
العقيد الركن خالد المطلق
|
|
لم يعد النفوذ في الشرق الأوسط يُقاس فقط بعقود النفط والغاز أو مشاريع الموانئ والطرق بل أصبح جزء كبير منه ينتقل اليوم إلى ساحة أكثر حساسية وهي التكنولوجيا العسكرية وتحديداً الطائرات المسيّرة، والسبب ليس رخص ثمنها فحسب بل لأنها تجمع في صفقة واحدة قدرة عملياتية وسرعة توريد وتكلفة تشغيل منخفضة وإمكانية التدريب والصيانة والتصنيع المحلي لاحقاً، فالمسيّرة لم تعد مجرد طائرة تُشترى لتنفيذ استطلاع أو ضربة بل أصبحت مدخل إلى منظومة أوسع وهي اتصالات وأجهزة استشعار وذكاء اصطناعي وحرب إلكترونية وقيادة وسيطرة وسلاسل إمداد وقدرة صناعية، ومن يبيعك طائرة مسيّرة لا يبيعك سلاحاً بمفرده بل يفتح معك علاقة طويلة قد تتحول إن أردتَ أو لم ترد إلى نفوذ سياسي وعسكري وتقني ممتد.
من سوق السلاح إلى سوق النفوذ
أثبتت الحروب الأخيرة أن المسيّرة صارت عنصراً ثابتاً في أي استراتيجية قتالية حديثة تقوم بمهام المراقبة والاستطلاع والضربات الدقيقة تحديد الأهداف وتوجيه النيران وتقوم بالضربات بعيدة المدى بل وباستنزاف للدفاعات الجوية نفسها. وجاذبيتها بالنسبة لدول كثيرة واضحة وهي قدرة جوية مرنة بتكلفة أقل من طائرة مأهولة وبلا مخاطرة على حياة طيار وهي قابلة للنشر لفترات طويلة نسبياً ضمن عمليات مركّبة تجمع مسيّرات وصواريخ وقوات برية ووسائط إلكترونية. لكن قيمتها الاستراتيجية لا تتوقف عند السعر إنما أتاحت لدول متوسطة القوة وأحياناً لجهات غير حكومية امتلاك أدوات تأثير كانت حكراً على القوى الكبرى وهذا وحده كافٍ لتغيير معادلات الردع والإنذار المبكر وجعل المجال الجوي أكثر ازدحاماً وتعقيداً من أي وقت مضى.
في هذا الفراغ بالتحديد دخلت الصين لا كمورّد منصة جوية فقط بل كشريك يعرض حزمة متكاملة منها طائرات ومحطات تحكم وتدريب وقطع غيار ودعم فني وربما شيء من التصنيع والتكنولوجيا يُنقل إلى الدولة المستوردة نفسها.
الصين وتوسيع هامش المناورة العربي
طائرات مثل “وينغ لونغ” و”CH-4″ وجدت طريقها إلى عدد من الدول العربية التي رأت فيها بديلاً عملياً للقيود السياسية والتقنية المرافقة لبعض الموردين الغربيين، والمال لم يكن العامل الوحيد بل سرعة التوريد والمرونة السياسية والاستعداد الصيني لبيع أنظمة مسلحة لعبت دوراً لا يقل أهمية، وكانت الإمارات من أوائل من جرّب “وينغ لونغ 1” قبل أن تنتقل إلى “وينغ لونغ 2”. ساهمت هذه التجربة، باختبارها في بيئات عملياتية مختلفة، في ترسيخ حضور المسيّرات الصينية في المنطقة وشمال أفريقيا. لكن لا ينبغي قراءة هذا الإقبال بمعزل عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع، فالدول العربية لا تنظر إلى السلاح الصيني كبديل كامل عن السلاح الأمريكي أو الأوروبي بل كجزء من سياسة تنويع مصادر تسليح وتقليل الاعتماد على مورد واحد، ومن الممكن تماماً أن تستخدم دولة ما مسيّرات صينية للاستطلاع والهجوم بينما تعتمد في الوقت نفسه على مقاتلات غربية وأنظمة دفاع جوي أمريكية وشبكات قيادة متعددة المصادر، مما يجعل انتشار المسيّرات الصينية إعادة توزيع جزئية للنفوذ لا نهاية للنفوذ الأمريكي كما قد يُفهم للوهلة الأولى.
