من تشييع الثورة إلى تشييع الدولة.. قراءة مقارنة في مراسم جنازتي الخميني وخامنئي


لم تستخدم الجمهورية الإسلامية الجنازات لتوديع قادتها بقدر ما استخدمتها لإعادة تأسيس نفسها. فإذا كانت جنازة المرشد الأعلى الأسبق، روح الله الخميني، قد دشنت انتقال النظام من شرعية الثورة والكاريزما إلى شرعية المؤسسة والدستور، فإن جنازة المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، تمثل محاولة للانتقال إلى مرحلة ثالثة قوامها شرعية الاستمرارية والصمود. وتُعد المقارنة بين جنازتي الإمام روح الله الخميني عام 1989، والمرشد الأعلى علي خامنئي عام 2026، فرصة لتحليل كيفية توظيف الدولة الإيرانية للمراسم الجنائزية باعتبارها أداة اتصال سياسي متعددة المستويات، تتجاوز بعدها الرمزي إلى إعادة ترتيب موازين القوة، وإعادة صياغة السردية الرسمية في لحظات التحول الكبرى، أكثر من كونها تحليلًا لحدث جنائزي.
وتثير هذه المقارنة مجموعة من التساؤلات الجوهرية، لعل أبرزها: إلى أي مدى عكست التحولات في توقيت الجنازة، ومسار التشييع، وصورة القيادة، وطبيعة الحضور الداخلي والخارجي، انتقال الجمهورية الإسلامية من دولة ثورية منشغلة بتثبيت شرعيتها الداخلية إلى دولة تسعى للحفاظ على مشروعها الإقليمي في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيدًا؟ وهل تكشف الفوارق بين الجنازتين عن تغير في مصادر شرعية النظام وأدوات بقائه، أم أنها تعبر عن تطور في أساليب إدارة الأزمات وإعادة إنتاج السلطة دون المساس بجوهر النظام؟ كما تطرح الدراسة سؤالًا أعمق يتعلق بوظيفة الجنازة ذاتها في الفكر السياسي الإيراني: هل ظلت مناسبة لتأبين القائد، أم تحولت إلى أداة استراتيجية لإعادة هندسة المجالين الداخلي والإقليمي؟ وكيف أعادت الجمهورية الإسلامية توظيف الرموز البصرية، والخطاب التعبوي، والبروتوكول الدبلوماسي، وحتى النص القرآني، لإرسال رسائل متزامنة إلى الداخل الإيراني، ومحور الحلفاء، والخصوم الإقليميين والدوليين، في لحظة اختبرت فيها الدولة قدرتها على الاستمرار في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها؟
تشريح المشهد الجنائزي
تتعامل الأدبيات الحديثة في علم الاجتماع السياسي مع الجنازات الرسمية للقادة المؤسسين في الأنظمة الثيوقراطية والثورية باعتبارها لحظات انتقالية يُعاد خلالها تعريف هوية الدولة، وإعادة إنتاج شرعية السلطة، وتُستدعى فيها الرمزية الدينية والجماهيرية لتثبيت انتقال السلطة وتجديد العقد بين النظام ومجتمعه. ويتضح ذلك في المقارنة بين جنازتي الخميني وخامنئي، على النحو الآتي:
طبيعة القائد
كان الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية، وأول من أرسى نظرية ولاية الفقيه عمليًا بعد قيادته الثورة التي أطاحت بنظام الشاه عام 1979. لذلك، لم تكن شرعيته مستمدة من موقع مؤسسي سابق، بل من الفعل الثوري ذاته؛ فهو من صنع النظام، فجاءت جنازته توديعًا لصانع لا لوريث. أما خامنئي، فلم يكن مؤسسًا، بل خليفة؛ إذ تولى منصب المرشد الأعلى عام 1989 عبر انتقال مؤسسي، رغم الجدل الفقهي الذي أثير آنذاك حول أهليته المرجعية. وعلى مدى ما يقرب من 37 عامًا، حوّل ولاية الفقيه من مشروع ثوري ناشئ إلى بنية دولة راسخة، من خلال تعزيز دور الحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، ومكتب المرشد، والمؤسسات الاقتصادية التابعة له. ومن ثم، جاءت جنازة الخميني لتعلن نهاية عصر الكاريزما وبداية عصر المؤسسة، بينما أكدت جنازة خامنئي أن المؤسسة أصبحت المصدر الرئيس لاستمرار النظام، بصرف النظر عن هوية المرشد الجديد.
