بعد منظومات “HQ-9” ومقاتلات “J-10C”.. هل تستعد بكين لمرحلة جديدة من التعاون العسكري مع القاهرة؟
موقع الدفاع العربي – 4 يوليو 2026: تشهد العلاقات بين مصر والصين خلال السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا لم يعد يقتصر على التعاون الاقتصادي ومشروعات البنية التحتية، بل امتد ليشمل مجالات عسكرية واستراتيجية تعكس تحوّلًا واضحًا في طبيعة الشراكة بين البلدين. ويواكب هذا التقارب اهتمام رسمي وإعلامي صيني متزايد بتحركات وأنشطة القوات المسلحة المصرية، في ظل إدراك بكين للمكانة الجيوسياسية التي تتمتع بها القاهرة على المستويين الإقليمي والدولي.
ويشير تقرير نشره موقع Modern Diplomacy إلى أن هذا الاهتمام يتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أن أهمية هذه المناسبة تتجاوز بعدها الرمزي. فالصين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة محورية تمتلك القدرة على التواصل مع العالمين العربي والأفريقي، إلى جانب موقعها الاستثنائي الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس وشرق البحر المتوسط، وهو ما يمنحها دورًا مؤثرًا في حركة التجارة الدولية والتوازنات الإقليمية.
وخلال السنوات الماضية، تطورت العلاقات الثنائية بصورة لافتة، فلم تعد مقتصرة على الاستثمارات أو المشروعات التنموية، وإنما اتجهت أيضًا نحو تعزيز التعاون العسكري من خلال تنفيذ تدريبات مشتركة وإبرام صفقات تسليح نوعية عززت من تنوع مصادر تسليح الجيش المصري.
وفي الواقع، لا يعد الحضور العسكري الصيني داخل المنظومة الدفاعية المصرية أمرًا جديدًا. فقد شهد التعاون بين البلدين إنتاج طائرة التدريب K-8E محليًا داخل مصر في إطار شراكة صناعية بين الجانبين. كما تشير بيانات الهيئة العربية للتصنيع إلى تصنيع هياكل الطائرة المسيّرة ASN-209 بنسبة مرتفعة من المكونات المحلية، إلى جانب تقارير دفاعية تتحدث عن تشغيل الجيش المصري لطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي صينية ضمن شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات.
ولا تقتصر أهمية مصر بالنسبة للصين على التعاون العسكري أو صفقات التسليح، بل ترتبط بدرجة أكبر بعوامل جغرافية واستراتيجية. فالقاهرة تسيطر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر قناة السويس، وتشكل نقطة ارتكاز في ملفات البحر الأحمر وغزة والسودان وليبيا وشرق المتوسط، وهو ما يجعلها شريكًا قادرًا على حماية المصالح الصينية في منطقة تشهد تحولات متسارعة، وليس مجرد مستورد للمعدات العسكرية.
وفي المقابل، لا تبدو مصر بصدد التخلي عن شراكاتها التقليدية مع الدول الغربية، وإنما تتبع سياسة تقوم على تنويع مصادر التسليح والتعاون الدفاعي، بما يمنحها هامشًا أوسع من الاستقلالية في اتخاذ القرار العسكري. وفي الوقت نفسه، تراهن بكين على توسيع حضورها داخل السوق المصرية، خاصة مع القيود التي تفرضها بعض الدول الغربية على نقل التكنولوجيا العسكرية، وهو ما يفتح المجال أمام الصين لتقديم نفسها كمصدر بديل للتقنيات الدفاعية.
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن الاهتمام الصيني المتزايد بمصر يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، إذ تسعى بكين إلى ترسيخ موطئ قدم سياسي واستراتيجي في دولة تتحكم في أحد أهم مفاتيح الملاحة العالمية وتؤثر بصورة مباشرة في موازين القوى الإقليمية.
ويرى خبراء صينيون أن العلاقات بين القاهرة وبكين دخلت مرحلة أكثر تقدمًا خلال السنوات الأخيرة، انعكس ذلك في تنامي التعاون العسكري إلى جانب المجالات السياسية والاقتصادية. ويؤكدون أن هذا التقارب لا يستهدف إبعاد مصر عن شركائها التقليديين في الغرب أو تقويض علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، بل يهدف إلى توسيع خيارات القاهرة الاستراتيجية، وإضافة شريك جديد إلى شبكة علاقاتها الدولية، مع التشديد على أن التعاون الصيني المصري لا يوجَّه ضد أي طرف آخر.
ويستند هذا التقارب، بحسب الخبراء، إلى إرث طويل من الثقة السياسية المتبادلة بين البلدين. فمصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وتقيم معها علاقات دبلوماسية، فيما شهد عام 2014 الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما أفسح المجال أمام توسيع التعاون في مختلف القطاعات، بما فيها المجال العسكري، مدعومًا بالمكانة الإقليمية التي تتمتع بها مصر كدولة محورية في العالمين العربي والأفريقي، وبمستوى متقدم من التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الجانبين.
وفيما يتعلق بقناة السويس، يشير الخبراء إلى أنها تمثل أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة الصينية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة البضائع المتجهة إلى أوروبا وأفريقيا، ما يجعل استقرارها وأمنها جزءًا أساسيًا من حماية المصالح الاقتصادية الصينية. كما أن اتساع الاستثمارات الصينية في الخارج دفع بكين إلى إيلاء اهتمام متزايد بأمن الممرات البحرية الدولية، من خلال تعزيز التعاون مع الدول الواقعة على هذه المسارات لضمان انسيابية التجارة العالمية.
وبشأن التكهنات حول إمكانية سعي الصين إلى إقامة قواعد عسكرية أو وجود عسكري دائم في مصر، يؤكد الخبراء أن السياسة الصينية لا تقوم على إنشاء قواعد عسكرية خارجية على غرار بعض القوى الدولية، وإنما ترتكز على توسيع التعاون الأمني والعسكري مع الدول الشريكة بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، إلى جانب حماية المصالح التجارية والاقتصادية للصين.
كما يلفتون إلى أن التعاون العسكري بين القاهرة وبكين لم يعد يقتصر على صفقات التسليح، بل تطور ليشمل مجالات أكثر تقدمًا، مثل نقل التكنولوجيا العسكرية، والتصنيع المشترك، وبناء القدرات الدفاعية، إلى جانب تنفيذ تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة. ويشيرون إلى أن العام الماضي شهد تنظيم تدريبات مشتركة بين القوات الجوية المصرية والصينية، مع توقعات بأن يشهد المستقبل توسعًا أكبر في هذا النوع من التعاون بين الصين وعدد متزايد من الدول، وفي مقدمتها مصر.
اهتمام مصري بالأسلحة الصينية المتطورة


يُعد اهتمام مصر بالمنظومات العسكرية الصينية امتدادًا لسياسة تنويع مصادر التسليح التي تنتهجها القاهرة منذ سنوات، بهدف تعزيز استقلالية قرارها العسكري وتجنب الاعتماد على مصدر واحد للتسليح. وتكتسب الأسلحة الصينية أهمية متزايدة في هذا السياق، نظرًا لما توفره من تقنيات حديثة، إلى جانب انخفاض مستوى القيود السياسية والتشغيلية التي قد ترافق بعض صفقات السلاح الغربية.
وتوفر الصين مجموعة واسعة من المنظومات المتطورة، تشمل أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والمقاتلات، ومنظومات الحرب الإلكترونية، والصواريخ الدقيقة، مع استعداد أكبر لإبرام اتفاقات تتضمن نقل التكنولوجيا أو التصنيع المشترك، وهو ما يتماشى مع توجه مصر نحو تطوير قاعدتها الصناعية العسكرية وتعزيز قدراتها المحلية في إنتاج المعدات الدفاعية.
كما يمنح تنويع الموردين القوات المسلحة المصرية مرونة أكبر في الحصول على الأسلحة وقطع الغيار والذخائر، ويقلل من احتمالات تأثر جاهزيتها بأي قيود أو ضغوط سياسية قد تفرضها بعض الدول المصدرة للسلاح. ومن هذا المنطلق، تمثل الصين خيارًا مهمًا ضمن شبكة شركاء مصر العسكريين، دون أن يعني ذلك التخلي عن التعاون مع الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية أو غيرها من موردي السلاح الرئيسيين.
وفي المقابل، تنظر بكين إلى مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا وسوقًا مهمًا للصناعات الدفاعية الصينية، وتسعى إلى توسيع حضورها من خلال تقديم منظومات متقدمة بشروط أكثر مرونة، سواء فيما يتعلق بآليات التعاقد أو بنقل المعرفة والتكنولوجيا، بما يعزز قدرتها على المنافسة في سوق التسليح الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، تبرز رغبة مصر في الحصول على عدد من أحدث المنظومات الصينية، وفي مقدمتها المقاتلتان J-10CE وJ-35A، إلى جانب طائرة الإنذار المبكر KJ-500، ومنظومتي الدفاع الجوي بعيدتي المدى HQ-9B وHQ-19. ويعود هذا الاهتمام إلى ما توفره هذه المنظومات من قدرات قتالية متقدمة، فضلاً عن أن بكين تُعرف بسياسة تصدير أكثر مرونة مقارنة ببعض الدول الغربية، إذ لا تفرض عادةً قيودًا سياسية أو تشغيلية صارمة على استخدام الأسلحة أو تحديثها أو دمجها داخل المنظومات العسكرية للدول المستوردة. كما تبدي الصين استعدادًا أكبر لنقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، وهو ما يتوافق مع توجه القاهرة نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية وتعزيز استقلالية قرارها العسكري.
تعكس وتيرة التقارب بين القاهرة وبكين تحولًا تدريجيًا في طبيعة العلاقات بين البلدين، من شراكة اقتصادية إلى تعاون يمتد بصورة متزايدة نحو المجالات العسكرية والتكنولوجية. وبينما تواصل مصر سياسة تنويع مصادر التسليح وتعزيز استقلالية قرارها الدفاعي، تسعى الصين إلى ترسيخ حضورها كشريك قادر على توفير منظومات متطورة ونقل التكنولوجيا بشروط أكثر مرونة. ومع استمرار المتغيرات الإقليمية والدولية، يبقى مستقبل هذه الشراكة مرهونًا بقدرة الجانبين على تحويل التعاون الحالي إلى مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، بما يعيد رسم ملامح التوازنات العسكرية في المنطقة ويمنح العلاقات المصرية الصينية بعدًا يتجاوز حدود صفقات السلاح التقليدية.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-07-04 16:26:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.defense-arabic.com
بتاريخ: 2026-07-04 16:26:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
