اتفاق مكة للدفاع المشترك.. بين مسار الرباعية الإقليمية والمثلث الدفاعي: أين تقف مصر؟


لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان “اتفاق مكة للدفاع المشترك” في السابع من أغسطس (آب) 2026 مجرد إضافة جديدة إلى شبكة الاتفاقات العسكرية القائمة في الشرق الأوسط، بقدر ما يعكس تحولا أوسع في الطريقة التي بدأت بها القوى الإقليمية التعامل مع مسألة الأمن، في ظل بيئة أصبحت فيها مصادر التهديد أكثر تعددا، فيما تراجعت الثقة بقدرة الترتيبات التقليدية وحدها على توفير الحماية والاستقرار.
فالاتفاق الذي وقعه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في مكة المكرمة، ينص على أن أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا، ويهدف إلى تعزيز الردع الجماعي وتوسيع مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها. غير أن البيان الرسمي لم يحدد حتى الآن طبيعة الالتزامات العسكرية التي ستتحملها كل دولة، أو ما إذا كان مبدأ الدفاع المشترك يعني تدخلا عسكريا تلقائيا عند وقوع أي هجوم. وترجع أهمية الاتفاق إلى أنه يأتي بعد سنوات من التحولات التي أصابت بنية الأمن الإقليمي، ولكن أيضا بعد أشهر قليلة من ظهور إطار آخر كان يضم الدول الثلاث نفسها إلى جانب مصر.
فمنذ مارس (آذار) 2026، بدأت مصر والسعودية وتركيا وباكستان سلسلة من الاجتماعات التشاورية التي ظهرت وكأنها تؤسس لنمط جديد من التنسيق بين أربع من أهم القوى الإقليمية. وقد استضافت القاهرة الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع في 21 يونيو (حزيران)، وأكد بيانه أهمية استمرار التشاور والتنسيق دعما للسلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه اتفاق مكة لا يتعلق فقط بما الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، وإنما أيضا بالعلاقة بين مسار “الرباعية الإقليمية“ الذي تشارك فيه مصر، ومسار “الثلاثية الدفاعية“ الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان.
فكيف يمكن تفسير توازي مسار تشاوري يضم الدول الأربع مع اتفاق دفاعي ثلاثي لا تشارك فيه مصر؟ وهل يعني غياب مصر عن الاتفاق تراجعا في دورها داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة، أم أن الاختلاف يتعلق بطبيعة الوظيفة التي تريد أن تؤديها؟ وهل نحن أمام تحالف دفاعي مكتمل، أم أمام طبقة عسكرية داخل شبكة إقليمية أوسع قد تظل مصر جزءا منها دون الانضمام إلى الالتزام الدفاعي المتبادل؟
اتفاق مكة… من التعاون الثنائي إلى الردع الثلاثي
لا يبدأ اتفاق مكة من نقطة الصفر، فالعلاقات العسكرية بين الدول الثلاث ليست جديدة.
ترتبط السعودية وباكستان بعلاقات دفاعية تمتد لعقود، تشمل التدريب، والمساعدة الفنية، والتعاون العسكري، وقد وقعت الدولتان في سبتمبر (أيلول) 2025 اتفاقا للدفاع الاستراتيجي المشترك. كما دعمت باكستان القوات السعودية بقدرات تدريبية وفنية، ونشرت قوات ومعدات دفاعية داخل المملكة.
أما تركيا وباكستان، فقد طورتا خلال السنوات الماضية تعاونا واسعا في مجالات الصناعات الدفاعية، والسفن الحربية، والطائرات، والتدريب العسكري، في حين شهد التعاون السعودي-التركي توسعا ملحوظا في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية.
ولهذا فإن القيمة الجديدة لاتفاق مكة لا تكمن في إنشاء التعاون العسكري، وإنما في ربط مسارات كانت تتحرك بصورة ثنائية داخل التزام دفاعي ثلاثي.
ويعطي ذلك الاتفاق لكل دولة وزنا استراتيجيا خاصا، لأن كل دولة تدخل إليه بميزة مختلفة.
فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي، وموقعها المركزي في الخليج ومنظومة الطاقة العالمية. أما تركيا، فتمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى قاعدة متنامية للصناعات الدفاعية. وباكستان تضيف إلى الاتفاق جيشا كبيرا وخبرة عسكرية واسعة، بالإضافة إلى كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحا نوويا.
