
موقع الدفاع العربي – 11 يونيو 2026: خطر السلاح النووي لم ينتهِ بانتهاء الحروب العالمية، بل على العكس، استمر في التصاعد بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة. تقرير صادم صادر عن الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية كشف عن أرقام وحقائق تشير إلى أننا نقترب من سباق تسلح نووي شديد الخطورة، مع شروع الدول النووية بالفعل في خطوات متسارعة خلال السنوات الأخيرة.
وقبل استعراض تفاصيل التقرير، يمكن العودة إلى التاريخ لمقارنة الأرقام وفهم أين كنا وأين أصبحنا، وبالتالي إدراك خطورة ما نعيشه اليوم. فبعد الحرب العالمية الثانية، أدرك العالم أن هذا السلاح قادر على إنهاء أي حرب وتدمير أي شيء، لتترسخ قناعة بأن امتلاك الردع النووي هو الوسيلة الوحيدة لمنع أي هجوم محتمل، لأن الطرف الآخر سيواجه فناءً شبه كامل خلال دقائق أو حتى ثوانٍ.
ومن هنا نشأت نظرية الردع النووي، التي قادت إلى سباق تسلح ضخم خلال ستينيات القرن الماضي، حين قُدّر عدد الرؤوس النووية حول العالم بعشرات الآلاف، وكان المشهد آنذاك شديد الخطورة، حيث كان احتمال اندلاع حرب نووية هاجساً حقيقياً.
بلغ التوتر ذروته عام 1962 خلال أزمة كوبا، التي كادت أن تدفع العالم إلى حرب نووية شاملة، قبل أن تنجح الجهود الدولية، بقيادة الأمم المتحدة، في احتواء الأزمة. وفي عام 1968 تم التوصل إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي نصّت على أن خمس دول فقط—الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، وفرنسا—يمكنها امتلاك السلاح النووي، باعتبارها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بينما مُنع باقي العالم من امتلاكه.
وبذلك جرى احتواء الانتشار النظري للسلاح النووي، مع استمرار اتفاقات ثنائية لاحقة، خصوصاً بين الولايات المتحدة وروسيا اللتين تمتلكان أكثر من 80% من الترسانة النووية العالمية، بهدف خفض أعداد الرؤوس النووية.
لكن التطورات لم تسر في هذا الاتجاه كما كان مأمولاً. ففي فبراير الماضي انتهت اتفاقية “نيو ستارت” بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي آخر اتفاقية كانت تضع قيوداً على التسلح النووي، دون تجديدها، ما جعل العالم لأول مرة دون إطار ملزم يحد من الترسانات النووية لأكبر قوتين نوويتين، الأمر الذي أثار حالة من القلق والترقب الدولي.
وبالعودة إلى التقرير الصادر عن الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية، فإنه يشير إلى أن الدول النووية رفعت إنفاقها على ترساناتها إلى مستوى قياسي غير مسبوق، بلغ نحو 119 مليار دولار خلال العام الماضي فقط، بزيادة تقارب 19% عن العام السابق. وخلال خمس سنوات، وصل إجمالي الإنفاق النووي إلى نحو 470 مليار دولار، أي ما يقارب نصف تريليون دولار.
وتصدرت الولايات المتحدة قائمة الإنفاق بأكثر من 69 مليار دولار خلال عام واحد، بزيادة تفوق 12 مليار دولار عن العام الذي سبقه، وهو أمر غير مفاجئ نظراً لكونها القوة النووية الأكبر إلى جانب روسيا، التي تمتلك بدورها أكثر من 5000 رأس نووي.
المفاجأة جاءت في ترتيب الدول التالية، حيث جاءت الصين في المرتبة الثانية بامتلاكها نحو 620 رأساً نووياً وإنفاق تجاوز 13 مليار دولار على تطوير ترسانتها، تليها بريطانيا بأكثر من 12 مليار دولار، ثم روسيا في المرتبة الرابعة بأكثر من 9 مليارات دولار.
هذه الأرقام تعكس اتجاهاً واضحاً نحو زيادة الإنفاق وتحديث الترسانات النووية، وهو ما يعني عملياً عودة شبح سباق التسلح النووي من جديد، بحسب تقييم معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أحد أهم مراكز الدراسات في العالم في هذا المجال.
ويحذر المعهد من أن هذا التصاعد مرتبط بالتوترات الجيوسياسية في أكثر من منطقة، خصوصاً في ظل تصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما يمنح دافعاً إضافياً لتعزيز الاعتماد على السلاح النووي. فالصين، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإن دخولها المتسارع في هذا السباق يضيف بعداً خطيراً إلى المشهد الدولي.
وفي حال عدم احتكام جميع الأطراف إلى العقل والتهدئة، فإن العالم قد يكون مقبلاً على سيناريو بالغ الخطورة.
وفي هذا السياق، تشير التحليلات إلى أن العالم يتجه نحو سباق تسلح نووي مفتوح على احتمالات غير محسومة، في ظل تراجع واضح في منظومة الاتفاقيات الخاصة بالحد من الأسلحة النووية، وهو ما يعكس بدوره حالة متصاعدة من انعدام الثقة بين القوى الكبرى.
كما تؤكد هذه القراءة أن ما ورد في التقرير لا يقتصر على مجرد زيادة في الإنفاق العسكري، بل يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في البيئة الأمنية الدولية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع بنسبة 19% أو بإنفاق بلغ 119 مليار دولار، وإنما ببداية مرحلة جديدة من التنافس النووي بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر بات تحت السيطرة.
ويُشار إلى أن هذا التوجه نحو تعزيز الردع النووي يعكس تصاعد حدة المنافسة الجيوسياسية وتآكل الثقة في الأطر الدولية المنظمة، بالتوازي مع دخول عوامل جديدة إلى المشهد مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة فائقة السرعة، الأمر الذي يرفع من احتمالات الخطأ وسوء التقدير، حتى في حال انخفاض أعداد الرؤوس النووية مقارنة بالماضي.
لا يقتصر التحدي على حجم الترسانات النووية، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذا التنافس المعقد، ومنع تحول الأزمات المتفرقة إلى مواجهات استراتيجية قد تهدد الأمن العالمي على المدى الطويل.
أما فيما يتعلق بالأرقام، فهي وإن بدت غير مألوفة بالمعايير التقليدية، إلا أنها تُفهم في سياق التصعيد الدولي الحالي، سواء المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية، أو التوترات في بحر الصين الجنوبي، أو تراجع فعالية اتفاقيات ضبط التسلح، إضافة إلى تفاقم الأزمات الإقليمية في عدة مناطق حول العالم.
يمر العالم بمرحلة شديدة الحساسية، تتطلب قدراً عالياً من ضبط النفس لتفادي الانزلاق نحو مسارات قد تعيد تشكيل موازين الأمن والاستقرار العالمي لعقود مقبلة.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com
