اخبار لبنان

106 أعوام من علاقة شيعة لبنان بالدولة: من الحرمان إلى القوة السياسية

bbcorp

106 أعوام من علاقة شيعة لبنان بالدولة: من الحرمان إلى القوة السياسية

قالوا للشيعة: «عودوا إلى الدولة»… فماذا تقول دفاتر الدولة منذ 1920؟

ثمة رواية سياسية تتكرر في لبنان حتى تكاد تُقدَّم باعتبارها تفسيرًا كاملًا لأزمة العلاقة بين الشيعة والدولة: حزب الله منع قيام الدولة، وسلاح المقاومة أبعد التنمية والاستثمار، وحروب الشيعة هي التي أفقرت مناطقهم، ولو أن هذه الجماعة تخلت عن عناصر قوتها و«عادت إلى الدولة» لاستقام كل شيء.

لكن أي نقاش جدي في هذه المسألة يحتاج أولًا إلى سؤال تاريخي بسيط:

كيف كانت علاقة شيعة لبنان بالدولة قبل حزب الله أصلًا؟

السؤال لا يهدف إلى تبرئة أحد من مسؤولياته الحالية، ولا إلى اختراع «مظلومية» تلغي معاناة الآخرين. فالفقر والتهميش في لبنان لم يكونا حكرًا على طائفة. عكار وطرابلس وأجزاء واسعة من الشمال والبقاع عرفت الحرمان، كما عرفت مناطق مسيحية ودروزية الفقر والهجرة والتراجع الاقتصادي.

لبنان لم يكن يومًا مقسومًا ببساطة إلى طوائف غنية وأخرى فقيرة.

لكن ذلك لا يلغي حقيقة تاريخية أخرى: أجزاء واسعة من المجتمع الشيعي، وخصوصًا في الجنوب والبقاع، دخلت الدولة اللبنانية من موقع اجتماعي واقتصادي وتعليمي شديد الضعف، واستمر هذا الخلل عقودًا.

وهذا هو موضوع هذا المقال.

ليس السؤال: من هو «الأكثر مظلومية»؟

بل: ماذا تقول الأرقام عن موقع الشيعة داخل الدولة اللبنانية خلال القرن الماضي؟


البداية من 1920… لا من 1982

في 24 نيسان 1920 انعقد مؤتمر وادي الحجير في جبل عامل، وسط صراع حاد حول مستقبل المنطقة وموقف أهلها من الوجود الفرنسي ومن المشروع السياسي الذي كان يتشكل بعد انهيار الدولة العثمانية. وتجمع المصادر على تاريخ المؤتمر، فيما تختلف في تفسير بعض مواقفه وتفاصيله.

بعد أشهر، في الأول من أيلول 1920، أُعلنت دولة لبنان الكبير، ودخل جبل عامل والبقاع ضمن الكيان الجديد.

ومن هنا يجب أن يبدأ الحساب التاريخي.

ليس من الثورة الإسلامية في إيران.

وليس من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

وليس من نشوء حزب الله.

وليس من تحرير الجنوب عام 2000.

ولا من حرب تموز 2006.

بل من الدولة نفسها.


عام 1932: أمية بلغت 83% بين الشيعة

من أكثر المؤشرات قسوة على الموقع الاجتماعي الذي انطلق منه الشيعة نسبة الأمية.

تورد دراسات تاريخية أن نسبة الأمية بين الشيعة بلغت سنة 1932 نحو 83%، مقابل نحو 66% لدى السنّة. كما بقيت المؤشرات التعليمية متدنية لاحقًا؛ ففي عام 1943 لم يكن سوى نحو 31% من الشيعة قادرين على القراءة والكتابة، وفق بيانات بحثية استندت إلى دراسات تلك المرحلة.

هذه الأرقام مهمة لأنها تضع النقاش في سياقه الزمني الحقيقي.

عام 1932 لم يكن هناك حزب الله.

لم تكن هناك مقاومة إسلامية.

لم تكن هناك صواريخ.

