قالت صحيفة وول ستريت جورنال، في تقرير مطول نشرته يوم 12 يونيو (حزيران) 2026، إن مدينة دروجكوفكا الواقعة شمال مدينة كونستانتينوفكا (قسطنطينوفكا) الحصينة وجنوب كراماتورسك تحولت إلى نموذج مصغر لما يجري اليوم في شرق أوكرانيا، حيث يتقدم الجيش الروسي ببطء، ولكن بصورة متواصلة، بينما تجد عشرات الآلاف من الأسر الأوكرانية نفسها أمام سؤال يومي واحد: متى يحين وقت الرحيل؟ وذلك بحسب رواية الصحيفة الأمريكية.
الصحيفة الأمريكية، التي تابعت أوضاع المدينة على مدار عام كامل، حسبما ذكرت في تقريرها، وصفت كيف تتآكل الحياة الطبيعية تدريجياً تحت ضغط الحرب، وكيف تتحول المدن الواقعة خلف خطوط القتال إلى مناطق شبه فارغة مع استمرار النزوح وإغلاق المؤسسات وتراجع الخدمات.
لكن الأهم، بالنسبة لي كمراقب من موسكو لما يصدر عن الكرملين، هو أن التقرير أشار إلى أن دروجكوفكا أصبحت واحدة من المدن الواقعة ضمن محور الضغط الروسي الرئيسي خلال عام 2026.
وبالطبع حاولت الصحيفة الأمريكية إظهار التقرير في إطار إنساني، والتركيز على الواقع الإنساني المأزوم للسكان في المدينة المنكوبة، شأنها شأن عشرات المدن الأوكرانية الأخرى التي أوقعتها الجغرافيا بين موسكو والغرب.
لكن التقرير المطول يحمل، في تقديري، دلالات عسكرية واستراتيجية أكثر أهمية من كثير من البيانات اليومية الصادرة عن طرفي الحرب، والتي أصبحت متشابهة إلى حد كبير، إذ يكرر المتحدثون العسكريون الأرقام والعبارات ذاتها بصورة شبه يومية منذ سنوات.
ويعود تقديري للأهمية العسكرية والاستراتيجية لهذا التقرير إلى أنه يأتي بعد أيام فقط من تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، والتي أكد فيها أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تنطلق من الحقائق الميدانية الجديدة، وأضع هنا عدة خطوط تحت كلمة «الجديدة».
فأن يأتي تقرير لصحيفة أمريكية كبرى ليقدم وصفاً عملياً لكيفية تشكل هذه الحقائق على الأرض، يعني اعترافاً غربياً بأن الحرب، بالنسبة لموسكو، باتت عملية طويلة لإعادة تشكيل البيئة العسكرية والسياسية والديموغرافية التي ستُبنى عليها أي تسوية مستقبلية.
وبالتالي، فإن هذا الكلام يعني أن الكرملين لم يعد، أو ربما لم يكن منذ البداية، يسعى في استراتيجيته إلى خوض معارك هدفها السيطرة على أراضٍ جديدة فحسب، رغم الانتقادات المتكررة التي وُجهت إليه بسبب بطء العمليات والتقدم الميداني، وإنما إلى إعادة تشكيل البيئة التي أشرت إليها في الفقرة السابقة.
وفي هذا تحديداً تكمن أهمية دروجكوفكا. فما أرمي إليه هو أن هذه المدينة ليست هدفاً منفرداً بحد ذاتها بالنسبة للجيش الروسي في خططه العسكرية، وإنما هي جزء من عقدة حضرية وعسكرية أكبر تضم كراماتورسك وسلافيانسك وكونستانتينوفكا ودروجكوفكا.
وذلك لأن هذه المجموعة من المدن تمثل آخر المراكز الحضرية الكبرى التي ما زالت تحت سيطرة كييف في الجزء الشمالي من مقاطعة دونيتسك.
ومنذ بداية عام 2026 أصبحت هذه المنطقة محوراً ثابتاً في البيانات العسكرية الروسية وتقارير المنصات التحليلية الروسية، مثل «ريبار» و«فوينايا خرونيكا» و«دفا مايورا»، وهي منصات تحظى بمتابعة واسعة داخل الأوساط المهتمة بالشأن العسكري الروسي.
وتشير هذه المنصات إلى أن المرحلة الحالية من الحرب لا تستهدف تحقيق اختراقات سريعة بقدر ما تستهدف استنزاف الدفاعات الأوكرانية تدريجياً وتحويل مراكز الثقل الأوكرانية إلى عبء متزايد على القيادة العسكرية في كييف.
