صورة أكبر.
فبوتين، في مؤتمر صحفي واحد وفي سياق مترابط، يتحدث عن كالينينغراد، ويحذر من تكرار السيناريو الأوكراني في الفضاء السوفييتي السابق، هذه المرة في أرمينيا، وفي الوقت نفسه يشكك في الرواية الغربية بشأن رومانيا.
هل تلاحظون معي حجم التوتر؟
وهل تتخيلون إلى ماذا قد يقودنا ذلك، ويقود العالم معه، إن وقع المحظور؟
فالناتو، كما تشاهدون، يرفع مستوى التحذير، ورومانيا تغلق بعثة دبلوماسية روسية، وأوروبا تتحدث أكثر فأكثر عن الدفاع الجماعي، بعيداً عن واشنطن التي جرّها ترمب إلى حروب أخرى تلبي مصالح قوى تراها الولايات المتحدة أكثر أهمية من الأوروبيين.
وإذا جمعنا كل هذه العناصر معاً، تظهر أمام أعيننا صورة واضحة ونتيجة مباشرة، وهي أن الحرب لم تعد تتحرك فقط على خطوط الجبهة داخل أوكرانيا.
لقد بدأت تتحرك بالفعل على حدود النظام الأمني الأوروبي نفسه، ويكفي أن تدقق في المشهد قليلاً، ومن دون جهد كبير، لتدرك ذلك بوضوح.
ومن الواضح أيضاً، من رد الفعل الأوروبي الهستيري على حادثة رومانيا، أن أوروبا نفسها لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة بعيدة يمكن احتواؤها داخل الأراضي الأوكرانية.
ولهذا فإن أخطر ما في تصريحات بوتين من أستانا، مساء الجمعة 29 مايو (أيار) 2026، هي الرسالة التي أراد توجيهها من وراء هذه التهديدات كلها.
يريد بوتين، ويريد الكرملين، أن يقول إن روسيا لم تعد مستعدة للتعامل مع التهديدات الغربية بوصفها مجرد ضغوط سياسية أو إعلامية.
لذلك كله، فإن تصريحات الرئيس الروسي من أستانا، وما جرى في غالاتي الرومانية خلال اليوم نفسه، ليسا حدثين منفصلين.
إنهما، في الحقيقة، جزء من مشهد واحد تتحرك فيه الحرب من داخل أوكرانيا نحو المجال الأمني الأوروبي الأوسع.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-05-31 07:37:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-31 07:37:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
