العرب والعالم

لماذا يستبدل جيل زد الكحول بأدوية القلق؟

bbcorp

صدر الصورة، صور جيتي

التعليق على الصورة، يعزف أفراد “جيل زد” بصورة متزايدة عن شرب الكحول.

قبل الخروج لقضاء سهرة مع الأصدقاء، كانت مي، البالغة من العمر 20 عاماً، تشعر بعقدة في حلقها وتتعرق يداها، خوفاً من أن تقول شيئاً غير مناسب.

ثم عثرت الطالبة الجامعية الصينية، البالغة من العمر 20 عاماً، أدوية تُصرف بوصفة طبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

بدأت بتناول دواء بريغابالين، الذي يُستخدم عادة لعلاج الصرع والقلق وآلام الأعصاب، إلى جانب أحد حاصرات بيتا، التي تُستخدم عموماً لعلاج أمراض القلب، ويمكنها أيضاً تخفيف الأعراض الجسدية للقلق. واشترت الدواءين بصورة غير قانونية من بائعين عبر الإنترنت.

وتقول: “كنت أشعر بالنشوة، وكأنني أستطيع أن أكون الشخص الأكثر إثارة للاهتمام في المكان. الأمر أشبه بتناول عشرة مشروبات كحولية، من دون الشعور بالغثيان”.

وعند تناول هذه الأدوية بجرعات عالية، فإنها تمنح شعوراً مشابهاً للثمالة.

لكن خبراء يحذرون من أن تناول هذه الأدوية من دون إشراف طبي قد يكون خطيراً، وقد يهدد الحياة في بعض الحالات. كما يمكن أن يؤدي استخدامها على المدى الطويل إلى الاعتماد عليها، إذ يجد المستخدمون أنهم باتوا يحتاجون إليها في أي موقف اجتماعي. ويفيدون أيضاً بتزايد القلق والأرق والأفكار الانتحارية عندما يحاولون التوقف عن تناولها.

وبالنسبة إلى مي، وهو ليس اسمها الحقيقي، فإن ما بدأ بتناول هذه الأدوية خلال السهرات امتد إلى المناسبات الاجتماعية الاعتيادية. وهي تتناول هذه الأدوية الآن يومياً.

وتقول: “لا أستطيع مغادرة المنزل من دونها”.

ومي ليست وحدها على الإطلاق. ففي أنحاء العالم، يلجأ بعض الشباب إلى الأدوية والمواد التجريبية بوصفها بدائل للكحول.

وترتفع مستويات القلق لدى جيل زد، أي المولودين بين عامي 1997 و2012، مقارنة بأي جيل سبقه. فقد وجدت إحدى الدراسات أن عدد حالات اضطرابات القلق على مستوى العالم بين من تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عاماً ارتفع من عشرة ملايين إلى 16 مليوناً بين عامي 1990 و2021. كما وجدت مراجعة شملت 61 دراسة ارتفاع معدلات القلق بين الشباب مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة.

وفي غضون ذلك، أسهم البحث عن بدائل “صحية أكثر” لشرب الكحول في نشوء سوق جديدة لمواد تُروَّج عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أنها عقاقير تساعد على التواصل الاجتماعي من دون الإصابة بأعراض ما بعد شرب الكحول.

ويقول ليام نولز، الباحث في مجال الإدمان بجامعة تيسايد: “ينظر الشباب إلى (هذه العقاقير) بوصفها بديلاً أنظف وأكثر أماناً”، مضيفاً: “هذا شعور زائف بالأمان”.

من المستحيل معرفة العدد الدقيق للشباب الذين يستخدمون هذه الأدوية للاختلاط بالآخرين، ولا سيما أن كثيرين منهم يحصلون عليها بصورة غير قانونية.

وقدّرت دراسة نُشرت في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز أن إجمالي الاستهلاك العالمي للبريغابالين، وهو أحد الأدوية المستخدمة، ارتفع إلى أربعة أضعاف بين عامي 2008 و2018. كما سُجل ارتفاع حاد في إساءة استخدام البريغابالين والوفيات المرتبطة به.

في الصين، بدأ تسجيل أولى حالات إساءة استخدام البريغابالين عام 2024. وأعلنت الحكومة هذا العام خططاً لتشديد الرقابة على الدواء. وحذت الهند حذوها، فقيّدت استخدامه في مايو/أيار من هذا العام. كما رصد باحثون في الأردن وأوكرانيا ارتفاعاً في إساءة استخدامه.