وهذا الكلام يعني، عند محاولة فهمه من وجهة نظر أصحابه، أن طبيعة الحرب قد تغيرت بصورة واضحة مقارنة بعامي 2022 و2023 بالنسبة للكرملين والقادة والمخططين العسكريين الروس في هيئة الأركان العامة.
ففي المراحل الأولى سعت موسكو إلى تنفيذ عمليات مناورة واسعة واختراقات كبيرة وسريعة، إلا أن نتائج تلك المقاربة لم تكن مرضية من ناحية الكلفة البشرية، بحسب تقديري.
أما اليوم فقد أصبحت الأولوية مختلفة، وهي ممارسة الضغط المستمر، حتى وإن كان التقدم بطيئاً. فالهدف الحقيقي أصبح إنهاك الاحتياطيات الأوكرانية واستنزاف المدن قبل الوصول إليها.
ولهذا تتكرر في التحليلات الروسية عبارة أراها مفتاحاً لفهم ما يجري في دونباس، وهي «استنزاف المدينة قبل اقتحامها».
والمقصود بذلك ليس فقط القصف العسكري التقليدي، وإنما أيضاً استهداف البنية اللوجستية وتعطيل الخدمات وضرب مخازن الذخيرة ومراكز القيادة وشبكات النقل، بما يؤدي إلى تقليص قدرة القوات الأوكرانية على استخدام المدن كنقاط ارتكاز دفاعية فعالة.
وهنا يأتي ما كنت أرغب في توضيحه من وراء وصف تقرير وول ستريت جورنال بأنه تقرير مهم، وذلك لأنه يوثق عملياً، ومن وجهة نظر الطرف المقابل، بعض نتائج هذه الاستراتيجية الروسية التي يبدو أنها تحقق عدة أهداف في وقت واحد، وأهمها، في رأيي، الحفاظ على أرواح الجنود الروس وتقليل الخسائر البشرية إلى أدنى حد ممكن، وفي الوقت نفسه تحقيق تقدم ميداني تدريجي وتغيير الواقع الديموغرافي والعسكري لمصلحة موسكو.
فعلى سبيل المثال، فإن هذه المدينة، التي كان يسكنها عشرات الآلاف قبل الحرب، تتحول تدريجياً إلى مدينة شبه فارغة، ومثلها كونستانتينوفكا، سواء من حيث عدد السكان أو حجم النشاط الاقتصادي فيها. فالمدارس تغلق، والأعمال تتوقف، والسكان يرحلون، حتى وإن لم يكن جميعهم راغبين في ذلك، فيما يجد الجيش الأوكراني نفسه مضطراً للدفاع عن مناطق يتراجع وزنها الاقتصادي والبشري بصورة مستمرة.
وداخل الكرملين توجد اليوم قناعة متزايدة بأن عامل الزمن يعمل لمصلحة روسيا أكثر مما يعمل لمصلحة أوكرانيا ومن ورائها داعموها الغربيون.
وهذه القناعة لا تعني، بأي حال من الأحوال، اعتقاد بوتين أن الحرب سهلة أو أن موسكو لا تدفع أثماناً باهظة.
بل إن العكس هو الصحيح، في رأيي، لأن الحرب استنزفت الطرفين بصورة هائلة، ولا تزال أوكرانيا قادرة على توجيه ضربات مؤلمة داخل العمق الروسي بواسطة المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، وهو ما نشهده بصورة متكررة خلال الفترة الأخيرة.
لكن الواقع الذي نتعامل معه يقول إن جوهر الصراع لم يعد مرتبطاً بسرعة التقدم، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف لفترة أطول، وهي الفكرة التي أكررها كثيراً في تحليلاتي الأخيرة لتطورات الحرب الأوكرانية، أو للمواجهة الروسية الغربية بمعناها الأوسع.
ولكي لا يبدو كلامي تحليلاً نظرياً محضاً، دعوني ألفت انتباه القراء الأعزاء إلى أحد أهم التحولات التي طرأت على التفكير الروسي خلال العامين الأخيرين، من واقع متابعتي الشخصية بطبيعة الحال.
ففي بداية الحرب كان الحديث يدور حول السيطرة على المدن. أما اليوم فإن الحديث يدور حول استنزاف القدرة الأوكرانية على الدفاع عن تلك المدن.
وهذه، في تقديري، مقاربة مختلفة تماماً للحرب. فبدلاً من البحث عن انتصار خاطف، كما حاول الغرب تصوير أهداف العملية العسكرية الروسية، يجري العمل على جعل استمرار القتال أكثر كلفة على الخصم، بمعناه الواسع، أي على أوكرانيا والدول الداعمة لها، من التراجع أو القبول بتسوية بشروط أقل ملاءمة.
