اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الإيرانية الأرمينية


تأتي اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المرتقبة بين إيران وأرمينيا في لحظة تتجاوز فيها أهميتها حدود العلاقات الثنائية لتتقاطع مع تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في جنوب القوقاز والشرق الأوسط معا، فالاتفاقية، التي يجري العمل على استكمالها تمهيدا لتوقيعها، لا تنفصل عن السياق الأوسع الذي فرضته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما أفرزته من ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية على طهران، ولا عن التحولات المتلاحقة في جنوب القوقاز، حيث تتقاطع مصالح إيران وتركيا وأذربيجان وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول مستقبل الممرات البرية والطاقة وترتيبات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، تكتسب أرمينيا أهمية استثنائية بالنسبة لإيران، ليس فقط باعتبارها دولة جوار ذات حدود مباشرة معها، وإنما باعتبارها نقطة ارتكاز في مواجهة محاولات إعادة صياغة خريطة الاتصال الإقليمي، ولا سيما التطورات المرتبطة بممر زانجيزور ومشروع ترمب للسلام والازدهار، فضلا عن تنامي الحضور الغربي في أرمينيا وتغير موقع روسيا في معادلات جنوب القوقاز، ومن ثم، فإن نية توقيع الاتفاقية في هذا التوقيت قد تعكس رغبة مشتركة في تحويل العلاقات الإيرانية الأرمينية من مستوى التعاون التقليدي إلى إطار أكثر مؤسسية وقدرة على التعامل مع بيئة إقليمية تتسم بتزايد التنافس على النفوذ والممرات الاستراتيجية، بما يجعلها تطورا جديرا بالتحليل من زاوية ما تكشفه عن اتجاهات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي ضوء ذلك، يطرح مسار الاتفاقية مجموعة من التساؤلات التي تتجاوز سؤال موعد التوقيع ذاته إلى البحث في الوظيفة التي يمكن أن تؤديها هذه الشراكة داخل الحسابات الإقليمية للطرفين، ولعل أبرز تلك التساؤلات يرتبط بالسياق السياسي والأمني والجيواقتصادي الذي دفع طهران ويريفان إلى الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في هذه اللحظة تحديدا؟ وما الدوافع الحقيقية التي تحكم الموقف الإيراني، وهل تستهدف الاتفاقية تحصين المجال الحيوي لإيران شمالا، والحفاظ على موقعها في ممرات النقل الإقليمية، وتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية، أم أنها تتجاوز ذلك إلى إعادة بناء أدوات النفوذ الإيراني في جنوب القوقاز؟ وفي المقابل، إلى أي مدى تمثل الشراكة بالنسبة لأرمينيا أداة لتنويع خياراتها الاستراتيجية وتقليل هشاشتها الجيوسياسية، والحصول على مكاسب اقتصادية وأمنية، والحفاظ على سيادتها في مواجهة الضغوط المرتبطة بالممرات الإقليمية؟
ثم ما حجم المكاسب التي يمكن أن يحققها كل طرف، وما حدود قدرة الاتفاقية على تحويل هذه المكاسب إلى واقع ملموس؟ والأهم، كيف يمكن أن تنعكس هذه الشراكة على حسابات تركيا وأذربيجان وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل؟ وأخيرا، في ظل تصاعد الضغوط على إيران وتسارع إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، ما السيناريوهات الأكثر احتمالا لمستقبل هذه الشراكة، وما الشروط التي قد تدفعها نحو شراكة استراتيجية فاعلة، أو تحد من قدرتها على التحول من وثيقة سياسية إلى ترتيبات ومشروعات ذات تأثير جيوسياسي طويل المدى؟
السياق العام لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين إيران وأرمينيا:
لا تمثل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المرتقبة بين إيران وأرمينيا تطورا مفاجئا في العلاقات الثنائية، بل تعتبر نتاجا لمسار تراكمي من التقارب السياسي والاقتصادي بدأ منذ استقلال أرمينيا عام 1991، وتعزز بصورة ملحوظة بعد حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020. فمنذ ذلك التاريخ، اتجهت البيئة الاستراتيجية في جنوب القوقاز نحو إعادة تشكيل توازنات القوة، مع تزايد نفوذ أذربيجان وتركيا، وتراجع قدرة روسيا على إدارة الإقليم بالفاعلية التي ميزت العقود السابقة، خاصة في ظل انشغالها بالحرب مع أوكرانيا، وقد دفعت هذه المتغيرات كلا من طهران ويريفان إلى إعادة تقييم علاقاتهما الثنائية باعتبارها إحدى الأدوات المهمة للحفاظ على مصالحهما الاستراتيجية في منطقة تشهد تنافسا متصاعدا بين القوى الإقليمية والدولية.
وخلال العامين الماضيين، شهدت العلاقات بين البلدين زخما غير مسبوق، تجسد في سلسلة من الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين، والاجتماعات الوزارية، والاتصالات السياسية التي ركزت على تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وقد أكدت التصريحات الرسمية الصادرة عن وزارتي الخارجية في البلدين منذ بداية عام 2026 أن العمل على إعداد اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة وصل إلى مراحل متقدمة، وأن الاتفاقية تستهدف إرساء إطار مؤسسي دائم للتعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة والنقل والبنية التحتية والثقافة. ويعكس هذا التطور انتقال العلاقات من نمط الاتفاقات القطاعية المنفصلة إلى إطار استراتيجي متكامل يحدد أولويات التعاون وآليات متابعته على المدى الطويل.
وتشير المؤشرات الأخيرة إلى أن الاتفاقية لن تقتصر على إعلان مبادئ سياسية، وإنما ستتضمن مجموعة واسعة من المحاور التنفيذية التي تعكس المصالح المشتركة للطرفين، فمن المتوقع أن تشمل توسيع التعاون في مشروعات الطاقة، ولا سيما تطوير آلية تبادل الغاز مقابل الكهرباء، وزيادة الربط الكهربائي بين البلدين، فضلا عن تطوير شبكات النقل والطرق العابرة للحدود، وربط أرمينيا بصورة أكبر بممر الشمال-الجنوب الذي تسعى إيران إلى تحويله إلى أحد أهم ممرات التجارة الدولية، كما ينتظر أن تتضمن الاتفاقية برامج لتعزيز التعاون الاستثماري، وتيسير حركة التجارة، وتوسيع التعاون العلمي والثقافي، بما يعزز الطابع المؤسسي للعلاقات الثنائية ويقلل من تأثرها بالتغيرات السياسية الظرفية.
ورغم أن الاتفاقية لم توقع رسميا حتى الآن، فإن مسار المفاوضات والتصريحات الرسمية الصادرة عن الجانبين يشير إلى أن العقبات لم تعد تتعلق بجوهر الاتفاق، وإنما باستكمال الإجراءات الفنية وتحديد التوقيت السياسي الملائم للإعلان عنها، كما ظهر في تصريح السفير الإيراني لدى أرمينيا خليل شيرغولامي في الثامن من يوليو (تموز) المنصرم، حيث أعلن أن طهران ويريفان تعملان على النص النهائي للوثيقة، وقد يشير هذا التأخير في التوقيع على الاتفاقية إلى حرص الطرفين على ربط التوقيع بظرف إقليمي يسمح بتعظيم الرسائل السياسية المصاحبة له، سواء فيما يتعلق بمفاوضات السلام بين أرمينيا وأذربيجان، أو بالتطورات المرتبطة بمشروعات الممرات الإقليمية، أو بالتحولات الأوسع في البيئة الأمنية لجنوب القوقاز، أو بتداعيات الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ومن ثم، فإن الاتفاقية تبدو أقرب إلى كونها مسألة توقيت سياسي أكثر من كونها محل خلاف بين الطرفين، وهو ما يعزز احتمالات انتقال العلاقات الإيرانية الأرمينية إلى مرحلة جديدة من الشراكة المؤسسية خلال المستقبل القريب.
المكاسب الإيرانية من اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع أرمينيا:
تمثل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المرتقبة بالنسبة لإيران أداة لإعادة تثبيت حضورها الجيوسياسي في جنوب القوقاز، في مرحلة تشهد تحولا واضحا في طبيعة النظام الإقليمي للمنطقة، فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تعاملت طهران مع القوقاز باعتباره مجالا حيويا يرتبط مباشرة بأمنها القومي، سواء بسبب القرب الجغرافي، أو الروابط التاريخية والثقافية، أو أهمية المنطقة في حسابات الطاقة والنقل والتجارة، إلا أن السنوات الأخيرة، خاصة بعد طوفان الأقصى والمواجهات العسكرية المباشرة بين إيران وحلفائها من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فرضت تغيرا في موازين القوى وأسفرت عن تنامي صعود الدور التركي الأذربيجاني، وتزايد الانخراط الغربي، وتراجع نسبي للدور الروسي التقليدي، ومن ثم، فإن بناء شراكة استراتيجية مع أرمينيا يمنح إيران إطارا مؤسسيا للحفاظ على نفوذها في منطقة أصبحت أكثر انفتاحا أمام قوى منافسة، ويحول العلاقة مع يريفان من علاقة جوار تقليدية إلى ركيزة ضمن استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى منع تهميشها في ترتيبات جنوب القوقاز المستقبلية، تتضح أبرز عوائدها فيما يلي:
وتتمثل أولى المكاسب الإيرانية في الحفاظ على العمق الجيوسياسي شمالا ومنع العزلة الإقليمية. فإيران تنظر إلى حدودها مع أرمينيا باعتبارها منفذا استراتيجيا ليس فقط من الناحية الأمنية، وإنما باعتبارها قناة اتصال مع القوقاز وروسيا وأوروبا. وعلى الرغم من قصر الحدود الإيرانية الأرمينية نسبيا (نحو 44 كيلومترا)، فإن قيمتها الاستراتيجية تفوق حجمها الجغرافي؛ لأنها تمثل أحد الممرات القليلة التي تسمح لإيران بالوصول البري المباشر إلى جنوب القوقاز خارج النفوذ التركي أو الأذربيجاني، ولذلك فإن أي ترتيبات إقليمية قد تؤدي إلى تقليص أهمية هذه الحدود أو استبدالها بممرات بديلة تخضع لنفوذ خصوم إيران ستعد من وجهة نظر طهران تهديدا لمكانتها الإقليمية. لذا تمثل الاتفاقية وسيلة لتثبيت العلاقة مع أرمينيا باعتبارها “بوابة شمالية” للمصالح الإيرانية.
ويأتي ملف ممر زانجيزور في مقدمة الاعتبارات الجيوسياسية التي تفسر الحماس الإيراني لتعزيز الشراكة مع أرمينيا، فمنذ نهاية حرب كاراباخ الثانية، أصبحت قضية إنشاء ممر يربط أذربيجان بناختشيفان عبر الأراضي الأرمينية أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في جنوب القوقاز، وترى طهران أن أي صيغة تمنح هذا الممر وضعا خارج السيطرة السيادية الكاملة لأرمينيا قد تؤدي إلى تغييرات استراتيجية عميقة، أبرزها تعزيز الاتصال البري بين تركيا وآسيا الوسطى عبر الأراضي الأذربيجانية، وتقليص أهمية الطريق الإيراني نحو القوقاز، وزيادة النفوذ التركي بالقرب من الحدود الإيرانية الشمالية، ولذلك تسعى إيران إلى تعزيز موقعها مع أرمينيا سياسيا واقتصاديا بهدف ضمان أن أي ترتيبات نقل مستقبلية تمر عبر الإقليم لا تتم على حساب المصالح الإيرانية، حيث تصبح الاتفاقية أداة دبلوماسية واقتصادية لموازنة مشروع الممر التركي الأذربيجاني عبر تعزيز بدائل النقل التي تشارك فيها إيران.
كما تحقق الاتفاقية لإيران مكاسب اقتصادية وجيواقتصادية مهمة، خاصة عبر تعزيز دورها في ممر الشمال-الجنوب الدولي الذي يربط الهند والخليج العربي بروسيا وأوروبا، فطهران تنظر إلى هذا الممر باعتباره أحد أهم الأدوات لتعويض آثار العقوبات الغربية، خاصة في ظل الحرب الحالية عليها والضغط على مضيق هرمز، وتمثل أرمينيا أحد المسارات المحتملة لتعزيز هذا المشروع، نظرا لموقعها بين إيران والبحر الأسود والأسواق الأوروبية. ومن خلال تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة مع أرمينيا، تستطيع إيران زيادة خياراتها التجارية، وتقليل اعتمادها على طرق تمر عبر خصومها، وتعزيز موقعها كمركز عبور إقليمي. كما أن توسيع التعاون في مجالات الكهرباء والغاز يمكن أن يمنح إيران منفذا إضافيا لتوظيف قدراتها الطاقوية في علاقاتها الخارجية، خاصة مع استمرار القيود المفروضة على صادراتها التقليدية.
وتحمل الاتفاقية كذلك أبعادا أمنية وسياسية مهمة بالنسبة لطهران، خاصة في ظل تنامي التعاون بين أذربيجان وإسرائيل، فمنذ سنوات، تنظر إيران بقلق إلى العلاقات الأمنية بين باكو وتل أبيب، والتي تشمل التعاون الدفاعي والاستخباراتي، باعتبارها مصدر تهديد محتمل بالقرب من حدودها الشمالية، ومن ثم، فإن تعزيز الشراكة مع أرمينيا يوفر لإيران مساحة أكبر لمتابعة التطورات الأمنية في جنوب القوقاز، وتعزيز التنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية، والحفاظ على توازن القوى بالقرب من حدودها. ورغم أن الاتفاقية لا يتوقع أن تتحول إلى تحالف عسكري، فإنها ستمنح إيران قدرة أكبر على التأثير السياسي في بيئة أمنية تشهد تنافسا متزايدا بين قوى إقليمية ودولية.
المصالح الأرمينية من اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع إيران:
تنظر أرمينيا إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع إيران كإحدى أدوات تعزيز استقلالية القرار الخارجي وتقليل الاعتماد على شريك واحد، وليس باعتبارها اصطفافا سياسيا ضمن محور إقليمي معين، فقد شكلت حرب كاراباخ الثانية عام 2020 نقطة تحول جوهرية في إدراك يريفان لبيئتها الأمنية، بعدما كشفت محدودية الاعتماد على الضمانات الروسية التقليدية، وأظهرت الحاجة إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات الدولية والإقليمية. ومن هذا المنطلق، جاءت سياسة “تنويع الشراكات” كأحد مرتكزات السياسة الخارجية الأرمينية، حيث سعت الحكومة الأرمينية إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا والهند، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات تعاون مع روسيا وإيران، ومن هذا المنطلق، تمثل الشراكة مع طهران خيارا استراتيجيا يهدف إلى تعزيز هامش الحركة الأرميني في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ويتمثل المكسب الأول لأرمينيا في تعزيز الأمن الجيوسياسي، فبحكم موقعها الجغرافي، تقع أرمينيا بين قوى إقليمية كبرى لها مصالح متنافسة، حيث تحدها تركيا من الغرب وأذربيجان من الشرق، بينما تمثل إيران منفذها الجنوبي الحيوي. وفي ظل استمرار التوترات التاريخية مع تركيا وأذربيجان، تمثل العلاقات الجيدة مع إيران عامل توازن مهما بالنسبة ليريفان، فطهران، رغم اختلافاتها مع أرمينيا في بعض الملفات، ترى استقرار أرمينيا والحفاظ على سيادتها الإقليمية عنصرا يخدم مصالحها، خاصة في مواجهة أي ترتيبات قد تغير ميزان القوى في المنطقة. ومن ثم، تمنح الاتفاقية أرمينيا شريكا إقليميا قادرا على توفير دعم سياسي واقتصادي في مواجهة الضغوط الجيوسياسية المحيطة بها.
كما توفر الاتفاقية لأرمينيا مكاسب اقتصادية مهمة من خلال توسيع علاقاتها التجارية وربط اقتصادها بالأسواق الإقليمية. فإيران تمثل بالنسبة لأرمينيا منفذا حيويا نحو الخليج العربي والمحيط الهندي، خاصة في ظل محدودية خياراتها البرية نتيجة إغلاق الحدود مع تركيا وأذربيجان. ومن خلال تعزيز التعاون في النقل والطاقة، يمكن لأرمينيا أن تستفيد من موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين إيران والبحر الأسود وأوروبا. كما أن مشاركتها بصورة أكبر في ممر الشمال-الجنوب يمكن أن تحول موقعها الجغرافي من تحد استراتيجي إلى فرصة اقتصادية، عبر تطوير البنية التحتية، وزيادة حركة التجارة، وجذب الاستثمارات المرتبطة بالخدمات اللوجستية.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة بالنسبة لقطاع الطاقة الأرمني، إذ يمثل التعاون مع إيران أحد أهم مصادر تنويع إمدادات الطاقة بعيدا عن الاعتماد التقليدي على روسيا. فقد شهدت العلاقات بين البلدين بالفعل تعاونا في مجال الغاز والكهرباء من خلال صيغة تبادل الغاز الإيراني بالكهرباء الأرمينية، وهو نموذج يمكن توسيعه مستقبلا ليشمل مشروعات إضافية في الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، وربط البنية التحتية للطاقة بين البلدين. ويمنح هذا التعاون أرمينيا قدرة أكبر على إدارة أمنها الطاقوي، ويعزز قدرتها على التفاوض مع شركائها الآخرين من موقع أكثر استقلالية.
الانعكاسات الإقليمية والدولية لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية:
يمثل التوقيع المزمع لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين أرمينيا وإيران تطورا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، نظرا لارتباطه بصورة مباشرة بإعادة تشكيل موازين القوى في جنوب القوقاز، وهي المنطقة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة تقاطع بين مشاريع جيوسياسية متنافسة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والنقل والتنافس بين القوى الكبرى، فالاتفاقية تأتي في مرحلة تتراجع فيها قدرة النظام الإقليمي التقليدي الذي كانت روسيا تمسك بمفاصله الرئيسية، مقابل صعود أدوار جديدة لتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين، فضلا عن استمرار إيران في محاولة الحفاظ على مجال نفوذها القريب، ومن ثم، فإن تأثير الاتفاقية لن يقتصر على تعزيز العلاقات الإيرانية الأرمينية، وإنما سيمتد إلى حسابات جميع الأطراف المنخرطة في مستقبل جنوب القوقاز.
ولعل تركيا أكثر الأطراف الإقليمية التي ستراقب تطورات الشراكة الإيرانية الأرمينية، نظرا لأن الاتفاقية تمس بصورة مباشرة أحد الملفات المركزية في الاستراتيجية التركية تجاه القوقاز، وهو ملف الربط الجغرافي مع أذربيجان وآسيا الوسطى. فمنذ حرب كاراباخ الثانية، عززت أنقرة حضورها في المنطقة من خلال دعم أذربيجان سياسيا وعسكريا، والعمل على تطوير مشاريع الربط البري التي تستهدف تعزيز الاتصال بين تركيا والقوقاز وآسيا الوسطى ضمن رؤية أوسع مرتبطة بمفهوم “العالم التركي”. حيث يمثل أي تقارب استراتيجي بين إيران وأرمينيا عنصرا قد يمس المصالح التركية بشكل مباشر، لا سيما إذا أدى إلى تعزيز دور أرمينيا في مشاريع نقل بديلة أو عرقلة ترتيبات تمنح تركيا وأذربيجان اتصالا بريا مباشرا عبر جنوب القوقاز.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تتعامل تركيا مع الاتفاقية باعتبارها تهديدا وجوديا، إذ تدرك أن العلاقة الإيرانية الأرمينية تواجه قيودا عملية مرتبطة بحجم الاقتصاد الأرميني، والعقوبات المفروضة على إيران، وحرص يريفان على الحفاظ على علاقاتها مع الغرب. ولذلك قد تتجه أنقرة إلى إدارة التنافس مع طهران عبر تعزيز شراكتها مع أذربيجان، وتسريع مشاريع النقل الإقليمية، وفي مقدمتها الممرات التي تربط شرق الأناضول ببحر قزوين وآسيا الوسطى، ومن المرجح أن يتحول جنوب القوقاز بصورة أكبر إلى مساحة تنافس بين نموذجين للربط الإقليمي؛ نموذج تركي أذربيجاني يقوم على توسيع الاتصال عبر بحر قزوين، ونموذج إيراني أرميني يركز على ممر الشمال-الجنوب وتعزيز دور إيران كمحور عبور.
بينما تمثل أذربيجان الطرف الأكثر حساسية تجاه أي تقارب استراتيجي بين طهران ويريفان، بسبب التنافس التاريخي والجيوسياسي بين باكو وطهران، رغم وجود علاقات اقتصادية ودبلوماسية بين البلدين، حيث تنظر أذربيجان إلى جنوب القوقاز باعتباره مجالا استراتيجيا اكتسبت فيه نفوذا متزايدا بعد انتصارها العسكري في حرب كاراباخ الثانية واستعادة السيطرة على الإقليم عام 2023، ومن ثم، فإن توقيع اتفاقية استراتيجية بين إيران وأرمينيا قد يقرأ في باكو باعتباره محاولة إيرانية لتعزيز التوازن في مواجهة النفوذ الأذربيجاني المتصاعد، خاصة فيما يتعلق بملفات الحدود والممرات الإقليمية.
ويكتسب ملف ممر زانجيزور أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ ترى أذربيجان أن إنشاء اتصال بري مع إقليم ناخيتشيفان يمثل استكمالا طبيعيا لتعزيز ترابط أراضيها، بينما تخشى إيران من أن يؤدي ذلك إلى تقليص موقعها الجيوسياسي أو خلق واقع جديد يعزز النفوذ التركي بالقرب من حدودها، ولذلك فإن الاتفاقية الإيرانية الأرمينية قد تؤدي إلى زيادة حساسية الملف، وربما تدفع باكو إلى تعزيز تنسيقها مع أنقرة وتكثيف تحركاتها الدبلوماسية لضمان ألا تتحول الشراكة بين طهران ويريفان إلى عامل يحد من قدرتها على تنفيذ رؤيتها للممرات الإقليمية.
لكن في الوقت نفسه، من غير المرجح أن تؤدي الاتفاقية إلى عودة التوترات الكبرى بين إيران وأذربيجان، إذ يدرك الطرفان أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال الاقتصادية والأمنية، خاصة في ظل حاجة باكو إلى الاستقرار الإقليمي لاستكمال دورها كمركز للطاقة والنقل، وبالتالي فإن السيناريو الأكثر احتمالا هو استمرار التنافس الهادئ بين الطرفين، مع محاولة كل دولة تعزيز نفوذها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وارتباطا بأذربيجان، تمثل العلاقات الإيرانية الأرمينية بعدا مهما بالنسبة لإسرائيل، فقد أدى التعاون الإسرائيلي الأذربيجاني في مجالات الدفاع والاستخبارات والطاقة إلى زيادة الحساسية الإيرانية تجاه التطورات في جنوب القوقاز، ومن ثم، فإن تعزيز الشراكة بين إيران وأرمينيا قد ينظر إليه إسرائيليا باعتباره محاولة إيرانية لتحسين موقعها الاستراتيجي في منطقة قريبة من المجال الأمني الإسرائيلي.
لكن من غير المرجح أن تتحول الاتفاقية إلى عامل يغير التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بصورة مباشرة، إذ إن طبيعتها المتوقعة تتركز على السياسة والاقتصاد والطاقة والنقل أكثر من المجال العسكري، ومع ذلك، فإنها تعكس اتجاها أوسع يتمثل في استخدام إيران للشراكات الإقليمية لتعزيز قدرتها على المناورة في مواجهة الضغوط الدولية، وهو ما يجعل جنوب القوقاز جزءا محوريا من التنافس الإيراني الإسرائيلي المباشر، لا سيما في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وعلى المستوى الدولي، قد تعتبر الاتفاقية تحديا مركبا بالنسبة لروسيا، التي اعتبرت جنوب القوقاز لعقود مجال نفوذ تقليديا ومكونا أساسيا من منظومة أمنها القومي. فقد أدى تراجع الدور الروسي عقب انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا إلى منح دول المنطقة مساحة أكبر لتنويع علاقاتها الخارجية، وهو ما ظهر بوضوح في السياسة الأرمينية خلال السنوات الأخيرة. ومن ثم، فإن توقيع اتفاقية استراتيجية بين أرمينيا وإيران يعكس استمرار الاتجاه نحو تعدد الشراكات الخارجية وتقليص الاعتماد الحصري على روسيا.
ورغم ذلك، لا تمثل الاتفاقية بالضرورة خسارة مباشرة لموسكو؛ إذ تشترك روسيا وإيران في العديد من المصالح الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بمواجهة النفوذ الغربي والحفاظ على مسارات نقل بديلة بعيدا عن الضغوط الأوروبية. كما أن تعزيز التعاون الإيراني الأرميني قد يخدم جزئيا بعض مصالح روسيا المرتبطة بممر الشمال-الجنوب، الذي يمثل أحد المشاريع المهمة لموسكو لتطوير طرق تجارية بديلة في ظل العقوبات الغربية. ولذلك قد تتعامل روسيا مع الاتفاقية بقدر من البراغماتية، بحيث تدعم بعض جوانبها الاقتصادية، مع استمرار قلقها من تراجع نفوذها السياسي داخل أرمينيا.
فيما تأتي الشراكة الإيرانية الأرمينية في وقت تشهد فيه العلاقات بين أرمينيا والغرب تطورا ملحوظا، خاصة مع توسع التعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجالات الإصلاح المؤسسي والأمن والدفاع، لذا فإن العواصم الغربية ستتابع الاتفاقية من منظورين متباينين؛ فمن ناحية، قد تراها عاملا يعزز استقلالية أرمينيا عن روسيا ويمنحها خيارات أوسع في سياستها الخارجية، ومن ناحية أخرى، قد تثير مخاوف مرتبطة بتعميق التعاون مع إيران، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها المركبة.
ومن المرجح أن تتعامل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع الاتفاقية وفق مقاربة صبورة، بحيث تركز على طبيعة المشاريع التي ستنتج عنها، وليس على مجرد توقيعها، فإذا انحصرت في مجالات الطاقة والنقل والتجارة، فقد يكون رد الفعل الغربي محدودا، أما إذا تضمنت أبعادا أمنية أو ساعدت إيران على تجاوز العقوبات أو توسيع نفوذها الإقليمي، فقد تواجه ضغوطا سياسية أكبر. وفي جميع الأحوال، فإن استمرار أرمينيا في سياسة التوازن بين إيران والغرب سيحدد طبيعة ردود الفعل الدولية.
السيناريوهات المستقبلية لمسار اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين أرمينيا وإيران
تطرح الاتفاقية المرتقبة بين إيران وأرمينيا ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: التحول إلى شراكة استراتيجية اقتصادية مستقرة (الأكثر ترجيحا): يفترض هذا السيناريو توقيع الاتفاقية وتحولها إلى إطار مؤسسي لإدارة العلاقات الثنائية دون انتقالها إلى تحالف سياسي أو أمني. ووفق هذا المسار، ستتركز مخرجات الاتفاقية على تعزيز التعاون في الطاقة والنقل والتجارة والبنية التحتية والتعليم، مع استمرار التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية.
ويعد هذا السيناريو الأكثر احتمالا بالنظر إلى طبيعة مصالح الطرفين؛ فإيران ترغب في تعزيز نفوذها دون تحمل أعباء تحالفات مكلفة، بينما تسعى أرمينيا إلى الحفاظ على سياسة التوازن بين مختلف الشركاء. وبالتالي، فإن الاتفاقية ستعمل كأداة لتعزيز الاعتماد المتبادل، وليس لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بصورة جذرية.
السيناريو الثاني: محدودية تنفيذ الاتفاقية بسبب الضغوط الدولية (المحتمل): قد تواجه الاتفاقية تحديات عملية مرتبطة بالعقوبات المفروضة على إيران، وضعف القدرة الاستثمارية، والقيود الاقتصادية الأرمينية. وفي حال عدم قدرة الطرفين على تحويل الاتفاق السياسي إلى مشروعات اقتصادية ملموسة، قد تتحول الاتفاقية إلى إطار رمزي أكثر منها شراكة عملية. ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا مارس الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومشاريعه الاقتصادية، وعلى رأسها ممر ترمب للسلام والازدهار، ضغوطا على أرمينيا للحد من التعاون الاقتصادي مع إيران، أو إذا واجهت مشاريع النقل والطاقة المشتركة عقبات تمويلية أو سياسية.
السيناريو الثالث: تعميق البعد الجيوسياسي والأمني للاتفاقية (المستبعد): وفق هذا السيناريو، قد تدفع التطورات الإقليمية، خاصة تداعيات المواجهة العسكرية الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتصاعد التوترات حول ممرات النقل والطاقة، إلى توسيع الاتفاقية لتشمل مستويات أكبر من التنسيق الأمني والسياسي.
وقد يظهر ذلك من خلال زيادة تبادل المعلومات وتعزيز التعاون في أمن الحدود، بجانب تنسيق المواقف تجاه مشاريع النقل الإقليمية وحماية البنية التحتية الاستراتيجية. إلا أن تحقق هذا السيناريو يظل ضعيفا لارتباطه بتصاعد الضغوط على إيران جراء الحرب الدائرة، وتعرض أرمينيا لأزمات أمنية وداخلية جديدة، خاصة أن الطرفين يدركان مخاطر تحويل الشراكة إلى تحالف أمني صريح.
الخاتمة
تمثل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المرتقبة بين أرمينيا وإيران مؤشرا مهما على التحولات الجارية في جنوب القوقاز. وعلى الرغم من أن الاتفاقية لن تؤدي بمفردها إلى تغيير جذري في خريطة التحالفات الإقليمية، فإن أهميتها تكمن في كونها جزءا من اتجاه أكبر يتمثل في إعادة تشكيل شبكة العلاقات في جنوب القوقاز على أساس تعدد الشراكات وتنافس الممرات الاقتصادية. ومن ثم، فإن تأثيرها الحقيقي سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويلها من وثيقة سياسية إلى مشروعات عملية في مجالات النقل والطاقة والتجارة، وعلى قدرة أرمينيا على الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع إيران والغرب وروسيا.
وبناء عليه، يمكن القول إن الاتفاقية تمثل أداة لإدارة التوازنات أكثر من كونها تحالفا جديدا؛ فهي تمنح إيران نافذة استراتيجية للحفاظ على حضورها الإقليمي، وتمنح أرمينيا مساحة أكبر للمناورة في بيئة أمنية معقدة، لكنها في الوقت ذاته ستزيد من حساسية جنوب القوقاز باعتباره أحد الميادين الرئيسية للتنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية في مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-08-11 21:39:00
الكاتب: غدي قنديل
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-08-11 21:39:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