وتُظهر الوسوم المرتبطة بهذه الأدوية آلاف المقاطع المصورة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُشجَّع المستخدمون على إعداد مزيجهم الخاص من الأدوية، في ممارسة تُعرف على الإنترنت باسم “التكديس”.

لكن يبدو أن دور وسائل التواصل الاجتماعي لا يقتصر على تعريف بعض الشباب بهذه المواد، بل يمكنها أيضاً مساعدتهم في الحصول عليها.

ووجدت بي بي سي للخدمة العالمية مؤثرين يبيعون هذه الأدوية عبر حساباتهم.

وتقول مي إنها اشترت الدواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي الصينية.

وتضيف: “هناك آلاف المنشورات التي تعرضه للبيع. ومن السهل العثور عليه وطلبه”.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على الصين.

وقالت لورا، وهي موظفة في خدمة العملاء تبلغ من العمر 26 عاماً من أوكرانيا، لبي بي سي إن الحصول على هذه الأدوية عبر الإنترنت أو من خلال الأصدقاء كان “سهلاً”.

“جيل بلا كحول”

يتزامن الاهتمام المتزايد بهذه المواد مع ابتعاد الشباب البالغين بصورة متزايدة عن الكحول، ما أكسب جيل زد لقب “جيل بلا كحول”.

وعالمياً، تراجعت قيمة أسهم شركات الكحول بمقدار 830 مليار دولار أمريكي في عام 2025، وفقاً لوكالة بلومبرغ. ويرجّح باحثون أن هذا التوجه ناجم عن تغير سلوكيات شرب الكحول لدى الشباب، مشيرين إلى التكاليف والمخاوف الصحية.

لماذا يستبدل جيل زد الكحول بأدوية القلق؟

صدر الصورة، صور جيتي

التعليق على الصورة، على امتداد القرن العشرين، كان الكحول المادة المفضلة لدى الشباب الباحثين عن الاسترخاء. أما اليوم، فيلجأ بعض من هم في العشرينيات من العمر إلى الأدوية الموصوفة طبياً بدلاً منه.

يقول نولز، الباحث في مجال الإدمان، إن كثيراً من الشباب الذين صادفهم ممن يستخدمون البريغابالين لأغراض ترفيهية يولون اهتماماً كبيراً لصحتهم.

ويقول: “لا يريد الناس السعرات الحرارية، ولا تأثيرها في أوزانهم أو في عملية الشيخوخة”.

ويلقى هذا المنطق صدى لدى مات، وهو شاب بريطاني يبلغ من العمر 22 عاماً ومواظب على ارتياد صالة الألعاب الرياضية، ويعتقد أن تأثير هذه الأدوية في جسمه “أقل بكثير” من تأثير شرب الكحول، ولا سيما في كبده وقلبه.

ويقول: “يعتقد الناس في هذه الأوساط أن (هذه الأدوية) أكثر صحة من الكحول”.

“ليست بلا ثمن”

ارتبط الكحول بما لا يقل عن سبعة أنواع من السرطان، وحذرت منظمة الصحة العالمية في عام 2023 من أن استهلاك الكحول بأي كمية ينطوي على مخاطر.

ويرى البروفيسور ديفيد نَت، المتخصص في علم الأدوية النفسية العصبية في إمبريال كوليدج لندن، والذي دعا منذ فترة طويلة إلى تخفيف قوانين المخدرات، أن الأدوية التي تتناولها مي قد تكون أقل ضرراً من الإفراط في شرب الكحول، حتى وإن كانت تنطوي على مخاطر خاصة بها.

ويقول إن الصورة تتغير عندما يُستخدم البريغابالين بجرعات كبيرة.

ويضيف: “إذا كانوا يستخدمونه بوصفه نوعاً من المواد المسكرة للوصول إلى حالة الثمالة، فإنهم يكونون عرضة لخطر الاعتماد عليه. وهو، بهذا المعنى، ليس بلا ثمن”.

لماذا يستبدل جيل زد الكحول بأدوية القلق؟

صدر الصورة، صور جيتي

التعليق على الصورة، يتعرض الشباب لحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لهذه الأدوية.

قد يطوّر الأشخاص الذين يستخدمون البريغابالين لأغراض ترفيهية تحمّلاً للدواء، ما يعني أنهم قد يحتاجون إلى جرعات أكبر بصورة متزايدة للوصول إلى الشعور نفسه بالاسترخاء أو النشوة.