طبيعة الوفاة
توفي الخميني في 3 يونيو 1989، عن عمر ناهز 86 عامًا، إثر نوبات قلبية متتالية، وذلك بعد عام واحد فقط من انتهاء الحرب مع العراق. وجاءت وفاته متسقة مع صورته بوصفه زعيمًا دينيًا مسنًا أتم رسالته الثورية. أما خامنئي، فقد اغتيل في 28 فبراير 2026، عن العمر نفسه، إثر ضربات صاروخية إسرائيلية استهدفت مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، ضمن عملية جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة استندت إلى معلومات استخباراتية أمريكية بشأن مواقع القيادات الإيرانية.
توقيت الجنازة
جاءت جنازة الخميني في 6 يونيو 1989، بعد ثلاثة أيام من وفاته، في وقت كان التهديد الأكبر يتمثل في احتمال حدوث فراغ دستوري عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية. لذلك، جاء تنظيم الجنازة سريعًا ومتزامنًا مع اختيار علي خامنئي مرشدًا أعلى، بهدف توجيه رسالة مفادها أن الثورة تمتلك مؤسسات قادرة على إنتاج قيادة جديدة من دون اضطراب.
أما جنازة خامنئي، التي أقيمت في الرابع من يوليو 2026، فقد أُجلت عدة أشهر بسبب ظروف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولم تُنظم إلا بعد تثبيت وقف إطلاق النار واستقرار الوضع الأمني نسبيًا، وهو ما حوّلها من جنازة لقائد إلى إعلان سياسي عن بقاء النظام بعد الحرب. وبينما حمل توقيت جنازة الخميني رسالة تؤكد استمرارية الثورة، حمل توقيت جنازة خامنئي رسالة تؤكد قدرة الدولة على التعافي بعد أخطر مواجهة عسكرية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
الجغرافيا الطقسية للتشييع
عكست جنازة الخميني طبيعته بوصفه زعيم ثورة داخلية؛ إذ اقتصرت مراسم التشييع على طهران، من مصلى الإمام الخميني إلى مقبرة بهشت زهرا، بما يعكس أن مشروعه كان، في جوهره، ثورة إيرانية وطنية بالدرجة الأولى.
في المقابل، اتخذت جنازة خامنئي طابعًا عابرًا للحدود، بما يعكس مشروعه بوصفه مصدرًا للنفوذ الإقليمي؛ إذ صُممت مراسمها لتسير، خلال الفترة من 4 إلى 9 يوليو 2026، عبر إيران والعراق، وشملت صلاة الجنازة في اليوم الثاني، ثم مراسم التشييع الرئيسة في طهران، على امتداد عشرة كيلومترات من ساحة الإمام الحسين إلى ساحة آزادي، أعقبها مراسم في مسجد جمكران بمدينة قم، ثم النجف وكربلاء، وصولًا إلى الدفن في مشهد. ويعكس هذا المسار محاولة لربط شرعية القيادة الإيرانية بالمجال الشيعي العابر للحدود، بحيث أصبحت الجنازة مناسبة لإبراز هذا الامتداد الجغرافي ذي البعد الطائفي.
مكان الجنازة
لم يكن اختيار عرض الجثمان في مصلى الإمام الخميني الكبير، أحد أبرز المواقع المخصصة للمراسم الرسمية في إيران، اختيارًا محايدًا. فالمكان ذاته الذي شُيع فيه مؤسس الجمهورية الإسلامية عام 1989، استُدعي مجددًا لإضفاء الهالة الرمزية نفسها على خليفته الثاني، في محاولة لدمج ثلاث طبقات زمنية: المؤسس، وخليفته، وخليفة الخليفة. كما عُلقت داخل المصلى لافتات تحمل صور خامنئي واقتباسات من أقواله، بهدف تثبيت إرثه الفكري وترسيخه في الذاكرة الرسمية.