السعودية: من الاستيراد إلى التصنيع المحلي
تمثل السعودية الحالة الأوضح لانتقال التعاون مع الصين من البيع المباشر إلى التصنيع المحلي، فحصلت الرياض على “وينغ لونغ 2″، كما تحدثت تقارير عن خطط لخط إنتاج لطائرات “وينغ لونغ 3” في جدة ضمن اتفاقات تُقدَّر بمليارات الدولارات، وبعض تفاصيل هذه الترتيبات لم تُعلن رسمياً بعد لكن أهميتها لا تكمن في عدد الطائرات التي يمكن إنتاجها سنوياً بل في دلالتها الصناعية مثل قدرات تجميع وصيانة وبنية لتدريب الكوادر وربما توطين جزء من سلسلة الإمداد. غير أن امتلاك خط تجميع محلي لا يعني استقلالاً تقنياً كاملاً، فالمحركات والرقائق الإلكترونية وأجهزة الاستشعار وأنظمة الاتصالات والبرمجيات وحتى حقوق التحديث كلها قد تبقى خاضعة للخارج. والسؤال الحقيقي هنا ليس “هل يوجد مصنع على الأرض؟” بل “كم من القرار التقني والسيادي أصبح فعلاً محلياً؟”
العراق ومصر: احتياجات مختلفة ومسارات متعددة
في العراق استُخدمت طائرات “CH-4” خلال الحرب ضد تنظيم “داعش” حين احتاجت بغداد إلى استطلاع وضربات مسلحة بتكلفة معقولة في مواجهة عدو شديد الحركة والاختباء، فأدّت هذه الطائرات دوراً مهماً لكنها واجهت لاحقاً مشاكل تقادم وصيانة وعقود وأُعيد بعضها إلى الخدمة بعد أعمال تحديث. والدرس هنا بسيط: امتلاك المنصة وحده لا يضمن جاهزيتها التشغيلية بل هي تحتاج إلى قطع غيار مستمرة وتدريب وتحديث برمجيات وربط بشبكات القيادة والسيطرة.
أما مصر فقد سلكت مساراً مختلفاً أقرب إلى بناء قاعدة معرفية وصناعية من خلال برامج مشتركة لإنتاج طائرات استطلاع مثل “ASN-209” ما يعكس اهتماماً بالحصول على المعرفة والخبرة لا فقط شراء طائرات جاهزة، وهذا مهم لأن القيمة القتالية للمسيّرة لا تكمن في هيكلها الخارجي بل في جودة مستشعراتها ودقة اتصالاتها ومقاومتها للتشويش وقدرتها على الاندماج مع القوات البرية والجوية والدفاعات الجوية.
دبلوماسية الدرونز: السلاح بوصفه علاقة
دخول منظومة أجنبية إلى جيش ما لا ينتهي عند لحظة التسليم، هو بداية طلب دائم على التدريب والصيانة وقطع الغيار والتحديثات والذخائر. ومع الوقت قد تتحول هذه العلاقة إلى مراكز صيانة أو خطوط إنتاج أو برامج تصنيع مشترك، وبمعنى آخر عقد التسليح يتحول إلى شبكة ارتباط عسكري وصناعي، وكلما زاد اعتماد الجيش على منظومة معينة صعُب استبدالها سريعاً ليس بسبب ثمن الطائرات بل بسبب كلفة تغيير البنية التقنية والتدريبية واللوجستية المبنية حولها. وتستفيد الصين من هذه المعادلة لثلاثة أسباب رئيسية أولها رغبة الدول العربية في تنويع مصادر السلاح، وثانيها القيود السياسية التي رافقت لسنوات تصدير بعض المسيّرات المسلحة الغربية، وثالثها استعداد بكين لربط صفقات التسليح بتعاون صناعي ونقل قدرات إنتاجية. لكن هذا النفوذ لا يقوم على صفقات المسيّرات وحدها بل يتحرك ضمن مزيج أوسع من الاستثمارات والطاقة والموانئ والاتصالات والمسيّرات تضيف إليه طبقة أمنية إضافية فقط.
