هل تستطيع تركيا منافسة رافال وF-35؟.. الطموح الحقيقي وراء مشروع المقاتلة “كآن”



موقع الدفاع العربي – 29 يونيو 2026: شهدت الصناعات الدفاعية التركية خلال العقود الخمسة الماضية تحولًا جذريًا نقلها من الاعتماد شبه الكامل على استيراد السلاح إلى السعي لامتلاك قاعدة صناعية قادرة على تصميم وإنتاج وتصدير أنظمة قتالية متطورة، ويأتي مشروع المقاتلة الوطنية “كآن” KAAN في صدارة هذا التحول باعتباره أكثر البرامج طموحًا في تاريخ الصناعات الجوية التركية. فأنقرة لا تنظر إلى المشروع باعتباره مجرد مقاتلة جديدة، بل كأداة لترسيخ الاستقلال الاستراتيجي وتعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة وقادرة على منافسة كبار منتجي الطائرات المقاتلة في العالم.
ورغم أن سوق الطائرات القتالية ظل لعقود حكرًا على عدد محدود من الدول، مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا، فإن تركيا عملت بهدوء على بناء منظومة دفاعية متكاملة شملت الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والأنظمة الإلكترونية، والمروحيات، والسفن الحربية، والغواصات، قبل أن تنتقل إلى التحدي الأصعب المتمثل في إنتاج مقاتلة من الجيل الجديد. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب امتلاك منظومة صناعية متكاملة تشمل المحركات والرادارات والإلكترونيات والتسليح والبرمجيات وإدارة الإنتاج، إلى جانب شبكة من العلاقات السياسية والدبلوماسية التي تضمن نجاح صادرات السلاح، إذ لا يكفي التفوق الصناعي وحده للفوز بعقود التصدير.
ويستند هذا الطموح إلى الموقع الجيوسياسي الفريد لتركيا، التي تقع عند تقاطع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ما منحها أهمية استراتيجية داخل حلف شمال الأطلسي منذ انضمامها إليه عام 1952. وخلال الحرب الباردة أصبحت أنقرة أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وحصلت على مساعدات عسكرية ضخمة جعلتها تعتمد بصورة شبه كاملة على السلاح الأمريكي، ولا سيما الطائرات المقاتلة، حيث دخلت الخدمة تباعًا مقاتلات F-86 وF-84 وF-100 وF-102 وF-104 وF-5 وF-4، قبل أن تصبح مقاتلات F-16 العمود الفقري للقوات الجوية التركية.


لكن أزمتي قبرص والصواريخ الكوبية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كشفتا مخاطر الاعتماد الكامل على الخارج، وهو ما دفع أنقرة إلى تبني سياسة الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية. ومنذ الثمانينيات بدأت إصلاحات واسعة شجعت الشراكات مع الشركات الغربية، فدخلت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسرائيل والولايات المتحدة في مشاريع نقل تقنية وإنتاج مشترك، بينما استثمرت تركيا بكثافة في بناء قاعدة صناعية وطنية مستفيدة من استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري حتى بعد انتهاء الحرب الباردة.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم مطلع الألفية، تسارع تنفيذ البرامج المحلية، لتتحول الصناعات الدفاعية إلى أحد أعمدة المشروع السياسي للرئيس رجب طيب أردوغان. وشهدت تلك المرحلة إطلاق مشاريع وطنية في مختلف المجالات، بالتزامن مع تغيرات سياسية أثرت في علاقات أنقرة الخارجية، أبرزها إنهاء التعاون الدفاعي مع إسرائيل، ومحاولة شراء منظومة الدفاع الجوي الصينية FD-2000، ثم التوجه نحو روسيا لاقتناء منظومة إس-400.
وكان الانقلاب الفاشل عام 2016 نقطة تحول رئيسية، إذ عززت الحكومة سيطرتها على قطاع الصناعات الدفاعية، وأعادت هيكلة القوات المسلحة، واتجهت نحو سياسة خارجية أكثر استقلالًا، ترافقت مع تقارب أكبر مع موسكو وتوتر متزايد مع عدد من شركاء الناتو.
وعلى صعيد الصناعات الجوية، مثل برنامج إنتاج مقاتلات F-16 تحت الترخيص الأمريكي منذ عام 1983 حجر الأساس للصناعة الجوية التركية. فقد أنتجت تركيا مئات الطائرات محليًا ضمن برامج Peace Onyx، واكتسبت خبرات واسعة في إدارة الإنتاج، وضبط الجودة، والدعم اللوجستي، ونقل التكنولوجيا، كما تأسست شركات محورية مثل TAI وTEI وأسيلسان وروكيتسان، التي أصبحت لاحقًا الركائز الأساسية للصناعات الدفاعية التركية.
ومع بداية الألفية انتقلت أنقرة من مرحلة الإنتاج المرخص إلى التصميم المحلي، فأطلقت طائرة التدريب والهجوم الخفيف Hürkuş، التي دخلت الخدمة وصُدرت إلى عدد من الدول الإفريقية، ثم تبعتها الطائرة النفاثة Hürjet المخصصة للتدريب المتقدم والمهام القتالية الخفيفة، والتي أجرت أولى رحلاتها عام 2023، وتستخدم محرك F404 الأمريكي مع خطط لتطوير نسخة بحرية للعمل على حاملات الطائرات. كما حققت نجاحًا تصديريًا بعد اختيارها من قبل إسبانيا لتدريب الطيارين العسكريين.


وفي قطاع المروحيات، طورت تركيا المروحية الهجومية T129 ATAK اعتمادًا على التصميم الإيطالي A129، مع دمج إلكترونيات وأنظمة تسليح محلية، وهو ما عزز خبرتها في تطوير المنصات الجوية.
وفي عام 2007 انضمت تركيا إلى برنامج المقاتلة الأمريكية إف-35 كشريك من المستوى الثالث، وأسهمت في تصنيع مئات المكونات الهيكلية وأجزاء من محرك F135، بينما كانت تخطط لاقتناء نحو مئة مقاتلة مستقبلاً. إلا أن شراء منظومة إس-400 الروسية عام 2017 أدى إلى استبعادها نهائيًا من البرنامج عام 2019، رغم دفعها قيمة عدد من الطائرات، كما خسرت عقودًا صناعية بمليارات الدولارات، وأُجهضت خطط تشغيل مقاتلات F-35B على متن السفينة البرمائية TCG Anadolu، التي تحولت لاحقًا إلى حاملة للطائرات المسيّرة.
وأدى هذا التطور إلى تسريع العمل على مشروع المقاتلة الوطنية “كآن” KAAN، المعروف سابقًا باسم TF-X، الذي انطلق عام 2010 بهدف استبدال أسطول إف-16. ويعتمد المشروع على تصميم شبحي مزود بحجرات داخلية للأسلحة، ورادار AESA، ومنظومة حرب إلكترونية ومستشعرات متطورة جميعها من تطوير الصناعة التركية. وتخطط أنقرة لإنتاج ثلاث نسخ رئيسية، تعتمد الأولى على محركات F110 الأمريكية، بينما يُفترض أن تستخدم النسختان اللاحقتان المحرك الوطني TF35000 الجاري تطويره.
وتعد المحركات أكبر تحدٍ أمام المشروع، إذ إن تطوير محرك مقاتلة حديثة من أكثر البرامج تعقيدًا في الصناعات الجوية. ولهذا اختارت تركيا تصميمًا ثنائي المحرك يمنحها مرونة أكبر في توزيع القوة وتطوير الأداء. وفي فبراير 2026 أعلن برنامج TF35000 اجتياز مرحلتي مراجعة التصميم الأولية والنهائية، ما يسمح بالانتقال إلى تصنيع النماذج الأولية، إلا أن الطريق ما يزال طويلًا قبل الوصول إلى محرك قادر على تلبية متطلبات الاعتمادية والأداء.
كما يثير الجدول الزمني الخاص بالمحرك TF35000 كثيرًا من الشكوك داخل الأوساط المتخصصة. فالتجارب السابقة في تطوير محركات المقاتلات الحديثة تشير إلى أن مثل هذه البرامج تستغرق عادة أكثر من عقد من الزمن، بل امتدت في بعض الحالات إلى ما يقارب عقدين، كما حدث مع عدد من المحركات الأمريكية والصينية. وانطلاقًا من هذه السوابق، يرى كثير من الخبراء أن دخول المحرك التركي الخدمة بحلول عام 2032 يمثل هدفًا شديد الطموح، بينما يبدو عام 2035 أو ما بعده أكثر واقعية إذا سارت جميع مراحل التطوير دون عقبات كبيرة.


وسعت أنقرة إلى التعاون مع شركات مثل Rolls-Royce وEurojet وGeneral Electric دون التوصل إلى اتفاق شامل، بينما حصلت على عدد محدود من محركات F110 لتشغيل النماذج الأولية، وهو ما أتاح للمقاتلة “كآن” تنفيذ أول رحلة تجريبية عام 2024. كما حاولت الاستفادة من الخبرات الأوكرانية عبر التعاون مع شركتي Ivchenko-Progress وMotor Sich، اللتين شاركتا أيضًا في برامج الطائرات المسيّرة التركية، غير أن الحرب الروسية الأوكرانية أبطأت هذه الخطط. واستقبلت تركيا كذلك نحو مئة مهندس أوكراني متخصص في الصناعات الجوية لتعزيز قدراتها المحلية.
وفي ظل استمرار التأخير في تطوير المحرك الوطني، اضطرت تركيا إلى البحث عن حلول انتقالية لسد الفجوة في قواتها الجوية، فتعاقدت عام 2025 على شراء عشرين مقاتلة “يوروفايتر تايفون” Eurofighter Typhoon من المملكة المتحدة بعد رفع الاعتراض الألماني، بالتوازي مع استمرار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة للحصول على أربعين مقاتلة “إف-16 بلوك-70 فايبر” F-16 Block 70 Viper، مع تنفيذ الجزء الأكبر من برنامج تحديث الأسطول محليًا.
ورغم توقيع أول عقد إنتاج لمقاتلات “كآن” عام 2026 مع خطط لتسليم الدفعات الأولى بين عامي 2028 و2030، فإن نجاح المشروع لا يزال مرتبطًا بحل أزمة المحرك، إذ يتوقع كثير من الخبراء أن يتأخر دخول المحرك الوطني الخدمة إلى ما بعد عام 2035، مقارنة بالجدول الرسمي الذي يستهدف عام 2032.
تصدير “كآن”
وإذا نجحت تركيا في تجاوز عقبة المحرك، فإن “كآن” قد تمتلك فرصًا واعدة في الأسواق الدولية، إذ أبدت عدة دول اهتمامًا أوليًا بالمشروع. فقد أعلنت إندونيسيا عام 2025 اهتمامها بالحصول على 48 مقاتلة، لكنها اشترطت أن تكون الطائرة خالية من المكونات الأمريكية، حتى لا تخضع لقيود التصدير التي قد تعطل استخدامها أو إعادة تصديرها مستقبلاً. كما طالبت جاكرتا بضمانات واضحة تتعلق بجداول التسليم، وتأمين سلسلة الإمداد، واستقلالية البرنامج عن القيود الخارجية.
وفي أوروبا، بدأت إسبانيا أيضًا إجراء مباحثات أولية بشأن إمكانية اقتناء “كآن” مستقبلًا، خاصة في ظل تقدم عمر مقاتلاتها الحالية، ورغبتها في الحفاظ على أسطول مزدوج إلى جانب “يوروفايتر”، إضافة إلى تعثر برنامج FCAS الأوروبي واستبعاد خيار شراء إف-35. ويأتي هذا الاهتمام بعد نجاح التعاون بين مدريد وأنقرة في برنامج طائرة التدريب Hürjet، إلا أن أي صفقة محتملة ستظل مرتبطة بمفاوضات معقدة حول نقل التكنولوجيا والمشاركة الصناعية.
كما ترددت تقارير عن اهتمام دول أخرى بالمقاتلة التركية، من بينها أذربيجان وباكستان ومصر، إضافة إلى بعض دول الخليج مثل السعودية والإمارات، فضلاً عن تكهنات أشارت إلى إمكانية حصول أوكرانيا عليها مستقبلًا. إلا أن جميع هذه السيناريوهات تبقى مرهونة بحل مشكلة المحرك، وبقدرة تركيا على التخلص من القيود التي تفرضها المكونات الأمريكية على عمليات التصدير.
وفي حال تمكنت أنقرة من استكمال مشروعها وفق ما تخطط له، فإن “كآن” لن تكون مجرد مقاتلة جديدة، بل ستتحول إلى أداة استراتيجية لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري التركي، وستمنح البلاد هامشًا أوسع من الاستقلال في قراراتها الدفاعية، بعيدًا عن الضغوط المرتبطة بالحصول على الأسلحة الأجنبية.
وفي جوهر هذا المشروع، لا يقتصر الهدف على إنتاج طائرة مقاتلة متطورة، بل يتمثل في تحقيق رؤية أوسع تقوم على بناء صناعة دفاعية مكتفية ذاتيًا، تمتلك القدرة على تطوير أهم التقنيات العسكرية محليًا، وتمنح تركيا حرية أكبر في رسم سياساتها الخارجية والدفاعية.
ويمثل مشروع “كآن” خلاصة مسار طويل بدأ قبل عقود، انتقلت خلاله تركيا من دولة تعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد المقاتلات الأمريكية إلى دولة تسعى لدخول النادي المحدود للدول القادرة على تصميم وإنتاج طائراتها القتالية المتقدمة. غير أن الطريق لا يزال طويلًا، فنجاح البرنامج سيعتمد في النهاية على قدرة الصناعة التركية على تجاوز أصعب التحديات التقنية، وفي مقدمتها تطوير محرك وطني عالي الأداء، وهو التحدي الذي سيحدد ما إذا كانت أنقرة ستنجح فعلًا في ترسيخ مكانتها كإحدى القوى الصاعدة في صناعة الطيران العسكري خلال العقد المقبل.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-06-29 10:51:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-06-29 10:51:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