ولا يعني جمع هذه القدرات داخل اتفاق واحد أنها تحولت بالفعل إلى قوة عسكرية موحدة.
فبين النص السياسي الذي يقول إن الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع، وبين القدرة العملية على تنفيذ دفاع جماعي، توجد مجموعة كبيرة من المؤسسات والآليات التي لم يعلن عنها بعد: القيادة المشتركة، والتخطيط العملياتي، والدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وآلية اتخاذ قرار التدخل، وقواعد استخدام القوات.
ولذلك يمكننا القول إن اتفاق مكة يمثل، في مرحلته الحالية، إعلانا عن إرادة لبناء الردع الجماعي أكثر من كونه منظومة دفاع جماعي مكتملة.
لماذا الآن؟ أزمة المظلة الأمنية التقليدية
لا يمكن فصل اتفاق مكة عن التحول الذي أصاب البيئة الأمنية في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026، وما تبعها من ضربات إيرانية ضد دول خليجية، واضطراب في حركة الطاقة والملاحة، وعودة مضيق هرمز إلى قلب المواجهة الإقليمية. فقد كشفت هذه الحرب حقيقة مهمة، وهي أن امتلاك الدول علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، ووجود قواعد وقدرات عسكرية غربية في المنطقة، لا يعني بالضرورة منع انتقال الحرب إلى أراضيها أو بنيتها التحتية.
وهنا بدأت المعضلة الأمنية تتغير.
فلم يعد السؤال لدى عدد من القوى الإقليمية يتعلق فقط بمن هو الحليف الأقوى، وإنما بمدى قدرة الدولة نفسها على بناء شبكة من العلاقات تجعل كلفة استهدافها أعلى، وتمنحها خيارات متعددة إذا تراجعت قدرة أحد الحلفاء على التدخل.
وقد وصفت “رويترز” الاتفاق بأنه يأتي في لحظة تتزايد فيها تساؤلات الرياض بشأن موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، في ظل اتساع الصراعات التي أصبحت تهدد صادرات النفط والمشروعات التنموية والبنية التحتية في الخليج. غير أن ذلك لا يعني أن السعودية أو تركيا أو باكستان تتجه إلى الانفصال عن الولايات المتحدة.
وهنا يبدو الأقرب أن الاتفاق يعكس تحولا من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إلى بناء مظلات متداخلة.
فالسعودية لا تستبدل الشراكة الأمريكية بباكستان وتركيا، وتركيا لا تغادر حلف شمال الأطلسي، وباكستان لا تتخلى عن علاقاتها الدولية القائمة، وإنما تحاول الدول الثلاث إضافة طبقة إقليمية جديدة إلى ترتيباتها الأمنية. وهنا يكون أحد أهم التحولات في النظام الإقليمي، فالدول لا تنتظر انهيار النظام القديم كي تؤسس نظاما جديدا، وإنما تبدأ في بناء بدائل جزئية داخله.
السعودية… من استيراد الأمن إلى تنويع مصادر الردع
يحمل اتفاق مكة دلالة تتجاوز التعاون العسكري المباشر بالنسبة إلى السعودية. فقد أمضت المملكة عقودا داخل نموذج أمني يقوم بدرجة كبيرة على شراكتها مع الولايات المتحدة، والحصول على أنظمة التسليح الغربية، والاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بوصفه جزءا من منظومة الردع الإقليمي. لكن التحولات التي شهدها العقد الأخير، من الهجمات على منشآت أرامكو عام 2019، وصولا إلى الحرب الواسعة مع إيران واضطراب أمن هرمز في 2026، أظهرت أن امتلاك حليف دولي قوي لا يلغي الحاجة إلى بناء قدرة إقليمية أكثر استقلالا. ولذلك يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه امتدادا لسياسة سعودية أوسع تقوم على تنويع مصادر القوة، لا تغيير التحالفات بصورة حادة.
فبينما قامت المملكة بتوسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين وروسيا إلى جانب الولايات المتحدة، يبدو أنها تتجه في المجال الأمني أيضا نحو زيادة عدد الشركاء الذين يمكن الاعتماد عليهم. ويمنح هذا النموذج الرياض هامش حركة أوسع، لأنه يقلل ارتباط أمنها بقرار دولة واحدة، ويحول العلاقات مع القوى الإقليمية من شراكات سياسية واقتصادية إلى أدوات ردع محتملة.
تركيا… توسيع المجال الاستراتيجي خارج الناتو
دخلت تركيا اتفاق مكة من موقع مختلف. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها تعمل منذ سنوات على توسيع مفهوم استقلالها الاستراتيجي من خلال تطوير صناعاتها الدفاعية، وزيادة حضورها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط والقوقاز وإفريقيا وآسيا الوسطى.
ولذلك فإن اتفاق مكة يمنح تركيا امتدادا مباشرا من الأناضول إلى الخليج وجنوب آسيا. ويمنحها فرصة لتحويل صناعاتها الدفاعية من أداة للتصدير إلى عنصر داخل ترتيبات أمن إقليمية أكثر تنظيما. ولا يعني ذلك أن تركيا تسعى إلى بناء بديل لحلف شمال الأطلسي، وإنما أنها تتحرك داخل أكثر من دائرة استراتيجية في الوقت نفسه. كما أن أنقرة يمكن أن تظل جزءا من التحالف الأطلسي في مواجهة التحديات المرتبطة بأوروبا وروسيا، بينما تشارك، في الوقت نفسه، في ترتيبات أخرى ترتبط بأمن الخليج والطاقة والشرق الأوسط.
وهنا تظهر إحدى سمات النظام الدولي الحالي؛ إذ لم تعد الدولة مضطرة دائما إلى الاختيار بين تحالف وآخر، وإنما أصبحت قادرة على العمل داخل شبكات أمنية مختلفة، حتى إذا لم تكن جميع هذه الشبكات متفقة في أهدافها.
باكستان… القوة النووية والغموض المقصود
تمثل باكستان العنصر الأكثر حساسية داخل المعادلة الجديدة، فإسلام آباد لا تدخل الاتفاق بقدراتها العسكرية التقليدية فقط، وإنما بوصفها قوة نووية أيضا. وقد أدى ذلك، منذ توقيع اتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني في 2025، إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كانت القدرات النووية الباكستانية يمكن أن تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى مظلة ردع تمتد إلى حلفائها.
غير أنه لا توجد حتى الآن أي إشارة رسمية إلى أن اتفاق مكة يتضمن التزاما نوويا، كما أكد الجانب السعودي أن الاتفاق لا يمثل محورا عسكريا أو طائفيا، ولا يرتبط بطموحات نووية أو سباق تسلح. كما سبق أن قللت باكستان من الحديث عن توسيع ردعها النووي ليشمل دولا أخرى.
وبرغم ذلك، فإن غياب الالتزام النووي الصريح لا يلغي أثر امتلاك أحد أطراف الاتفاق للسلاح النووي. فالردع لا يعمل من خلال ما تقوله الدول إنها ستفعله، وإنما من خلال ما يعتقد الخصوم أنها قد تكون قادرة على فعله في لحظة أزمة. ولذلك نرى أن باكستان تضيف إلى الاتفاق قدرا من الغموض الاستراتيجي، حتى إذا ظل السلاح النووي خارج نصوصه الرسمية.
مصر… بين الرباعية السياسية والمثلث الدفاعي
تبدو مصر هنا، بوصفها أبرز الأطراف الغائبة عن اتفاق مكة، لكنها ليست غائبة عن المسار السياسي الذي تزامن معه.
فالتنسيق بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان لم يكن مجرد فكرة إعلامية. فقد عقد وزراء خارجية الدول الأربع سلسلة من الاجتماعات خلال عام 2026، وكان الاجتماع الذي استضافته القاهرة في 21 يونيو (حزيران) هو الاجتماع التشاوري الرابع بينها.
وأكد البيان الرسمي المصري آنذاك أن الوزراء الأربعة أجروا تبادلا معمقا للآراء بشأن التطورات الإقليمية والدولية، واتفقوا على مواصلة التشاور والتنسيق دعما للسلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع. كما عبر الوزراء عن تقديرهم للرئيس عبد الفتاح السيسي لمشاركته رؤيته لمستقبل المنطقة، بوصفها موجها لجهود المجموعة الرامية إلى تحقيق الاستقرار.
وكان المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية قد وصف هذا المسار، في مايو (أيار)، بأنه بداية تشكل “رباعية شرق أوسطية“ تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، مع توقع أن تؤدي دورا في التعامل مع المخاوف الأمنية المشتركة، حتى إذا لم تتحول بالضرورة إلى تحالف دفاعي رسمي. كما تناولت دراسات أخرى الإطار نفسه بوصفه محاولة لتطوير تعاون إقليمي جديد بين القوى الأربع في ظل التحولات التي أعقبت الحرب مع إيران.
لكن ظهور اتفاق مكة بعد أقل من شهرين من اجتماع القاهرة لا يعني بالضرورة أنه يمثل تحولا من المسار الرباعي إلى إطار ثلاثي. فقد أشارت “رويترز” إلى أن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان جاء بعد مفاوضات امتدت نحو عام، أي إن مساره التفاوضي سبق ظهور آلية R4 في مارس (آذار) 2026. ولذلك يبدو أننا أمام مسارين متوازيين أكثر من كوننا أمام انتقال من رباعية إلى ثلاثية: مسار دفاعي يضم الدول الثلاث، ومسار تشاوري وسياسي أوسع تشارك فيه مصر.
فغياب مصر عن توقيع الاتفاق لا يعني بالضرورة وجود خلاف مع الدول الثلاث، كما لا توجد، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، معلومات رسمية تسمح بالقول إن القاهرة رفضت الانضمام، أو إنه عرض عليها الاتفاق ثم تحفظت عليه. ولذلك لا يجب تحويل غياب مصر إلى حقيقة سياسية غير مثبتة، وإنما إلى سؤال استراتيجي.
كيف يمكن تفسير بقاء مصر خارج الالتزام الدفاعي الثلاثي؟
وفي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، يمكننا طرح عدد من الفرضيات، وليست حقائق مؤكدة.
الفرضية الأولى: ترتبط بطبيعة السياسة الأمنية المصرية نفسها.
يمكن القول إن السياسة الأمنية المصرية تميل إلى التمييز بين التعاون العسكري وبين الالتزام التلقائي بالدخول في مواجهة عسكرية نتيجة تعرض دولة أخرى للهجوم. وحتى داخل شبكة علاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، تظل مصر حريصة على ربط استخدام قواتها المسلحة بصورة مباشرة بحسابات الأمن القومي المصري. وهذا يجعل أي صيغة من نوع “الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع” أكثر تعقيدا بالنسبة إلى مصر من مجرد المشاركة في آلية للتشاور والتنسيق.
الفرضية الثانية: تتعلق بموقع مصر الجغرافي وطبيعة التهديدات التي تواجهها.
يرتبط الأمن المصري بصورة مباشرة بغزة، والحدود مع إسرائيل، وليبيا، والسودان، والبحر الأحمر، وباب المندب، وقناة السويس، وشرق المتوسط، بينما تواجه السعودية مجموعة مختلفة نسبيا من التهديدات المرتبطة بالخليج وإيران وأمن الطاقة، وتواجه باكستان اعتبارات مرتبطة بالهند وأفغانستان وحدودها مع إيران، في حين تتحرك تركيا داخل حسابات تشمل حلف شمال الأطلسي، وسوريا، والعراق، وشرق المتوسط. ولذلك فإن وجود مصالح مشتركة لا يعني بالضرورة تطابق تعريف الدول الأربع للتهديد.
الفرضية الثالثة: تتعلق بعلاقة مصر بإيران.
فعلى الرغم من الخلافات التاريخية بين مصر وطهران، حاولت القاهرة خلال الفترة الأخيرة الحفاظ على مساحة من التواصل السياسي، وعدم التحول إلى طرف مباشر في المواجهة الأمريكية-الإيرانية. وقد ركز خطابها خلال الاجتماعات الرباعية على خفض التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية، وهو ما ظهر كذلك في اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظرائه في الدول الثلاث.
وقد يجعل ذلك مصر أكثر ارتياحا إلى صيغة تقوم على إدارة الأمن الإقليمي والتنسيق السياسي، مقارنة بصيغة قد تقرأ بوصفها التزاما عسكريا جماعيا في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب. لكن هذه الفرضيات لا تغير حقيقة أن أي محاولة لبناء هندسة أمنية إقليمية واسعة ستواجه قيودا واضحة إذا ظلت مصر خارج بعض دوائرها الأساسية.
هل يمكن بناء هندسة الأمن الإقليمي بدون مصر؟
ترجع أهمية مصر في هذه المعادلة إلى أن دورها لا يستند فقط إلى حجم قواتها المسلحة.
فالقاهرة تتحكم في قناة السويس، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وترتبط بصورة مباشرة بأمن باب المندب من خلال أمن البحر الأحمر، وتمثل غزة والحدود مع إسرائيل جزءا مباشرا من حسابات أمنها القومي، كما ترتبط بالسودان وليبيا وشرق المتوسط.
لذلك، إذا ظل اتفاق مكة محصورا في الدفاع عن أراضي الدول الثلاث، فقد يكون غياب مصر أقل تأثيرا في بنيته. أما إذا توسع لاحقا ليشمل قضايا أمن البحر الأحمر، والممرات البحرية، والطاقة، والشرق الأوسط، فإن الدور المصري سيصبح أكثر أهمية.
وهنا يمكننا التمييز بين مستويين قد يتشكلان في المرحلة المقبلة:
المستوى الأول: هو “المثلث الدفاعي“ الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، ويقوم على الالتزام بالدفاع المشترك.
المستوى الثاني: هو “الإطار السياسي والأمني الأوسع“ الذي قد تظل مصر داخله طرفا رئيسيا من خلال الآلية الرباعية، والتنسيق في الأزمات الإقليمية.
إذا حدث ذلك، فلن يكون غياب القاهرة عن اتفاق مكة دليلا على خروجها من الترتيب الإقليمي، وإنما قد يعني أن النظام الجديد نفسه يتشكل عبر دوائر مختلفة من الالتزام. فبعض الدول داخل دائرة الدفاع الجماعي، ودول أخرى داخل دائرة إدارة الأزمات والتوازن الإقليمي. وهذه الصيغة أكثر مرونة من التحالفات التقليدية.
إيران وإسرائيل… اتفاق للردع في اتجاهين؟
رغم تأكيد الأطراف أن اتفاق مكة دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، فإن توقيته يجعل من الصعب فصله عن التحولات التي أحدثتها سياسات كل من إيران وإسرائيل. فالحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) 2026 أظهرت قدرة المواجهة مع إيران على الانتقال إلى دول الخليج وبنيتها التحتية وممرات الطاقة.
كما أثار اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا وإيران مخاوف متزايدة لدى عدد من الدول من أن تتحول القوة العسكرية الإسرائيلية إلى عامل يعيد تشكيل توازنات المنطقة خارج الأطر التقليدية. بينما رأى بعض المحللين، الذين تحدثت إليهم “رويترز”، أن الاتفاق يهدف إلى زيادة القدرة على موازنة النفوذ الإيراني، وفي الوقت نفسه بناء ردع تجاه إسرائيل، بدلا من السعي إلى مواجهة مباشرة مع طهران. كما أكدت تركيا أن الاتفاق غير موجه إلى دولة محددة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره محاولة لتأسيس ردع متعدد الاتجاهات.
فالدول الثلاث لا تريد بالضرورة تحديد خصم واحد، وإنما تريد رفع كلفة انتقال أي مواجهة إقليمية إلى أراضيها.
وهو ما يفسر أيضا استمرار أهمية الدور المصري داخل أي تصور أوسع للأمن الإقليمي.
فمصر، بدورها، لا ترغب في هيمنة إيرانية على الإقليم، لكنها، في الوقت نفسه، تنظر إلى توسع العمليات الإسرائيلية باعتباره عاملا مباشرا في تهديد أمن غزة، وسيناء، والبحر الأحمر، والمنطقة العربية. ولذلك قد تتقاطع مصر مع الدول الثلاث في تقييم عدد كبير من المخاطر، من دون أن تتطابق معها في وسيلة التعامل معها.
الولايات المتحدة… نهاية احتكار الأمن أم إعادة توزيع للأعباء؟
من الخطأ قراءة اتفاق مكة باعتباره تحالفا ضد واشنطن. فالسعودية لا تزال شريكا أمنيا رئيسيا للولايات المتحدة، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان تحافظ على علاقات سياسية وعسكرية مع واشنطن، كما تحتفظ مصر، بدورها، بعلاقة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة.
غير أن أهمية الاتفاق تكمن في أنه يعكس تحولا في طبيعة هذه العلاقات. فالدول الإقليمية لم تعد، بالقدر نفسه، مستعدة لربط قدرتها على حماية نفسها بقرار أمريكي منفرد بشأن توقيت التدخل وحجمه.
ولا يعني ذلك انتهاء النفوذ الأمريكي، لكنه قد يعني انتهاء احتكاره النسبي لوظيفة الأمن الإقليمي. فالولايات المتحدة يمكن أن تظل القوة الخارجية الأكثر تأثيرا، بينما تصبح الدول الإقليمية أكثر قدرة على بناء شبكاتها الخاصة.
وهنا تتغير العلاقة من نموذج “الولايات المتحدة تحمي والحلفاء يعتمدون عليها” إلى نموذج أكثر تعقيدا يقوم على توزيع الأعباء وتعدد مصادر الردع.
لكن هذا التحول يكشف أيضا مفارقة أخرى. فكلما تحمل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم، زادت قدرتهم أيضا على اتخاذ قرارات أمنية لا تحددها واشنطن بصورة كاملة. وبذلك يمكن أن يؤدي توزيع أعباء الأمن، على المدى الطويل، إلى توزيع جزء من القدرة على تعريف التهديد واتخاذ القرار.
روسيا والصين… صعود الأمن الإقليمي داخل النظام الأوراسي
يحمل اتفاق مكة دلالات مهمة أيضا بالنسبة إلى روسيا والصين.
فبالنسبة إلى موسكو، قد يبدو صعود ترتيبات أمنية يقودها الفاعلون الإقليميون متسقا جزئيا مع رؤيتها لنظام دولي متعدد المراكز، تقل فيه قدرة الولايات المتحدة على احتكار إدارة الأزمات.
لكن المشكلة الروسية تكمن في إيران، فموسكو ترتبط بطهران بشراكة استراتيجية عميقة، كما أنها طورت خلال السنوات الأخيرة علاقات واسعة مع السعودية وتركيا، وتسعى إلى توسيع حضورها مع باكستان. ولذلك يمكن أن تستفيد روسيا من اتفاق مكة، كلما ظل إطارا لتعزيز الاستقلال الإقليمي، لكنها قد تواجه معادلة أكثر صعوبة إذا تحول إلى محور عسكري يستهدف احتواء إيران بصورة مباشرة.
أما بالنسبة إلى الصين، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدا، إذ تعد باكستان واحدة من أقرب شركائها الاستراتيجيين، والسعودية شريكا رئيسيا في مجال الطاقة والاستثمار، بينما تمثل تركيا موقعا مهما في شبكات التجارة والربط بين آسيا وأوروبا، في حين تحتفظ بكين بعلاقات استراتيجية مع إيران.
ولذلك فإن المصلحة الصينية تكمن في أن يؤدي هذا الاتفاق إلى زيادة الاستقرار، وحماية الممرات البحرية والطاقة، لا إلى خلق استقطاب عسكري جديد.
وهنا يصبح لمصر دور إضافي محتمل.
تحتفظ مصر بعلاقات قوية مع موسكو وبكين، كما ترتبط بموقع مركزي في مبادرة الحزام والطريق، وقناة السويس، ومسارات التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن استمرارها داخل دائرة التنسيق الرباعي قد يمنح أي نظام أمني إقليمي بعدا يتجاوز الردع العسكري إلى إدارة التجارة والممرات والطاقة والاستقرار الإقليمي.
هل نحن أمام “ناتو إسلامي”؟
يعد من المبكر وصف اتفاق مكة بأنه “ناتو إسلامي”. فوجود بند يعتبر الاعتداء على دولة اعتداء على الجميع يشبه، في منطقه السياسي، المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، لكن التشابه في المبدأ لا يعني التطابق المؤسسي.
فحلف شمال الأطلسي يمتلك قيادة موحدة، وهياكل عسكرية دائمة، وخطط دفاع، وقدرات مشتركة، وآليات للتشاور والتخطيط والتدريب وتوزيع القوات.
أما اتفاق مكة، فما أعلن عنه حتى الآن يقتصر على مبدأ الدفاع المتبادل وتعزيز التعاون الدفاعي، من دون الكشف عن تفاصيل مؤسسية تتعلق بالقوات، أو هياكل القيادة، أو آليات التنفيذ. ولذلك سيكون الاختبار الحقيقي هو ما يحدث بعد التوقيع.
- هل ستنشأ قيادة أو أمانة عسكرية مشتركة؟
- هل ستنظم مناورات ثلاثية منتظمة؟
- هل يجري ربط أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي؟
- هل تتوسع مشروعات الصناعات الدفاعية المشتركة؟
- هل توجد آلية تحدد متى يصبح الهجوم على إحدى الدول سببا لتدخل عسكري فعلي من الدولتين الأخريين؟
والإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان اتفاق مكة مجرد اتفاق ردع سياسي، أم بداية تحالف عسكري مؤسسي.
الرباعية والمثلث الدفاعي… دوائر أمنية متداخلة
قد يكون التحول الأهم الذي يكشفه اتفاق مكة هو أن المنطقة لا تتحرك بالضرورة نحو إنشاء تحالف واحد يضم جميع القوى المتقاربة، لكنها ربما تتجه إلى نموذج أكثر مرونة يمكن وصفه بـ”الدوائر الأمنية المتداخلة”.
ففي الدائرة الأولى توجد السعودية وتركيا وباكستان داخل التزام دفاعي مشترك. وفي الدائرة الثانية يمكن أن تستمر مصر مع الدول الثلاث داخل آلية للتشاور وإدارة الأزمات. وفي دوائر أخرى تستمر العلاقات الأمريكية مع كل دولة، وعلاقات تركيا بحلف شمال الأطلسي، وعلاقات السعودية ودول المنطقة بالقوى الدولية، وعلاقات باكستان والصين.
وهكذا لا يمكن أن يستبدل تحالف جديد التحالفات السابقة، وإنما تتراكم فوق بعضها. وهذا النموذج يتناسب مع طبيعة النظام الدولي الحالي، فلم تعد القوى المتوسطة ترغب في الانتماء الكامل إلى محور واحد، وإنما تسعى إلى زيادة مساحة حركتها من خلال تعدد الشراكات.
السيناريوهات المقبلة
السيناريو الأول: تحول اتفاق مكة إلى تحالف دفاعي مؤسسي
تبدأ الدول الثلاث في بناء هياكل دائمة للتخطيط العسكري، وتوسيع المناورات، وربط الدفاعات الجوية، وتطوير الصناعات الدفاعية، وإنشاء آليات مشتركة للاستجابة للأزمات. وفي هذه الحالة يتحول الاتفاق من إعلان سياسي إلى نواة فعلية لنظام أمني جديد يمتد من الخليج إلى تركيا وجنوب آسيا. وسيطرح ذلك بصورة أكبر سؤال العلاقة مع مصر: هل تنضم إلى بعض مؤسسات هذا النظام، أم تظل في الإطار السياسي الموازي؟
السيناريو الثاني: استمرار المثلث الدفاعي والرباعية السياسية بالتوازي
وفي تقديرنا، يبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحا على المدى القريب، حيث يسمح باستمرار المثلث الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بالتوازي مع الإطار الرباعي الأوسع. وحينها لا تكون مصر خارج النظام الجديد، وإنما تؤدي وظيفة مختلفة داخله. كما يمكن أن تتحول القاهرة إلى عنصر موازن بين منطق الردع العسكري ومنطق التسوية السياسية.
السيناريو الثالث: انضمام مصر مستقبلا إلى صيغة دفاعية موسعة
يظل انضمام مصر مستقبلا احتمالا قائما، لكنه لا يمكن اعتباره مسارا مرجحا في غياب مؤشرات رسمية واضحة عليه. وقد يصبح هذا الاحتمال أكثر قابلية للتحقق إذا تطور الاتفاق وأثبت قدرته على تحقيق مصالح مشتركة، أو إذا تغيرت البيئة الأمنية بصورة تدفع القاهرة إلى إعادة تقييم كلفة البقاء خارج التزام دفاعي إقليمي. ومع ذلك، فإن مثل هذا القرار سيكون قرارا استراتيجيا مهما بالنسبة إلى مصر، لأنه سيعني الانتقال من مستوى التنسيق إلى التزام مباشر بالدفاع عن دول أخرى، وهو ما يتطلب توافقا واضحا بشأن تعريف التهديد وحدود التدخل. ولذلك لا يمكن افتراض تحقق هذا السيناريو في المرحلة الحالية.
السيناريو الرابع: بقاء اتفاق مكة أداة للردع السياسي
من الممكن أن يظل الاتفاق قويا من حيث رمزيته، لكنه محدود من حيث آليات التنفيذ. وفي هذه الحالة تكمن أهميته في إرسال رسالة بأن استهداف إحدى الدول الثلاث قد يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة، من دون أن يتحول إلى التزام تلقائي باستخدام القوات. وهنا يصبح تأثيره السياسي أكبر من تأثيره العملياتي.
وختاما، لا تكمن أهمية اتفاق مكة فقط في أنه جمع السعودية وتركيا وباكستان داخل التزام للدفاع المشترك، وإنما في أنه يكشف عن مرحلة جديدة في إعادة تشكيل الأمن الإقليمي. إذ إن القوى الموجودة في المنطقة لم تعد تنتظر القوى الكبرى لكي تعيد تصميم نظامها الأمني، وإنما بدأت في إنشاء ترتيباتها الخاصة مع احتفاظها بعلاقاتها وتحالفاتها الدولية القائمة.
فالسعودية لا تتخلى عن الولايات المتحدة، لكنها تنوع مصادر الردع لديها. كما أن تركيا لا تغادر حلف شمال الأطلسي، لكنها توسع مجالها الاستراتيجي خارجه. بينما باكستان لا تعلن مظلة نووية لحلفائها، لكنها تضيف ثقلها العسكري والنووي إلى معادلة الردع. أما مصر، فلا تبدو خارج هذا التحول بقدر ما تبدو في موقع مختلف داخله. فقد شاركت القاهرة بصورة أساسية في المسار الرباعي للتشاور والتنسيق بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، واستضافت اجتماعه التشاوري الرابع، في الوقت الذي كان فيه المسار الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان يتطور بصورة موازية. ولذلك لا يتعلق الأمر بخروج مصر من إطار رباعي تحول لاحقا إلى ثلاثي، بقدر ما يتعلق بتبلور مستويين مختلفين من التعاون الإقليمي: مستوى دفاعي ثلاثي، ومستوى سياسي وتشاوري أوسع تشارك فيه مصر.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا لم توقع مصر اتفاق مكة؟ وإنما: هل يعاد بناء الأمن الإقليمي عبر تحالف واحد، أم عبر دوائر مختلفة يؤدي كل طرف داخلها وظيفة تتناسب مع مصالحه وتعريفه للتهديد؟
وإذا كان الاتجاه الثاني هو الأقرب، فقد لا يكون غياب مصر عن الاتفاق دليلا على تراجع موقعها، لكنه قد يكون دليلا على تشكل نظام أكثر تعقيدا تتوزع فيه الأدوار بين الردع العسكري وإدارة الأزمات. لكن إذا تحول اتفاق مكة خلال المرحلة المقبلة إلى بنية مؤسسية واسعة تشمل أمن البحر الأحمر، والممرات البحرية، والطاقة، وشرق المتوسط، فسيصبح السؤال المصري أكثر إلحاحا، لأنه من الصعب تصور هندسة أمنية شاملة للشرق الأوسط تتعامل مع غزة، والبحر الأحمر، وباب المندب، وقناة السويس، وشرق المتوسط، وتظل مصر خارج بنيتها الأساسية. ولذلك قد لا يكون السابع من أغسطس (آب) 2026 لحظة انقسام مسار رباعي بقدر ما يمثل لحظة كشفت بوضوح عن تبلور مسارين إقليميين متوازيين: دائرة للدفاع المشترك تضم السعودية وتركيا وباكستان، ودائرة أوسع للتشاور وإدارة التوازنات الإقليمية تشارك فيها مصر بوصفها أحد أطرافها الرئيسية.
وخلال المرحلة المقبلة سيحدد تطور هاتين الدائرتين ما إذا كان اتفاق مكة سيظل اتفاقا ثلاثيا للردع، أم سيتحول تدريجيا إلى نواة لنظام أمني جديد يعيد تعريف مواقع القوى الإقليمية، وحدود الدور الأمريكي، وعلاقة الشرق الأوسط بالمجال الأوراسي الأوسع.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-08-08 19:41:00
الكاتب: أسماء مجدي
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-08-08 19:41:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