وعند تناوله بجرعات عالية، يمكن أن يؤدي البريغابالين إلى إبطاء التنفس، وقد يشكل خطراً على الحياة في بعض الحالات. كما يمكن أن تسبب الجرعات العالية من حاصرات بيتا الإغماء وتباطؤاً خطيراً في معدل ضربات القلب.

خطر الاعتماد على الأدوية

ترى البروفيسورة إميلي جونز، عالمة النفس في كلية كينغز كوليدج لندن، أن مقارنة الأضرار الجسدية لهذه الأدوية بأضرار الكحول قد تصرف الانتباه عن سؤال أكثر جوهرية: ماذا يحدث عندما يبدأ الناس بالاعتقاد أنهم لا يستطيعون الاختلاط بالآخرين إلا بمساعدة كيميائية؟

وتقول: “تناول الكحول بكميات كبيرة أمر خطير، لكن تناول الأدوية بصورة اعتيادية أكثر مما ينبغي من دون إشراف طبي أمر خطير أيضاً”.

ويساورها قلق خاص من أن استخدام الأدوية لتجنب مشاعر القلق قد يعزز اعتقاد الشخص بأن المواقف الاجتماعية العادية غير آمنة.

وتقول: “إذا درّبت نفسك على الاعتقاد بأنك لن تكون آمناً إلا إذا تناولت (هذه الأدوية) قبل الخروج لقضاء سهرة، فمن السهل جداً أن يبدأ هذا الاعتقاد بالتعمم”.

وتقول جونز إن الناس قد يفقدون، بمرور الوقت، ثقتهم في قدرتهم على التأقلم من دون أدوية.

وتضيف: “تفقد إيمانك بقدرتك على التعامل مع الأمور بفاعلية”.

وقد اختبرت لورا هذا الاعتماد.

فقد بدأت بتناول دواء القلق قبل الحفلات والمناسبات الاجتماعية، لكنها سرعان ما بدأت تستخدمه في العمل.

وتقول: “لقد ساعدني. أنا أعمل مع الناس. وقد سهّل عليّ التواصل وحل المشكلات”.

وتقول إنها عانت نوبات اكتئاب وأفكاراً انتحارية عندما لم تتمكن من الحصول على الدواء لمدة أسبوعين.

وتضيف: “لم أفهم ما الذي حدث لي. كنت قلقة، ولم أستطع تناول الطعام أو لقاء أصدقائي”.

أدوية من السوق السوداء

في ظل اتجاه مزيد من الدول إلى تشديد القيود على هذه الأدوية، يرى البعض أن فرض مزيد من القيود على الحصول عليها قد يؤدي إلى مخاطر مختلفة.

ويقول ميكيتا لابين، عالم الأوبئة ورئيس منظمة “مايند غيمز” الأوكرانية للحد من الضرر، إن حظر المواد لا يمنع الناس بالضرورة من تناولها.

ويضيف: “إن حظر مواد معينة يدفع الناس ببساطة إلى اللجوء إلى السوق السوداء وشراء عقاقير مشكوك في جودتها”، ما يعرضهم لخطر تناول جرعات زائدة.

وقال نولز إن البريغابالين غير المشروع ينطوي على خطر إضافي، لأن المستخدمين قد لا يعرفون على وجه الدقة ما الذي يتناولونه.

وأضاف: “إذا اشتريت مشروباً كحولياً من متجر (في المملكة المتحدة)، فستجد عليه عدد الوحدات الكحولية التي يحتوي عليها ونسبة الكحول فيه”.

وقال إن هذا القدر من اليقين لا ينطبق دائماً على البريغابالين الذي يُشترى عبر الإنترنت.

وأضاف: “هذا خطر إضافي لا يصاحب زجاجة من المشروبات الروحية”.

وتخشى مي، مثل كثيرين ممن يتناولون هذه الأدوية لأغراض ترفيهية، ألا تتمكن أبداً من التوقف عنها تماماً.

وتقول: “إنه أمر مخيف. لا أعرف كيف سأتأقلم من دونه”.

إذا كنت أنت أو شخص تعرفه متأثراً بالقضايا التي تناولها هذا المقال، فقد يتمكن طبيب محلي من تقديم المشورة لك أو توجيهك إلى منظمة يمكنها مساعدتك.

المصدر الأصلي:

www.bbc.com

تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-18 14:12:00

كاتب المصدر:

نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.

beiruttime-lb.com — لماذا يستبدل جيل زد الكحول بأدوية القلق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *