التوتر التركي-الإسرائيلي يتصاعد.. سوريا في قلب المواجهة

التوتر التركي-الإسرائيلي يتصاعد.. سوريا في قلب المواجهة

بلغت التوترات بين أنقرة وتل أبيب إحدى أخطر مراحلها منذ سنوات. وعلى الرغم من أن الخلافات السياسية والعسكرية بين البلدين ليست جديدة، فإن التطورات الأخيرة في سوريا، إلى جانب استمرار تركيا في دعم فلسطين وغزة، دفعت العلاقات بينهما إلى مرحلة حرجة.

جاء أحدث تصعيد عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب السورية. وبررت إسرائيل الهجوم بالقول إن سوريا كانت تستعد للسماح للقوات التركية بالانتشار في المنشأة. ورفضت تركيا هذا الادعاء بشدة، وأكدت وزارة الدفاع التركية عدم وجود قوات تركية في المطار أو أي وفد عسكري تركي قبل الغارات أو خلالها.

وفي الساعات التي أعقبت سقوط الرئيس السابق بشار الأسد، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، شنت إسرائيل مئات الغارات الجوية على القواعد والمنشآت العسكرية في مختلف أنحاء سوريا، ما ترك البلاد من دون دفاعات عسكرية تقريبا، باستثناء قوات الأمن المسلحة التابعة للحكومة السورية الجديدة. وشملت عمليات التدمير الدبابات والمروحيات والطائرات ومستودعات الأسلحة.

ووصفت الولايات المتحدة أحدث هجوم إسرائيلي بأنه “تصعيد غير ضروري”، وكشفت أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك العسكري بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

وبحسب التقارير، لم تسفر الغارات عن سقوط ضحايا. وكانت قاعدة أبو الظهور، الواقعة في شمال غربي سوريا، على بعد نحو 70 كيلومترا شرقي الحدود التركية، خارج الخدمة العسكرية منذ سنوات، وتناوبت أطراف عدة على السيطرة عليها خلال سنوات الصراع السوري.

ومع ذلك، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل وجهت إلى تركيا “رسالة واضحة”، مفادها أنها لن تقبل إنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تعلن رسميا مسؤوليتها عن الغارات، فقد فسرت تصريحات نتنياهو على نطاق واسع باعتبارها إقرارا ضمنيا بالهجوم.

وترى إسرائيل أن وجودا عسكريا تركيا في سوريا قد يهدد حرية حركتها العسكرية، وربما يؤدي إلى نشوء واقع استراتيجي جديد، تستطيع فيه الطائرات التركية تقييد العمليات الإسرائيلية فوق الأراضي السورية. ودفع ذلك إسرائيل إلى تبني سياسة تقوم على توجيه ضربات استباقية، بهدف فرض ما تعتبره خطوطا حمراء على الأرض.

وأدانت تركيا وسوريا الهجوم، واعتبرتاه عدوانا وانتهاكا للسيادة السورية، محذرتين من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية قد يؤدي إلى مزيد من زعزعة استقرار المنطقة.

ونفى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في تصريحات نقلتها شبكة “أكسيوس”، المبررات الإسرائيلية للهجوم، مؤكدا أن دمشق أبلغت كلا من إسرائيل وإدارة ترمب، قبل الضربة وبعدها، بعدم وجود أي نية لإنشاء قاعدة عسكرية تركية دائمة أو نشر قوات تركية في أبو الظهور.

وبحسب الشيباني، تركز العمل في المنشأة على إعادة تأهيل القوات الجوية السورية، ضمن برامج للتعاون والتدريب العسكري تشارك فيها دول إقليمية ودولية عدة.

وكشف أيضا أن دمشق وإسرائيل أجرتا مفاوضات أمنية على مدى نحو عام، بوساطة أمريكية. ووفقا للوزير السوري، توصل الجانبان إلى إطار أمني مكتوب أخذ المخاوف الإسرائيلية في الاعتبار، إلا أن إسرائيل تراجعت لاحقا عن التزاماتها.

وعلى الرغم من الهجوم، أشارت دمشق إلى أنها لا تزال منفتحة على الحلول السياسية وخفض التصعيد، شريطة احترام السيادة السورية.

وفي الدقائق التي أعقبت مغادرة الأسد، اجتاحت إسرائيل الأراضي السورية واحتلت مساحات واسعة جنوبي العاصمة دمشق، ولا تزال تواصل احتلال هذه المناطق من دون إعلان خطط للانسحاب، بينما تواصل ترهيب السكان.

ورفض الرئيس دونالد ترمب توجيه انتقاد مباشر للغارة الإسرائيلية، واكتفى بالقول إنه يعرف تفاصيلها، ما يعكس عدم قدرة إدارته على ممارسة الضغط أو فرض قيود على نتنياهو.

وأصبحت الولايات المتحدة أكثر قلقا من احتمال تصاعد المواجهة إلى اشتباك عسكري مباشر. وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، الذي يشغل أيضا منصب سفير واشنطن لدى تركيا، إن الولايات المتحدة تعمل على وضع آلية لمنع اندلاع مواجهة بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

جذور أعمق للمواجهة

تعود جذور المواجهة الحالية إلى ما هو أبعد من ضربة أبو الظهور. فقد شهدت العلاقات بين إسرائيل وتركيا أزمة كبرى عام 2010، عندما اعترضت القوات الإسرائيلية سفينة “مافي مرمرة” المتجهة إلى غزة، والتي كانت جزءا من “أسطول الحرية”، ما أدى إلى مقتل ناشطين أتراك.

وانتقدت تركيا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، ووصفتها بأنها “إبادة جماعية”.

وتوسعت المواجهة الآن إلى ما هو أبعد من سوريا. فقد أعلنت تركيا أنها تعتزم السعي إلى استصدار نشرة حمراء من منظمة الإنتربول بحق نتنياهو، في إطار قضية جنائية داخلية مرتبطة بهجوم على ناشطين كانوا يحاولون إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة. وكانت تركيا قد أصدرت في وقت سابق مذكرات توقيف محلية بحق نتنياهو على خلفية الحرب في غزة، ودعت مرارا إلى اتخاذ إجراءات دولية ضد إسرائيل.

وسيكون اندلاع صراع عسكري مباشر أمرا بالغ الخطورة؛ فكل من تركيا وإسرائيل ترتبطان بعلاقات وثيقة مع واشنطن، بينما تعد تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

اتفاقية مكة واحتمالات المواجهة

يبرز سؤال رئيسي آخر يتعلق بالترتيبات الأمنية الإقليمية التي تشمل السعودية وباكستان: إذا تعرضت تركيا لهجوم مباشر، فهل سيفعل شركاؤها التزامات دفاعية أوسع، بما في ذلك تلك المرتبطة باتفاقية مكة، أم ستظل هذه الترتيبات ذات طبيعة سياسية وردعية بالدرجة الأولى؟

تمر سوريا بمرحلة تحول كبرى، وكانت تركيا شريكا استراتيجيا لها، في حين تصرفت إسرائيل كعدو قبل سقوط الأسد وبعده. وبدلا من اغتنام فرصة تطوير علاقة قائمة على السلام والأمن مع سوريا، أصرت إسرائيل على الغزو والاحتلال ومواصلة الغارات الجوية.

وتعجز واشنطن عن منع إسرائيل من مواصلة الاستيلاء على الأراضي في غزة والضفة الغربية وسوريا. وفي الوقت نفسه، تستمر الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في الاتساع، من دون أن تلوح نهاية لها في الأفق.

ولم يعد أحدث تصعيد بين أنقرة وتل أبيب مجرد خلاف دبلوماسي، بل قد يمثل بداية فصل جديد، وربما مدمر، في منطقة الشرق الأوسط.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

المصدر الأصلي:

eurasiaar.org

تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-25 13:32:00

كاتب المصدر:
ستيفن صهيوني

نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.

Exit mobile version