الانقسام الشعبي
حظي الخميني، رغم الجدل الذي أحاط بإرثه، بحالة حداد شعبي شبه موحدة عند وفاته. أما خامنئي، فقد تباينت ردود الفعل الشعبية تجاه مقتله بصورة غير مسبوقة؛ إذ خرج بعض الإيرانيين للاحتفال في مدن مثل أصفهان، وكرج، وكرمانشاه، وقزوين، وسنندج، وشيراز، في سياق غضب متراكم عقب قمع احتجاجات 2025-2026، بينما خرج آخرون في مسيرات حداد. ويكشف هذا التناقض أن الرصيد الشعبي الذي امتلكه الخميني بوصفه مؤسس الجمهورية الإسلامية لم يرثه خامنئي بالكامل، رغم بقائه في منصب المرشد الأعلى لما يقرب من أربعة عقود.
من شرعية الكاريزما إلى شرعية المؤسسة
عكست جنازة الخميني حشدًا جماهيريًا عفويًا عبّر عن صدمة حقيقية؛ إذ سُجلت في موسوعة غينيس بوصفها أكبر جنازة من حيث نسبة المشاركين إلى عدد السكان، بمشاركة قُدرت بنحو 10.2 ملايين شخص. وتحولت مراسم التشييع إلى فوضى شهيرة بعدما تمزق الكفن وسقط الجثمان أرضًا قبل نقله بالمروحية إلى المقبرة، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة نحو 500 آخرين. ورغم مأساوية تلك الفوضى، فإنها عكست عمق التعلق الجماهيري بشخص الخميني.
في المقابل، مثلت جنازة خامنئي حشدًا منظمًا ومروجًا له بأرقام تفوق جنازة الخميني؛ إذ يُتوقع أن تستقطب ما بين 15 و20 مليون مشيع، بما يجعلها أكبر جنازة رسمية في تاريخ إيران. واللافت أن السلطات سعت إلى تجاوز الرقم التاريخي لجنازة الخميني، وكأنها تحاول مضاهاة كاريزما المؤسس بالإحصاءات بعدما تعذر مضاهاتها بالعفوية. غير أن التأخير الذي تجاوز أربعة أشهر في تحديد موعد الجنازة أثار تساؤلات، ودفع بعض المنتقدين إلى اتهام السلطات بالسعي إلى تضخيم حجم المشاركة، وهو أمر لم يثر في جنازة الخميني التي أُقيمت بعد أيام قليلة من وفاته.
رمزية اللون
غلب على جنازة الخميني الطابع الرثائي الخالص؛ حيث هيمن اللون الأسود ومشاهد البكاء، من دون أن يصاحبها خطاب انتقامي. أما جنازة خامنئي، فقد أظهرت التغطيات تدرجًا لونيًا ذا دلالات واضحة؛ إذ ارتدت الحشود اللون الأسود بالكامل، فيما وُضع النعش أمام خلفية من الزهور الحمراء والفراشات البيضاء المعلقة في الهواء.
وفي المعجم البصري الشيعي، يرمز اللون الأسود إلى الحداد الجماعي والارتباط بمأساة كربلاء، بينما يرمز الأحمر إلى الدم والشهادة والثأر، ويرمز الأبيض إلى الطهارة والتضحية. ويصوغ اجتماع هذه الألوان الثلاثة في مشهد واحد سردية متكاملة، قوامها “الشهيد الطاهر الذي يستوجب دمه الثأر”.
علم الدولة غطاءً للجثمان
حُمل نعش خامنئي مغطى بالعلم الإيراني بألوانه الثلاثة، وهو تحول رمزي دقيق؛ إذ لم يُقدم الجثمان بوصفه جثمان مرجع ديني فحسب، بل بوصفه رأس دولة. ويمنح العلم هذا المشهد قراءة مزدوجة تدمج المرجعية الدينية بالسيادة الوطنية، وتُلبس الفقدان الديني بُعدًا وطنيًا جامعًا، بما يصعب معه الفصل بين الرمزين الديني والسيادي.