ولم تكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد وُجدت أصلًا.

ومع ذلك كان المجتمع الشيعي يقف في أسفل عدد من المؤشرات التعليمية والاجتماعية.

إذًا، عندما نبحث عن جذور المشكلة، لا يمكن أن نبدأ من ثمانينيات القرن العشرين ونحذف ما سبقها.


استقلال لبنان لم يُلغِ جغرافيا الحرمان

جاء الاستقلال عام 1943، لكن الاستقلال السياسي لم يؤدِّ تلقائيًا إلى مساواة اقتصادية واجتماعية بين المناطق.

تركزت المؤسسات الاقتصادية والمصرفية والتعليمية الكبرى بصورة أساسية في بيروت وجبل لبنان، بينما بقي الجنوب والبقاع، حيث كانت تتركز النسبة الأكبر من السكان الشيعة، أكثر اعتمادًا على الزراعة والتبغ والعمل اليدوي والهجرة.

وتشير دراسات عن تلك المرحلة إلى أن نحو 85% من الشيعة كانوا يتركزون في الأطراف، وخصوصًا الجنوب وبعلبك ـ الهرمل، وأن تمثيلهم في المراتب العليا من الإدارة العامة بقي ضعيفًا للغاية: نحو 3.2% من الوظائف الإدارية العليا عام 1946، و3.6% عام 1955، رغم أن نسبتهم السكانية كانت أعلى بكثير.

وهنا تظهر المشكلة بوضوح:

لم يكن لبنان الذي ازدهرت فيه المصارف والفنادق والسياحة في الخمسينيات والستينيات هو نفسه بالنسبة إلى جميع سكانه.

كانت هناك بالفعل صورة «سويسرا الشرق».

لكن خلف تلك الصورة كانت هناك أطراف لبنانية تنتظر المدرسة والطريق والمياه والكهرباء.


سنة 1960: ستّون قرية في قضاء صور… وعشر فقط تملك مدرسة أو طريقًا معبدًا

أحيانًا يكون الوصف الصادر من قلب المرحلة أقوى من أي تحليل لاحق.

ينقل الباحث ماجد حلبي في كتابه عن الإمام موسى الصدر والمجتمع الشيعي مداخلات لنواب من الجنوب والبقاع في البرلمان اللبناني عام 1960.

وفي توصيف لمنطقة صور التي كانت تضم ستين قرية، قيل إن عشر قرى فقط كان فيها ما يمكن اعتباره مدرسة أو طريقًا معبدًا، وأكثر من أربعين قرية كانت بلا مدرسة أو حتى طريق، فيما كانت القرى تعاني غياب المياه الجارية والكهرباء بصورة واسعة.

هذه ليست رواية نشأت بعد حزب الله.

إنها شهادة من البرلمان اللبناني سنة 1960.

قبل ولادة حزب الله بأكثر من عقدين.

وقبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

وقبل أن يصبح السلاح الذي يدور حوله النقاش اليوم جزءًا من الحياة السياسية اللبنانية.

ولذلك، عندما تُختزل مشكلات التنمية في الجنوب والبقاع كلها بسلاح المقاومة، يصبح السؤال مشروعًا:

كيف نفسر الحرمان الذي كان قائمًا أصلًا عندما لم يكن هذا السلاح موجودًا؟


التجربة الشهابية تثبت أن المشكلة لم تكن في «ثقافة» أهل الأطراف

لكن التاريخ لا يجوز أن يُقرأ بطريقة انتقائية.

الدولة اللبنانية لم تكن غائبة دائمًا، ولم تكن كل تجاربها فاشلة.

في عهد الرئيس فؤاد شهاب بدأت محاولة جدية لتوسيع حضور الدولة خارج المركز، مستندة جزئيًا إلى دراسات بعثة IRFED التي كشفت الاختلالات الاجتماعية والمناطقية العميقة.

توسعت المدارس الرسمية والبنية التحتية، وكان الأثر واضحًا.

