عاجل محسن رضائي إلى قلب القرار الأمني الإيراني.

ماذا تعني عودة «جنرال الحرب» في هذا التوقيت؟

أعاد اسم اللواء محسن رضائي، القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني، نفسه بقوة إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في طهران، بعدما تداولت وسائل إعلام إيرانية، الأحد 9 آب/أغسطس 2026، أنباء عن تعيينه ممثلاً للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن تقوم بعض تلك الوسائل بحذف الخبر لاحقاً، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الترتيبات الجارية داخل أحد أهم مراكز صناعة القرار في الجمهورية الإسلامية.

وبصرف النظر عن الغموض الذي أحاط بالإعلان، فإن مجرد طرح اسم رضائي للعودة بهذه الصفة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، خصوصاً في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى إيران، تتقاطع فيها تداعيات المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأزمة مضيق هرمز، ومستقبل المفاوضات النووية، وإعادة ترتيب منظومة الردع الإيرانية في غرب آسيا.

من هو محسن رضائي؟

محسن رضائي ليس سياسياً تقليدياً في النظام الإيراني، بل أحد أبرز الشخصيات التي تشكلت داخل المؤسسة العسكرية بعد الثورة الإسلامية.

تولى قيادة الحرس الثوري خلال معظم سنوات الحرب الإيرانية–العراقية، قبل انتقاله لاحقاً إلى مواقع عليا في مؤسسات الدولة والنظام، وبقي طوال العقود الماضية قريباً من دوائر التخطيط الاستراتيجي والأمني. وتصفه المصادر الإيرانية حالياً بصفته القائد السابق للحرس في سنوات الحرب والمستشار العسكري للقيادة الإيرانية.

وهذه الخلفية تجعل رضائي مختلفاً عن كثير من المسؤولين السياسيين الإيرانيين؛ فهو ينتمي إلى الجيل الذي تشكلت رؤيته للأمن القومي من خلال الحرب المباشرة، والحصار، والردع غير المتكافئ، وبناء القوة العسكرية الإيرانية على أساس القدرة على تحمل المواجهة الطويلة.

سياسياً، ينتمي رضائي إلى المعسكر المحافظ والأصولي، لكنه ليس من الشخصيات التي يمكن اختزالها في خطاب أيديولوجي صرف. فهو أقرب إلى نموذج «الصقر الأمني البراغماتي»: متشدد في مسائل الردع والسيادة والولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه لا يرفض التفاوض من حيث المبدأ إذا كان جزءاً من معادلة قوة تحقق مصالح طهران.

لماذا يعود اسم رضائي الآن؟

هنا تكمن أهمية المسألة.

إيران اليوم ليست في مرحلة سياسية طبيعية. فالمواجهة العسكرية الأخيرة أعادت ترتيب سلم الأولويات داخل مؤسسات الحكم، ودفعت ملفات الأمن القومي والدفاع والمضائق البحرية والعلاقات الإقليمية إلى مقدمة عملية صنع القرار.

وفي الوقت نفسه، لا تزال قضية مضيق هرمز واحدة من أبرز أوراق القوة الإيرانية في الصراع مع واشنطن.

وكان رضائي قد أعلن في مواقف سابقة أن أي قوة دولية لن تتمكن من إعادة فتح مضيق هرمز من دون إرادة إيران، وهو موقف يعكس رؤيته للمضيق باعتباره جزءاً من منظومة الردع الاستراتيجي، لا مجرد ممر تجاري دولي.

من هنا فإن عودته المحتملة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي يمكن قراءتها ضمن عملية أوسع تهدف إلى زيادة وزن أصحاب الخبرة العسكرية داخل الدائرة التي تتولى دراسة القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب والسلام والتفاوض والبرنامج النووي والأمن الإقليمي.

صقر.. ولكن ليس بالضرورة داعية حرب

تصنيف رضائي باعتباره من «المتشددين» صحيح عموماً، لكنه يحتاج إلى فهم طبيعة هذا التشدد.

فالرجل ينتمي إلى المدرسة الأمنية المحافظة في النظام الإيراني، وهي مدرسة تعتبر أن الدبلوماسية لا يمكن فصلها عن القوة العسكرية، وأن التفاوض الناجح يجب أن يجري تحت مظلة ردع قوي، وليس كبديل منه.

وهذا فارق مهم.

وجود رضائي في موقع مؤثر لا يعني تلقائياً أن طهران اتخذت قراراً بالعودة إلى الحرب، لكنه يعني أن أي مفاوضات أو تسويات محتملة ستكون خاضعة لحسابات أمنية أكثر صرامة.

وبصيغة أخرى، فإن المدرسة التي يمثلها رضائي لا تقول: «الحرب بدلاً من التفاوض»، وإنما تقول: «التفاوض من موقع القوة، مع الاحتفاظ بجميع أوراق الضغط».

هرمز.. الورقة التي لا يريد رضائي التخلي عنها

يشكل مضيق هرمز أحد أفضل الأمثلة على هذه العقيدة.

فبالنسبة إلى المدرسة العسكرية الإيرانية، يمتلك المضيق قيمة تتجاوز النفط والتجارة العالمية؛ إنه أداة لموازنة التفوق الأميركي التقليدي.

وعندما تقول طهران عملياً إنها قادرة على التأثير في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية، فإنها تحاول تحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر ردع استراتيجي.

رضائي عبّر عن هذا التصور بوضوح عندما أكد سابقاً أنه لا يمكن إعادة فتح المضيق من دون إرادة إيران.

لذلك فإن صعود نفوذه داخل منظومة الأمن القومي، إذا ثُبّت رسمياً، ستكون له دلالة خاصة في أي مفاوضات تتعلق بهرمز أو العقوبات أو الترتيبات الأمنية في الخليج.

ماذا تعني عودته للولايات المتحدة؟

من منظور واشنطن، يمثل رضائي تياراً إيرانياً شديد الحذر من تقديم تنازلات استراتيجية مقابل ضمانات سياسية مؤقتة.

وهذا يعني أن أي عملية تفاوض مستقبلية قد تواجه سقفاً أمنياً أعلى، خصوصاً في الملفات التي تعتبرها طهران جزءاً من عناصر قوتها الأساسية، مثل البرنامج الصاروخي، وقدرات الردع، والسياسة الإقليمية، والممرات البحرية.

فالرسالة التي يمكن قراءتها من إعادة تقديم شخصيات عسكرية مخضرمة إلى واجهة القرار ليست رفض التفاوض بحد ذاته، بل رفض الفصل بين التفاوض وبين ميزان القوة العسكري.

وماذا تعني لإسرائيل؟

الدلالة الإسرائيلية أكثر وضوحاً.

رضائي ينتمي إلى جيل من قادة الجمهورية الإسلامية يرى الصراع مع إسرائيل باعتباره مسألة استراتيجية طويلة الأمد، وليس أزمة يمكن احتواؤها باتفاق تكتيكي قصير.

ومن ثم فإن تعزيز حضوره في منظومة الأمن القومي يعني أن تقييم طهران لأي وقف إطلاق نار أو تفاهم إقليمي سيأخذ في الاعتبار سؤالاً أساسياً: هل يحافظ الاتفاق على قدرة إيران على الردع بعد الحرب، أم يؤدي إلى تجريدها تدريجياً من أوراق القوة؟

وهنا يصبح الفرق كبيراً بين وقف الحرب وبين إنهاء الصراع.

فالمدرسة الأمنية الإيرانية قد تقبل بالأول، لكنها لا ترى أن الثاني أصبح قريباً.

لبنان وحزب الله ضمن الحسابات

كما أن عودة رضائي المحتملة إلى مركز القرار تهم لبنان بصورة مباشرة.

فالملف اللبناني بالنسبة إلى طهران لا يُناقش بمعزل عن إسرائيل والخليج وسوريا والعراق والبرنامج النووي، بل ضمن مفهوم أوسع للأمن الإقليمي الإيراني.

لهذا فإن وجود شخصية من الجيل التاريخي للحرس في دائرة القرار يعني، على الأرجح، استمرار التعامل مع شبكة الحلفاء الإقليميين بوصفها جزءاً من بنية الردع الإيرانية، لا ملفاً منفصلاً يمكن التضحية به بسهولة في أي تفاوض مع الغرب.

عودة رجال الحرب إلى غرف القرار

الأهم في قصة محسن رضائي ليس المنصب وحده، بل نوع الخبرة التي تمثلها شخصيته.

فهو قائد عسكري سابق عاش تجربة حرب استنزاف استمرت ثماني سنوات، وشارك في بناء الحرس الثوري خلال المراحل التي تشكلت فيها العقيدة الدفاعية الإيرانية الحديثة.

وفي الأزمات الكبرى، تلجأ الدول عادة إلى الأشخاص الذين تتوافق خبراتهم مع طبيعة التحديات التي تواجهها.

ولهذا فإن إعادة رضائي إلى واجهة مجلس الأمن القومي، إذا تأكدت رسمياً، يمكن اعتبارها مؤشراً على أن القيادة الإيرانية تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة إدارة صراع طويل، وليس مجرد فترة انتقالية بين حرب ومفاوضات.

هل تتجه إيران نحو مزيد من التشدد؟

الإجابة الأكثر دقة هي: نحو مزيد من الأمننة، وليس بالضرورة نحو حرب فورية.

فالتحول الذي تشهده منظومة القرار الإيرانية يبدو أقرب إلى تعزيز دور المؤسسة العسكرية والأمنية في تحديد حدود الدبلوماسية.

وهذا قد ينتج معادلة جديدة تقوم على:

التفاوض من دون تفكيك الردع،

وقف النار من دون تقديم استسلام سياسي،

الاحتفاظ بمضيق هرمز كورقة استراتيجية،

وربط الملفات الإقليمية ببعضها ضمن مفهوم واحد للأمن القومي.

وهذه تحديداً هي البيئة السياسية التي يعرفها محسن رضائي جيداً.

الخلاصة

حتى مساء الأحد 9 آب/أغسطس، لا يزال الغموض يحيط بالصفة الرسمية الجديدة لمحسن رضائي، بعدما نشرت وسائل إيرانية أخباراً عن تعيينه ممثلاً للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي ثم حُذف بعضها، فيما تشير أحدث التقارير إلى استمرار محمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس.

لكن الجدل حول التعيين يكشف في حد ذاته شيئاً مهماً عن الاتجاه الذي تسلكه طهران.

محسن رضائي ليس اسم رجل دبلوماسية؛ إنه اسم رجل حرب وردع وإدارة أزمات.

وإذا ثُبّت وجوده في قلب المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن ذلك لن يكون مجرد إعادة تدوير لشخصية قديمة في النظام، بل إشارة إلى أن الجمهورية الإسلامية تستعد للمرحلة المقبلة بعقلية تعتبر أن الحرب قد تتوقف، لكن الصراع الاستراتيجي لم ينتهِ بعد.

Exit mobile version