شعارات الوداع
لعل أكثر ما حمل دلالة سياسية في جنازة خامنئي أن شعاراتها لم تقتصر على الرثاء، بل تحولت إلى خطاب تعبوي مباشر؛ إذ رفع كثير من المشاركين رايات حمراء ترمز إلى الثأر كُتب عليها “شهيد”، فيما حمل آخرون لافتات كُتب عليها “انتقام” بالفارسية والإنجليزية، ورددت الحشود هتافات من قبيل: “كلمتنا واحدة… الثأر… الثأر”.
وتشير هذه الشعارات إلى أن الرسائل لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني فقط، بل صيغت عمدًا لتصل إلى الجمهور الغربي أيضًا، بما يجعلها أداة ردع إعلامي موازية للخطاب العسكري.
صورة القيادة
في جنازة الخميني، تصدر المشهد علي خامنئي، بصفته الرئيس الذي اختير حديثًا مرشدًا أعلى، إلى جانب هاشمي رفسنجاني بوصفه مهندس انتقال السلطة، وكبار أعضاء مجلس خبراء القيادة، والقادة المؤسسين للحرس الثوري. وكانت الرسالة الرئيسة آنذاك تتمثل في إظهار القيادة الجديدة وقدرتها على ضمان استمرارية النظام.
أما في جنازة خامنئي، فقد اختلفت طبيعة الرسالة؛ إذ حرصت القيادة الإيرانية على إظهار مختلف مراكز القوة الدستورية والعسكرية في مشهد واحد، بما يعكس أن الدولة لم تتعرض لفراغ مؤسسي رغم اغتيال المرشد. وبرز في مقدمة المشاركين أبناء خامنئي؛ مصطفى، وميثم، ومسعود، إلى جانب رئيس الجمهورية الإسلامية مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني.
غير أن الظهور الأبرز كان لقائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي، في أول ظهور علني له منذ اندلاع الحرب. ويعكس انتقال قادة الحرس الثوري من الظل الأمني إلى الواجهة البروتوكولية في أعلى مناسبة دينية ورسمية في البلاد تحولًا في ميزان القوة داخل النظام، لمصلحة المؤسسة العسكرية الأمنية على حساب المؤسسة الدينية التقليدية، في لحظة تُختبر فيها قدرة الدولة على الصمود عسكريًا أكثر من قدرتها على الإقناع العقائدي.
غياب الخليفة
كان الغياب الأكثر لفتًا للانتباه في جنازة علي خامنئي هو غياب المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علنًا منذ توليه منصب المرشد الأعلى، فيما حضرت صوره في المشهد بدلًا من حضوره الشخصي.
ويُقرأ هذا الغياب المتعمد -إذا لم يكن ناجمًا عن مقتله أو إصابته إصابة بالغة تمنعه من الظهور- على مستويين متعارضين؛ فإما أنه إجراء أمني احترازي في ظل حرب تستهدف فيها إسرائيل والولايات المتحدة قيادات الصف الأول مباشرة، أو أنه يعكس هشاشة موقعه المؤسسي وتردد النظام في تعريضه لأول اختبار جماهيري قبل ترسيخ شرعيته.
بروز المؤسسة الأمنية العسكرية
في جنازة الخميني عام 1989، لم يكن الحرس الثوري قد بلغ بعد الثقل المؤسسي الذي وصل إليه لاحقًا في عهد خامنئي، الذي رعى صعوده على مدى ما يقرب من 37 عامًا. لذلك، فإن الحضور البروتوكولي البارز لقادته في جنازة خامنئي، وفي مقدمتهم قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، يمثل ثمرة مباشرة للسياسات التي انتهجها خامنئي في تمكين هذه المؤسسة، وهو ما انعكس بوضوح في المشهد الذي ودع فيه.
الدبلوماسية الجنائزية
شهدت جنازة الخميني حضور وفود رسمية من عشرات الدول الإسلامية والآسيوية، في وقت كانت إيران تسعى فيه إلى كسر العزلة التي فرضتها سنوات الحرب مع العراق. لذلك، ركزت على تقديم نفسها بوصفها دولة مستقرة وقادرة على الانفتاح الدبلوماسي.
أما جنازة خامنئي، فقد تحولت إلى اختبار عملي لمكانة إيران الدولية في ظل الحرب؛ إذ أصبحت طبيعة الوفود المشاركة ومستوى تمثيلها السياسي مؤشرًا على شبكة العلاقات التي لا تزال طهران قادرة على الحفاظ عليها، وعلى الكيفية التي تنظر بها العواصم المختلفة إلى مرحلة ما بعد خامنئي. ولم يعد هذا البعد يقتصر على الاعتبارات البروتوكولية، بل أصبح يعكس أيضًا رسائل سياسية متبادلة بين إيران وشركائها وخصومها.
الدبلوماسية الرمزية
اقتصرت جنازة الخميني على الطقوس الدينية التقليدية المرتبطة بالمرجعية الشيعية، ولم تُستخدم تفاصيل البروتوكول لإرسال رسائل دبلوماسية دقيقة، إذ انصب التركيز على الجماهير الإيرانية وترسيخ الشرعية الداخلية.
أما جنازة خامنئي، فقد شهدت تطورًا نوعيًا؛ إذ خُصص لكل وفد أجنبي استقبال مستقل، وتُليت آيات قرآنية مختلفة بحسب هوية كل وفد وطبيعة علاقته بالجمهورية الإسلامية، فيما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية القرآنية”. فقد استُخدمت النصوص الدينية لتوجيه رسائل سياسية متفاوتة إلى الحلفاء والخصوم. ففي حين خُصصت لوفود باكستان، وحركة حماس، وحزب الله اللبناني، وحركة الجهاد الإسلامي، وجماعة الحوثي، والفصائل العراقية آيات تؤكد الوفاء بالعهد والثبات والنصرة الإلهية، بما يعكس اعتبارها شركاء في “محور المقاومة”، أثارت الآيات التي خُصصت لعدد من الوفود الأخرى جدلًا واسعًا، ومن أبرزها:
الآيات التي صاحبت الوفد المصري
بخلاف الوفود التي خُصصت لها آيات ذات إسقاطات تاريخية أو عسكرية مباشرة، جاءت الآية التي تُليت أمام الوفد المصري: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، مركزة على الثواب والعمل الصالح وجنات النعيم، بما يعكس رغبة إيرانية في الحفاظ على مساحة من العلاقات السياسية بعيدًا عن الرسائل المرتبطة بالمواجهة العسكرية أو الاصطفاف العقائدي. وتشير هذه الدلالة إلى أن مصر، إلى جانب قطر وتركيا، تُعد من الدول التي ترتبط بطهران بمصالح وحسابات إقليمية، من دون أن تصبح جزءًا من مشروعها العسكري أو الأيديولوجي.
الآيات التي صاحبت الوفد السعودي
جاءت الآية: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾، حاملة رسالة مستوحاة من معركة بدر، حيث رجحت الإرادة والعقيدة ميزان القوة رغم التفوق العسكري للطرف الآخر. ومن هذا المنظور، تخاطب الآية الرياض بأن ميزان الردع في المنطقة لا يقاس بالإمكانات العسكرية أو التحالفات الدولية وحدها، وإنما بعوامل الإرادة والصمود، وهو خطاب يتسق مع السردية الإيرانية عقب المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة. ويمكن تفسيرها أيضًا على أنها تشجيع للمملكة على التقارب مع ما تصفه طهران بـ”معسكر المؤمنين”.
الآيات التي صاحبت الوفد القطري
جاءت الآية: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾. واللافت أنها جزء من سياق صلح الحديبية، الذي تحقق عبر التفاوض لا الحرب؛ ومن ثم، تبدو الرسالة مرتبطة بإعادة تعريف التسوية السياسية بوصفها إنجازًا استراتيجيًا، وهو ما ينسجم مع الدور القطري وسيطًا في عدد من الملفات الإقليمية.
الآيات التي صاحبت الوفد التركي
جاءت الآية: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، وهي لا تتحدث عن القتال فحسب، بل تميز بين المشاركة الفاعلة والحياد. ومن ثم، يمكن قراءتها بوصفها تذكيرًا ضمنيًا بأن المكانة الإقليمية تُكتسب بالفعل المباشر وتحمل الكلفة، وهي رسالة قد ترتبط بالدور العسكري والأمني التركي في الإقليم، وبالدعم السياسي والشعبي الذي تقدمه أنقرة للقضية الفلسطينية، من دون أن يصاحبه دعم عسكري معلن.