في الجنوب والبقاع ارتفع عدد طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية من نحو 62 ألف طالب عام 1959 إلى 225 ألفًا عام 1973.

أي أن العدد ازداد بأكثر من ثلاثة أضعاف ونصف خلال نحو أربعة عشر عامًا.

وهذه واحدة من أهم خلاصات القصة:

عندما وصلت المدرسة، دخل الناس المدرسة.

وعندما أصبح التعليم ممكنًا، لم يقل أهل الجنوب والبقاع إنهم يرفضون الدولة.

وحين شُقت الطرق وانتشرت الخدمات، استفادوا منها مثل بقية اللبنانيين.

وهذا يهدم تفسيرًا ثقافيًا كسولًا يحاول أحيانًا تقديم الفقر وكأنه نتيجة طبيعية لبيئة اجتماعية معينة.

لم يكن الشيعي محكومًا بالفقر لأنه شيعي.

وإنما كان جزء كبير من المجتمع يعيش في مناطق بعيدة عن مركز الاستثمار والخدمات والتعليم.

وعندما تغيرت الظروف، تغير المجتمع نفسه.


عام 1971: الأرقام تكشف حجم الفجوة

من أكثر البيانات دلالة نتائج دراسة جوزيف شامي المستندة إلى مسح لبناني واسع أُجري عام 1971.

بلغ متوسط الدخل السنوي للأسرة اللبنانية في العينة 6,247 ليرة لبنانية.

أما بحسب المجموعات التي تناولتها الدراسة فكان المتوسط:

الكاثوليك: 7,173 ليرة.

المسيحيون غير الكاثوليك: 7,112 ليرة.

الدروز: 6,180 ليرة.

السنّة: 5,571 ليرة.

أما الأسرة الشيعية فبلغ متوسط دخلها 4,532 ليرة فقط، وهو الأدنى بين المجموعات المقارنة. كما كانت 22% من الأسر الشيعية تعيش على أقل من 1,500 ليرة سنويًا، مقابل 12% على المستوى الوطني.

وفي سوق العمل كانت الصورة مشابهة.

نحو 35% من الأزواج الشيعة العاملين صُنّفوا ضمن فئة العمال، مقابل 22% وطنيًا، فيما لم تتجاوز نسبة العاملين في المهن المهنية والتقنية 2% بينهم، مقارنة بنحو 5% على المستوى الوطني.

أما في التعليم، فأظهرت البيانات أن 70% من الزوجات الشيعيات في العينة لم يتلقين تعليمًا مدرسيًا، مقابل 49% لدى السنّة و40% على المستوى الوطني.

هذه الأرقام تعود إلى عام 1971.

أي قبل الحرب الأهلية.

وقبل حزب الله.

وقبل الثورة الإيرانية.

وقبل الاجتياح الإسرائيلي الشامل.

ومن هنا يصبح من الصعب التعامل مع الحرمان الشيعي باعتباره نتيجة ظاهرة سياسية نشأت بعد ذلك بعقد أو أكثر.


جنوب يضم خُمس السكان ويحصل على أقل من 0.7% من الموازنة

وتورد دراسة أكاديمية في الجامعة الأميركية في بيروت، استنادًا إلى إحصاءات رسمية لبنانية ودراسة تعود إلى عام 1978، أن الجنوب كان يضم عام 1974 نحو 20% من سكان لبنان، لكنه حصل على أقل من 0.7% من موازنة الدولة، مع حصة متدنية بصورة خاصة للإنفاق على المدارس ونشر التعليم.

الرقم صادم.

لكن الأهم من الرقم هو ما يمثله.

إنه يساعد على فهم البيئة الاجتماعية التي ظهر فيها الإمام السيد موسى الصدر.


لماذا سمّاها موسى الصدر «حركة المحرومين»؟

عندما أسس الإمام السيد موسى الصدر عام 1974 حركة المحرومين، لم يختر الاسم من فراغ.