ومن هنا يمكن فهم سبب عدم استعجال موسكو شن هجمات كبرى مرتفعة الكلفة البشرية على غرار بعض معارك السنوات الماضية، كما أشرت في موضع سابق.
فالقيادة العسكرية الروسية، بعد خبرة السنة أو السنتين الأوليين من الحرب، تبدو أكثر ميلاً إلى استراتيجية الضغط المتراكم، بحسب ما يصفها عدد من الخبراء العسكريين.
ولم يعد المطلوب بالنسبة لرئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف وجنرالاته احتلال المدينة اليوم أو غداً، وإنما جعل استمرار الدفاع عنها أكثر كلفة وأكثر إيلاماً من الانسحاب منها.
وفي هذا السياق تبدو دروجكوفكا مثالاً حياً على طبيعة المرحلة الحالية من الحرب. فالمدينة ليست محاصرة بالكامل، والجبهة الأوكرانية لم تنهَر، لكن الحياة نفسها تتآكل تدريجياً. وهذا التآكل جزء من المعركة بقدر ما هو نتيجة لها.
لكن من المهم هنا أيضاً تجنب المبالغة.
فالتقدم الروسي المستمر لا يعني أن الجبهة الأوكرانية على وشك الانهيار، كما أن نجاح أوكرانيا في تنفيذ ضربات داخل روسيا لا يعني أنها قادرة على تغيير اتجاه الحرب في دونباس.
فالواقع يشير إلى أن الوضع أكثر تعقيداً من مثل هذا التبسيط.
نعم، روسيا تتقدم ببطء، لكنها تتقدم.
وأوكرانيا تتراجع في بعض المحاور، لكنها لا تزال تقاتل وتناور وتنفذ ضربات مؤثرة مستفيدة من الدعم العسكري والاستخباراتي الغربي.
أما النتيجة الأكثر وضوحاً حتى الآن فتتمثل في استمرار حرب الاستنزاف، التي تحولت تدريجياً إلى السمة الأساسية للصراع.
إن أهم ما في تقرير وول ستريت جورنال، من وجهة نظري، ليس ما ذكره عن وضع مدينة دروجكوفكا، على الرغم من أهمية ذلك، وإنما الرسالة الضمنية التي يوجهها إلى الغرب، وتحديداً إلى الولايات المتحدة، ثم إلى الدول الأوروبية التي لا تزال تراهن على إمكانية إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا عبر مواصلة الضغط العسكري وتوسيع نطاق العقوبات الاقتصادية.
وتراهن موسكو والكرملين وهيئة الأركان العامة الروسية على أن السيطرة التدريجية على الحزام الممتد من كونستانتينوفكا إلى دروجكوفكا، ثم لاحقاً كراماتورسك وسلافيانسك، ستحدد شكل المرحلة المقبلة من الحرب أكثر من أي عملية نوعية أو ضربة ذات طابع إعلامي.
وما هو أبعد من دونباس نفسها، من وجهة نظر القيادة الروسية، أن هذا النمط من القتال ينعكس بصورة مباشرة على مسار التفاوض.
فكل قرية تقع تحت السيطرة الروسية، وكل مدينة يقترب منها الجيش، وكل محور لوجستي يتعرض للضغط، يتحول في نظر الكرملين إلى ورقة سياسية إضافية على طاولة أي مفاوضات مستقبلية.
ولهذا يرفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصورة متكررة فكرة وقف إطلاق النار غير المشروط، إذ يبدو أنه يعتقد أن الوقت والواقع الميداني ما زالا يعملان لمصلحة موسكو أكثر مما يعملان لمصلحة خصومها.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة تقرير وول ستريت جورنال، الذي استندنا إليه في هذا المقال، ليس بوصفه مجرد مادة صحفية تتناول أوضاع مدينة تقع بالقرب من خطوط المواجهة، وإنما باعتباره وثيقة تعكس جانباً من التحولات الجارية على الأرض في شرق أوكرانيا.
فالتقرير يقدم صورة عن كيفية تشكل الوقائع الميدانية الجديدة التي تتحدث عنها موسكو باستمرار، ويكشف في الوقت نفسه أن الحرب دخلت مرحلة يغدو فيها عامل الاستنزاف، أكثر من عامل المناورة السريعة أو الاختراقات الكبرى، المحدد الرئيسي لمسار العمليات العسكرية.
وعليه، فإن أهمية دروجكوفكا لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي أو من قربها من مراكز الثقل الأوكرانية في دونيتسك، بل من كونها نموذجاً مصغراً لطبيعة الصراع الراهن، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والديموغرافية والسياسية في معركة طويلة الأمد ستترك آثارها على شكل التسوية المقبلة، أياً كان توقيتها أو طبيعتها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-06-17 04:48:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-17 04:48:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