الآيات التي صاحبت وفد سلطنة عمان
جاءت الآية: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، بما يحمل دعوة إلى الموازنة بين الحفاظ على وحدة الصف الإسلامي والاستمرار في الحزم تجاه الخصوم، وهو خطاب ينسجم مع صورة سلطنة عمان وسيطًا يحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
الآيات التي صاحبت الوفد العراقي
تعامل البروتوكول الإيراني مع العراق عبر مسارين متمايزين، يعكسان ازدواجية العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة. فقد تُليت أمام وفد شيوخ العشائر العراقية الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وهي آية ذات طابع تحذيري ترتبط، في سياقها القرآني، بالثبات على المبدأ وعدم الاستجابة لضغوط الخصوم أو محاولات الاحتواء. ويمكن فهم ذلك بوصفه إدراكًا إيرانيًا للدور المتنامي للعشائر العراقية في التوازنات السياسية والاجتماعية، مع توجيه رسالة ضمنية تحثها على عدم الانخراط في مسارات قد تُضعف نفوذ قوى “محور المقاومة” أو تدفع العراق نحو قدر أكبر من الاستقلال عن طهران.
في المقابل، استُقبل وفد “حزب الله العراقي” بتلاوة الآية: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وهي آية نزلت عقب غزوة أحد لمعالجة حالة الانكسار النفسي بعد الخسائر العسكرية. وفي السياق السياسي الإيراني، تحمل هذه الآية رسالة تعبئة وإعادة ترميم للمعنويات، وتعكس سعي طهران إلى إعادة تأكيد شرعية الفصائل المسلحة بوصفها جزءًا أصيلًا من “محور المقاومة”.
الخاتمة
تكشف المقارنة بين جنازتي الخميني وخامنئي أن الجنازة في الجمهورية الإسلامية تطورت من حدث يعكس نهاية مرحلة إلى أداة استراتيجية لإدارة بدايتها. ففي حين جاءت جنازة الخميني لتؤكد نجاح انتقال القيادة عقب وفاة مؤسس الدولة، جاءت جنازة خامنئي لتؤكد قدرة الدولة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها بعد حرب واغتيال استهدفا رأس النظام. ومن ثم، لم يعد الهدف الرئيس هو تأبين القائد، بل إعادة بناء الثقة في استمرارية النظام، وإظهار تماسك مؤسساته السياسية والعسكرية والأمنية في لحظة اختبار وجودي.
كما توضح المقارنة أن مركز الثقل داخل النظام الإيراني شهد تحولًا تدريجيًا خلال العقود الثلاثة الماضية؛ إذ انتقلت القيادة الرمزية من هيمنة المؤسسة الدينية إلى حضور أكثر بروزًا للمؤسسة الأمنية والعسكرية، وهو ما انعكس بوضوح في ترتيب المشهد البروتوكولي، وطبيعة الشخصيات المتصدرة، والرسائل التعبوية المصاحبة للجنازة. وفي الوقت نفسه، أظهرت مراسم تشييع خامنئي توسع أدوات القوة الناعمة الإيرانية من خلال توظيف الجغرافيا الطقسية، والرمزية اللونية، والدبلوماسية الجنائزية، والدبلوماسية القرآنية، بما حوّل الجنازة إلى منصة لإدارة الإدراك السياسي.
ومن ثم، مثلت جنازة خامنئي نموذجًا لما يمكن تسميته بـ”إدارة ما بعد القائد”، حيث جرى توظيف الطقوس، والرموز، والبروتوكولات باعتبارها أدوات ضمن استراتيجية أشمل لإعادة إنتاج الشرعية، وترميم الردع، وإعادة تعريف موقع إيران الإقليمي بعد الحرب. وبذلك، لم تكن المقارنة بين الجنازتين مقارنة بين طقسين جنائزيين، بل بين مرحلتين مختلفتين في تطور الجمهورية الإسلامية: مرحلة تأسيس الدولة الثورية في عهد الخميني، ومرحلة الدفاع عن الدولة الإقليمية وإعادة تثبيت مكانتها في مرحلة ما بعد خامنئي.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-07-13 15:32:00
الكاتب: غدي قنديل
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-07-13 15:32:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