المنافسة مع الولايات المتحدة: تنويع لا استبدال
انتشار المسيّرات الصينية لا يعني تلقائياً تراجع النفوذ الأمريكي، فالعلاقات العسكرية العربية مع واشنطن أعمق بكثير من أن تتأثر بمنصة واحدة كمقاتلات ودفاعات جوية وتدريب وذخائر وشبكات قيادة وسيطرة وتبادل معلومات ودعم لوجستي، لذلك فإن معظم الدول العربية لا تستبدل السلاح الأمريكي بالصيني بل تتبنى تنويعاً محسوباً فقد تشتري مسيّرات صينية لسرعة توريدها وتبقى مرتبطة بواشنطن في مجالات أكثر حساسية.
في المقابل، أدركت الولايات المتحدة أن قيودها السابقة على تصدير بعض المسيّرات المسلحة منحت منافسين مثل الصين وتركيا وإسرائيل مساحة أوسع فبدأت بمراجعة سياساتها التصديرية. المنافسة إذن لن تُحسم بمن يبيع طائرات أكثر بل بمن يبني منظومة متكاملة تشمل منصة جوية واتصالات واستشعار وذكاء اصطناعي وحرب إلكترونية ودفاع جوي وسلاسل إمداد.
معادلة الهجوم الرخيص والدفاع الباهظ
من أكثر ما تفرضه المسيّرات إرباكاً تكلفة الطائرة الأقل بكثير من تكلفة الصاروخ المستخدم لاعتراضها ما يسمح للمهاجم باستنزاف دفاعات خصمه اقتصادياً وعملياتياً، ولا يتعلق الأمر بالضرورة بمسيّرة متقدمة فأعداد كبيرة من طائرات صغيرة أو متوسطة أو مزيج من مسيّرات وصواريخ ووسائل تشويش قد تكفي لإرباك أي منظومة رصد ودفاع خصوصاً في هجمات مشبعة متعددة المحاور، والنتيجة معادلة قاسية طرفاها هجوم رخيص نسبياً في مواجهة دفاع باهظ، وإن لم تطوّر الدول وسائل اعتراض أكثر اقتصادية فإنها قد تجد نفسها في سباق استنزاف لا يحسمه التفوق التقني وحده بل يزيد الأمر تعقيداً أن تقنيات مثل الاتصالات والملاحة والاستشعار مزدوجة الاستخدام بطبيعتها ما يصعّب التمييز بين مسيّرة استطلاع ومسيّرة قابلة للتسليح.
مخاطر التبعية التقنية الجديدة
رغم مزايا الشراكة مع الصين فهي ليست بلا مخاطر،ج
فالاعتماد على منظومة أجنبية قد ينقل التبعية من السلاح التقليدي إلى شيء أصعب في التفاوض مثل البرمجيات وسلاسل الإمداد وحقوق التحديث، وقد تملك دولة ما طائرة “مصنّعة محلياً” لكنها تظل عاجزة عن تعديل خوارزميات التحكم أو تطوير مقاومة التشويش أو استبدال المحرك أو دمج ذخائر محلية دون موافقة المورّد الأصلي، وهنا يصبح الاستقلال الصناعي جزئياً فقط بينما يستمر الاعتماد الاستراتيجي في صورة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
إن اختلاف المنظومات الصينية عن نظيراتها الغربية يطرح أيضاً تحدياً في التشغيل البيني مفاده إذا اعتمدت القوات الجوية والدفاعات والاستطلاع على مصادر متعددة غير متوافقة يصبح دمجها في شبكة قيادة وسيطرة موحدة مسألة تقنية معقدة بحد ذاتها، لذلك أي صفقة مسيّرات جدية ينبغي أن تجيب عن أسئلة تتجاوز السعر وعدد الطائرات:
- من يملك حقوق البرمجيات والتحديث؟
- ما نسبة المكونات القابلة للإنتاج محلياً فعلاً؟
- هل يمكن صيانة المنظومة من دون دعم خارجي دائم؟
- هل تندمج الطائرات مع شبكات القيادة والسيطرة الوطنية؟
- ما مستوى مقاومتها للتشويش والاختراق؟
- هل تتضمن الصفقة تدريباً ونقل معرفة حقيقيين، أم تشغيلاً أساسياً فقط؟
- هل هناك ضمانات لاستمرار قطع الغيار في أوقات الأزمات؟
نفوذ بلا انتشار عسكري مباشر
المسيّرات تمنح الصين طريقة لبناء حضور أمني وتقني في المنطقة دون الحاجة لقواعد عسكرية واسعة أو نشر قوات كبيرة، وكل صفقة قد تفتح الباب أمام فنيين ومدربين ومهندسين ومراكز صيانة وبرامج تدريب واتصال مؤسسي طويل الأمد، وهذا نموذج مختلف جوهرياً عن النموذج الأمريكي المرتبط تاريخياً بالقواعد والتحالفات والوجود المباشر، فالصين تبني نفوذها تدريجياً عبر الاستثمار والطاقة والبنية التحتية ثم تضيف إليها التعاون الدفاعي والتقني، ولا يعني هذا غياب الوجود المادي الصيني كلياً لكنه وجود أقل ظهوراً وأكثر التصاقاً بالبنية التقنية للدولة الشريكة نفسها حين تصبح الاتصالات والاستشعار والقيادة مرتبطة بمورّد خارجي يتحول النفوذ من علاقة سياسية معلنة إلى اعتماد تقني طويل الأمد وصامت.
ماذا ينبغي أن تفعل الدول العربية؟
التعامل الواقعي مع دبلوماسية المسيّرات يتطلب الابتعاد عن الانبهار بالتكنولوجيا الصينية وعن الرغبة التلقائية في كسر الاحتكار الغربي على حد سواء، والخيار الأذكى ليس استبدال تبعية بأخرى بل استخدام المنافسة بين الموردين لانتزاع أفضل شروط التصنيع ونقل المعرفة والاستقلال التشغيلي، وهذا يستدعي استراتيجية وطنية تقوم على مبادئ واضحة وهي:
- ربط الشراء بالتوطين وألا تقتصر الصفقة على شراء الطائرات بل تشمل قدرات محلية للصيانة والتطوير والإنتاج.
- التركيز على المعرفة لا مجرد التجميع فالتجميع المحلي عديم الفائدة إذا ظلت البرمجيات والمحركات والمستشعرات خاضعة للخارج بالكامل.
- تطوير الدفاعات المضادة للمسيّرات امتلاك المسيّرات دون القدرة على اكتشافها واعتراضها يخلق فجوة خطيرة في المعادلة نفسها.
- دمج المنظومات ضمن شبكة واحدة القيادة والسيطرة والاستطلاع والدفاع الجوي يجب أن تعمل كمنظومة متكاملة لا كقطع منفصلة.
- تنويع الموردين بحساب فالتنويع يقلل المخاطر لكنه قد يرفع التعقيد الفني إذا غابت بنية موحدة للاتصالات والبيانات.
- تطوير الكوادر الوطنية فقيمة أي تكنولوجيا تتراجع إن ظل تشغيلها وصيانتها وتحديثها بيد خبراء أجانب دائماً.
- وضع معايير للسيادة الرقمية ومن يملك البيانات؟ ومن يتحكم بالبرمجيات؟ ومن يملك فعلياً القدرة على تعطيل المنظومة أو تحديثها؟
في الخلاصة
دبلوماسية الطائرات المسيّرة تكشف انتقال المنافسة في الشرق الأوسط من صفقات سلاح تقليدية إلى صراع أوسع على التكنولوجيا والبنية الصناعية والقرار العملياتي، فالصين تريد توسيع سوقها وبناء نفوذ طويل الأمد والدول العربية تريد قدرات أكثر مرونة واستقلالاً، وواشنطن تحاول الحفاظ على موقعها العسكري والتقني في منطقة تزداد فيها المنافسة يوماً بعد يوم.
والمسيّرة في النهاية ليست مجرد طائرة صغيرة أو بديل رخيص عن طائرة مأهولة بلهي بوابة إلى منظومة كاملة من الاستشعار والاتصالات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والتصنيع العسكري، والسؤال الذي يستحق أن يشغل صانع القرار العربي ليس “هل نشتري المسيّرات الصينية؟” بل كيف نحوّل هذه المشتريات إلى قدرة وطنية مستقلة فعلاً دون أن تتحول بكين أو واشنطن أو أي قوة أخرى إلى صاحب القرار غير المعلن في سمائنا؟
(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)(0);
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = “//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v2.9”;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));
n
n
المصدر: defensearabia.com