كانت الحركة تعبيرًا عن تعبئة اجتماعية وسياسية في بيئة تعاني أصلًا تراجعًا في التعليم والدخل والخدمات والتمثيل الإداري، مع تصاعد الأخطار الأمنية في الجنوب. وقد أُطلقت الحركة جماهيريًا في آذار 1974.

لكن هناك حقيقة أخرى يجب ألا تُحذف من الرواية إذا أردنا أن تكون منصفة.

المسؤولية لم تقع فقط على «الآخرين».

الزعامات الشيعية التقليدية كانت جزءًا من النظام اللبناني، وكان لديها نواب ووزراء ونفوذ محلي، وقد تعرضت هي نفسها لانتقادات واسعة بسبب إخفاقها في تحويل حضورها السياسي إلى تنمية فعلية لمناطقها.

وجزء من صعود موسى الصدر كان بالضبط ثورة على هذه الزعامات التقليدية وعلى مفهوم أن يكفي أن يكون للطائفة نائب أو وزير كي تكون حقوق أبنائها محفوظة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

التمثيل السياسي ليس هو التنمية.

وجود نائب شيعي لا يعني أن قرية شيعية لديها مدرسة.

ووجود وزير من طائفة معينة لا يعني أن أبناءها يملكون حصتهم العادلة من الاقتصاد والتعليم والاستثمار.


من المدرسة والهجرة إلى ولادة طبقة وسطى شيعية

ابتداءً من الستينيات والسبعينيات بدأ تحول اجتماعي واسع.

توسع التعليم الرسمي.

كبر دور الجامعة اللبنانية، التي أتاحت التعليم العالي لشرائح لم تكن قادرة على تحمل كلفة الجامعات الخاصة.

ازداد الانتقال من الريف إلى المدن.

وتوسعت الهجرة إلى أفريقيا ودول الخليج والأميركيتين.

ومع الوقت بدأت تظهر طبقة وسطى شيعية جديدة: معلمون، موظفون، أطباء، مهندسون، تجار، أصحاب مؤسسات ومغتربون يمتلكون رأس مال.

لم يكن هذا التحول نتيجة عامل واحد.

الدولة ساهمت حين وفرت المدرسة والجامعة والبنية التحتية.

الهجرة ساهمت بتحويلات مالية ورؤوس أموال.

العائلات نفسها دفعت أثمانًا ضخمة في سبيل تعليم أبنائها.

ومؤسسات المجتمع الأهلي والديني ساهمت في بناء المدارس والمراكز الصحية والاجتماعية.

ثم جاءت الحركات السياسية والتنظيمية لتعيد تشكيل موقع الجماعة داخل النظام.


من حركة أمل إلى حزب الله والمقاومة

الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية والصراع في الجنوب أدخلت المجتمع الشيعي في مرحلة مختلفة جذريًا.

تحولت حركة المحرومين إلى البيئة التي خرجت منها حركة أمل، وتزامن ذلك مع توسع المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، ثم ظهر حزب الله في سياق الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما تلاه.

وبحلول التسعينيات لم يعد الشيعة الجماعة السياسية التي كانوا عليها في الخمسينيات والستينيات.

دخل حزب الله الانتخابات النيابية للمرة الأولى عام 1992 وحصل رسميًا على ثمانية نواب، فيما شكل مع حلفائه كتلة أوسع.

أما دخوله المباشر إلى مجلس الوزراء فحدث للمرة الأولى عام 2005 في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.

وبذلك فإن المدة بين إعلان لبنان الكبير سنة 1920 ودخول حزب الله الحكومة تبلغ نحو 85 عامًا.

وهذا التصحيح مهم.

ليس 58 عامًا.

بل خمسة وثمانون عامًا.


لا يمكن تحميل حزب الله مسؤولية عام 1932… لكنه لا يُعفى من مسؤولية ما بعد دخوله السلطة

هنا يجب أن تكون المحاسبة دقيقة.

لا يمكن منطقيًا أن نحمّل حزبًا لم يكن موجودًا مسؤولية أن الأمية بين الشيعة بلغت 83% عام 1932.

ولا يمكن تحميل سلاح نشأ بعد عقود مسؤولية غياب المدرسة والطريق عن قرى الجنوب عام 1960.

ولا يمكن تفسير أدنى متوسط دخل شيعي في مسح 1971 بظاهرة سياسية لم تكن قد وُلدت.

هذه حقائق زمنية، لا مواقف سياسية.

لكن في الاتجاه المقابل، لا يجوز استخدام الماضي لإلغاء الحاضر.

منذ دخول حزب الله البرلمان عام 1992، ثم الحكومة عام 2005، ازدادت مسؤوليته السياسية تدريجيًا.

وحركة أمل كانت جزءًا من السلطة قبل ذلك، وأصبح الأستاذ نبيه بري رئيسًا لمجلس النواب منذ عام 1992.

ومن ثم فإن القوى الشيعية المعاصرة تتحمل نصيبها من المسؤولية عن النجاحات والإخفاقات التي حدثت خلال العقود التي امتلكت فيها نفوذًا واسعًا.

السؤال الصحيح ليس:

«هل القوى الشيعية مسؤولة أم غير مسؤولة؟»

بل:

عن أي مرحلة؟ وبأي مقدار؟ وبأي أدوات كانت تملكها؟

هذا هو الفارق بين المحاسبة والتشهير.


هل امتلاك النواب والوزراء يعني امتلاك الدولة؟

هناك أيضًا خلط متكرر بين المشاركة في السلطة وبين السيطرة الكاملة على بنية الدولة والاقتصاد.

امتلاك كتلة نيابية ووزراء يعطي قوة سياسية ومسؤولية لا يمكن إنكارها.

لكنه لا يعني تلقائيًا امتلاك النظام المصرفي، أو القطاع التجاري، أو الجامعات الكبرى، أو شبكات رأس المال، أو الإدارة العامة، أو الاقتصاد الذي تراكمت بنيته خلال عشرات السنين.

وفي المقابل، لا يجوز للقوى التي تملك تمثيلًا سياسيًا واسعًا أن تستخدم هذا الواقع ذريعة دائمة لعدم معالجة الفقر والبطالة وتراجع الخدمات في بيئتها.

الحقيقة أكثر تعقيدًا من شعارين متقابلين:

«حزب الله مسؤول عن كل شيء».

أو:

«حزب الله غير مسؤول عن شيء».

كلاهما قراءة غير تاريخية.


جيل 2000 لم يرَ ما رآه أجداده

هذه النقطة ربما هي الأهم بالنسبة إلى الجيل الشيعي الذي وُلد في الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها.

هذا الجيل فتح عينيه على مجتمع مختلف.

رأى في أيار 2000 انسحاب جيش العدو الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية التي كان يحتلها في الجنوب.

وعاش حرب تموز 2006.

وكبر وفي بيئته أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وضباط ورجال أعمال ومغتربون ومؤسسات ومدارس ومستشفيات وجامعات.

ورأى الأستاذ نبيه بري رئيسًا دائمًا تقريبًا لمجلس النواب، وحزب الله واحدًا من أقوى الفاعلين السياسيين والعسكريين في لبنان، ورأى السيد حسن نصرالله يتحول إلى أحد أشهر القادة في المنطقة.

لكن هذا الجيل يجب ألا يقع في خطأ الاعتقاد أن الصورة كانت دائمًا هكذا.

القوة الشيعية في لبنان حديثة قياسًا إلى عمر الدولة.

جد هذا الشاب لم يولد وفي ظهره هذه القوة.

في أجيال سابقة كان التحدي أن تصل المدرسة إلى القرية.

وأن يصل الطريق.

وأن تصل الكهرباء.

وأن يستطيع ابن المزارع دخول الجامعة.

وأن يدخل الموظف الشيعي الإدارة العامة من غير أن يبقى حضوره هامشيًا.


من صنع الصعود الشيعي؟

الجواب الأكثر دقة هو:

الجميع بنسب مختلفة.

صنعته الدولة عندما وصلت بالفعل إلى الأطراف.

صنعه التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية.

صنعته الهجرة إلى أفريقيا والخليج والأميركيتين.

صنعته العائلات التي استثمرت في تعليم أبنائها.

صنعته التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية.

صنعته المؤسسات الأهلية والدينية.

وصنع منه جزءًا كبيرًا المشروع الذي أطلقه الإمام السيد موسى الصدر، ثم حركة أمل، ثم البيئة السياسية والاجتماعية التي خرجت منها المقاومة وحزب الله.

ولهذا فإن رواية الصعود لا تحتاج إلى أسطورة.

الأرقام التاريخية وحدها تكفي.


«عودوا إلى الدولة»… أي دولة؟

عندما يقال للشيعي اليوم: «عُد إلى الدولة»، لا ينبغي أن يكون الرد رفض الدولة.

فالشيعة ليسوا خارج لبنان، والدولة العادلة ليست خصمًا لهم.

بل يجب أن يكون الجواب:

نريد الدولة، ولكن الدولة التي تصل إلى المواطن قبل أن تطالبه بالثقة بها.

الدولة التي تعطيه مدرسة قبل أن تلومه على الجهل.

طريقًا قبل أن تلومه على العزلة.

مستشفى قبل أن تلومه على إنشاء مؤسسة صحية خاصة به.

تنمية قبل أن تسأله لماذا هاجر.

وأمنًا وسيادة قبل أن تسأله لماذا بحث عن وسائل لحماية أرضه.

وفي الوقت نفسه، من حق الدولة والمواطنين اليوم أن يسألوا القوى الشيعية التي أصبحت جزءًا رئيسيًا من السلطة:

ماذا فعلتم بهذه القوة؟

ماذا أنجزتم؟

أين نجحتم؟

وأين أخفقتم؟

هذه المحاسبة مشروعة وضرورية.

لكنها تبدأ من التاريخ كله، لا من الصفحة التي تناسب الخصومة السياسية.


106 أعوام لا يمكن شطبها

حين كان الشيعي ضعيفًا، لم تكن الدولة دائمًا حاضرة عند بابه.

وحين أصبح قويًا، أصبح مطلوبًا منه أن يثبت أن قوته ليست بديلًا من الدولة.

ربما تكون هذه هي العقدة الحقيقية التي يجب حلها اليوم.

فالمطلوب ليس العودة إلى دولة الحرمان.

ولا إقامة دولة داخل الدولة.

المطلوب بناء دولة يشعر الجنوبي والبقاعي والعكاري والطرابلسي والبيروتي والجبلي بأنها دولته فعلًا، لا مجرد مؤسسة يتذكر وجودها عندما تريد منه شيئًا.

لذلك، عندما نناقش علاقة شيعة لبنان بالدولة، فلنبدأ من البداية.

من 83% أمية بين الشيعة عام 1932.

ومن قرى في الجنوب كانت عام 1960 تفتقد المدرسة والطريق والمياه والكهرباء.

ومن ارتفاع عدد طلاب الجنوب والبقاع من 62 ألفًا عام 1959 إلى 225 ألفًا عام 1973 عندما توسع التعليم.

ومن متوسط دخل بلغ 4,532 ليرة للأسرة الشيعية مقابل 6,247 ليرة وطنيًا عام 1971.

ومن 35% من الرجال الشيعة العاملين في فئة العمال مقابل 22% وطنيًا.

ومن جنوب كان يضم نحو خُمس السكان، فيما تشير دراسة تستند إلى الإحصاءات الرسمية إلى حصوله على أقل من 0.7% من موازنة الدولة عام 1974.

ومن حركة لم تجد في عام 1974 اسمًا أكثر تعبيرًا عن اللحظة من:

«حركة المحرومين».

ثم اقرأوا ما حدث بعد ذلك.

نشوء حركة أمل.

الاحتلال الإسرائيلي.

صعود المقاومة.

ظهور حزب الله.

دخوله البرلمان عام 1992.

تحرير معظم الجنوب المحتل عام 2000.

دخوله الحكومة عام 2005.

حرب تموز 2006.

ثم التحولات والأثمان والأخطاء والإنجازات والأزمات التي تلت ذلك.

وبعدها يمكن أن نختلف كما نشاء حول حزب الله، وحركة أمل، والسلاح، والدولة، والاقتصاد، والحرب والسلم، ومسؤولية القوى الشيعية نفسها.

لكن بشرط واحد:

أن نقرأ الكتاب كاملًا.

لا أن نمزق أول خمسة وثمانين عامًا منه، ثم نبدأ التاريخ من البندقية.

فالشيعة لا يحتاجون إلى الهرب من الدولة.

ولا إلى إنكار مسؤوليات القوى التي تمثلهم اليوم.

لكنهم أيضًا ليسوا مطالبين بنسيان التاريخ كي يقبل الآخرون بهم.

افتحوا دفاتر الدولة منذ 1920… ثم تعالوا ناقشوا الشيعة في علاقتهم بالدولة.

وثائق وروابط حول الاتفاق الماروني – الصهيوني ودور الدولة اللبنانية

  • نص اتفاق البطريرك أنطون عريضة مع الوكالة اليهودية – 30 أيار 1946
    المرجع الأرشيفي: Central Zionist Archives – S25/3269

    قراءة نص اتفاق 1946

  • نسخة أخرى من اتفاق 1946 مع أسماء الموقّعين
    توفيق عواد ممثلًا البطريرك أنطون عريضة، وبرنارد جوزف ممثلًا الوكالة اليهودية.

    عرض نسخة الاتفاق

  • دراسة Laura Zittrain Eisenberg حول اتفاق 1946
    Desperate Diplomacy: The Zionist-Maronite Treaty of 1946

    فتح الدراسة الأكاديمية PDF

  • دراسة أكاديمية تتضمن أرقام ملفات الأرشيف الصهيوني
    تتضمن إشارات إلى S25/3269 وS25/9907 وZ4/1702b وغيرها.

    فتح الدراسة والهوامش الأرشيفية

وثائق رسمية من عهد الرئيس بشارة الخوري

  • موقف لبنان أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين – 22 تموز 1947
    الوثيقة الرسمية: A/364/Add.2 PV.38

    فتح الوثيقة الرسمية على موقع الأمم المتحدة

  • نسخة قابلة للقراءة من جلسة لبنان أمام لجنة UNSCOP

    قراءة محضر جلسة لبنان – 22 تموز 1947

  • الوثيقة اللبنانية S/618 – 7 كانون الأول 1947
    برقية من رئيس الحكومة ووزير الخارجية بالوكالة رياض الصلح إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

    فتح السجل الرسمي للأمم المتحدة PDF

  • فهرس الأمم المتحدة الذي يثبت الوثيقة S/618

    فتح فهرس الوثائق الرسمي

أرقام ملفات أرشيفية إضافية للبحث

  • S25/9907 – وثائق واتصالات تعود إلى عام 1920.
  • S25/10225 – تقرير إلياهو إبشتاين حول زيارة سوريا ولبنان عام 1934.
  • Z4/1702b – مشروع اتفاق قُدّم إلى إميل إده في 23 كانون الأول 1936.
  • S25/3269 – اتفاق البطريرك أنطون عريضة والوكالة اليهودية عام 1946.
  • FM 2563/23 – ملف في Israel State Archives مرتبط بمراسلات المطران إغناطيوس مبارك.

ملاحظة توثيقية:
اتفاق 1946 موثّق كاتفاق بين البطريرك أنطون عريضة، عبر ممثله توفيق عواد،
والوكالة اليهودية. لا توجد في هذه الوثائق دلالة على أن الرئيس بشارة الخوري كان
موقّعًا على الاتفاق أو أنه اعتمده باسم الجمهورية اللبنانية.

beiruttime-lb.com — 106 أعوام من علاقة شيعة لبنان بالدولة: من الحرمان إلى القوة السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *