مستقبل مرفأ طرطوس: حسابات اقتصادية للاتفاق الروسي السوري


بعد عامٍ ونصف من المفاوضات التي قادتها وزارة الخارجيّة والمغتربين في دمشق، تمكنت السلطات السوريّة من التوصّل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا، لإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي في سوريا. ونصّت مذكرة التفاهم على تولّي دمشق إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، ابتداءً من مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس، وهو ما يسمح بإدماج هذه المنشآت ضمن منظومة الإدارة المدنيّة السوريّة. ونصّ الاتفاق على مهلة زمنيّة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة لإتمام عمليّة التسليم، على أن تتم إعادة صياغة دور المنشآت العسكريّة الروسيّة، لتتحوّل إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وبحسب ترتيبات جديدة يتم الاتفاق عليها.

خلفيّات اقتصاديّة

لهذا الاتفاق خلفيّات اقتصاديّة واستثماريّة، مرتبطة بالدور الذي سيلعبه مرفأ طرطوس في الحوض الشرقي للبحر المتوسّط. ولفهم الخلفيّة، من المهم معرفة الأبعاد المرتبطة بالوجود الروسي في مرفأ طرطوس.

في عام 2019، منح النظام السوري السابق شركة Stroytransgaz الروسيّة عقداً لمدّة تناهز النصف قرن، لإدارة وتطوير القسم التجاري من مرفأ طرطوس. وكانت روسيا تتطلّع للاستفادة من هذا العقد، لتحويل مرفأ طرطوس إلى مركز لإعادة تصدير الحبوب والمنتجات الروسيّة، إلى أسواق البحر الأبيض المتوسّط.

وبهذا المعنى، كانت روسيا تحاول استخدام مرفأ طرطوس لاكتساب ميزة تنافسيّة ولوجستيّة، لتسويق صادراتها بكلفة أقل في أسواق المنطقة. وكان هذا الاتفاق جزءًا من نموذج استثماري تشكّل في حقبة الثورة السوريّة، حيث قام نظام الأسد بمنح امتيازات اقتصاديّة طويلة الأجل لروسيا، في مقابل الدعم الذي قدّمته للنظام السابق.

بعد إسقاط نظام الأسد، باشرت السلطات السوريّة الجديدة تفكيك هذا النموذج، حيث ألغت في مطلع العام 2025 الامتياز الممنوح لـStroytransgaz، مع اتهامها بعدم تنفيذ التزاماتها في الاتفاق. ثم وقّعت في صيف العام نفسه اتفاقاً مع DP World الإماراتية، لمدّة 30 سنة، لتحديث المرفأ وتشغيله وتحويله إلى مركز تجاري ولوجستي إقليمي. وبالفعل، باشرت الشركة الإماراتيّة العمل في المرفأ، وأدخلت رافعات جديدة يُفترض أن ترفع القدرة العمليّاتيّة للمرفأ بنحو 40 بالمئة.

وكان اهتمام السلطات السوريّة باستثمار منافذها البحريّة أوسع من مرفأ طرطوس وحده. ففي أيار 2025، وقعت السلطات السوريّة اتفاقًا آخر مع شركة CMA CGM الفرنسية، لتطوير وتوسعة محطة الحاويات في المرفأ. مع الإشارة إلى أنّ الشركة الفرنسيّة نفسها تمتلك عقد تطوير وتشغيل محطّة الحاويات في مرفأ بيروت، ما يجعل استثماراتها في سوريا جزءًا من سلسلة لوجستيّة إقليميّة تعمل عليها الشركة.

قصّة الرصيف الرابع

في مقابل هذه المساعي السوريّة، كانت موسكو تحاول العودة اقتصادياً من بوابة الرصيف الرابع لمرفأ طرطوس، الذي تسيطر عليه كامتداد لوجودها العسكري هناك. إذ قبل شهرٍ واحد من الاتفاق الحالي، سُربت أنباء عن سعي موسكو لتنفيذ مشروعها المرتبط بإنشاء مركز إقليمي لتجميع وإعادة توزيع السلع الروسيّة، انطلاقاً من الرصيف رقم أربعة في مرفأ طرطوس.

وتحدتث التسريبات عن نحو 250 ألف طن من الحبوب، يمكن أن تمر شهرياً عبر هذا الرصيف. غير أنّ استمرار المحادثات الروسيّة السوريّة، وإصرار الجانب السوري على استلام المنشآت ذات الطابع المدني والاقتصادي، لم يسمح بتنفيذ المشروع.

بهذا المعنى، لم يكن انتقال الرصيف الرابع إلى الإدارة السوريّة مجرّد تفصيل إداري. بل حسم هذا الانتقال من يملك السلطة على إحدى البوابات التجاريّة، التي حاولت موسكو الحفاظ عليها لتعزيز نفوذها الاقتصاديّ بعد خسارة امتيازاتها السابقة. وبالنسبة لدمشق، يتجاوز هذا الملف بأهميّته الجانب المرتبط بالسيادة الوطنيّة، إذ تمثّل المنافذ البحريّة أصولاً استثماريّة قادرة على توليد الرسوم الجمركية، وجذب الاستثمارات، وخفض تكاليف الاستيراد والتصدير، وربط سوريا مجدداً بسلاسل التجارة الإقليمية.

باختصار، يمثّل هذا التفاهم مرحلة جديدة، ضمن عمليّة إعادة توزيع الأصول الاقتصادية السورية التي ارتبطت بروسيا خلال سنوات الحرب. واستعادة الرصيف الرابع لن تسمح لدمشق فقط بالسيطرة على أصل استثماري أساسي، بل ستسمح كذلك بتوحيد إدارة المرفأ ضمن رؤية استثماريّة ولوجستيّة واحدة، بعد سنوات من تعدّد الامتيازات ومراكز السيطرة داخله. وخلال المرحلة المقبلة، سيكون الاختبار الأهم أمام دمشق حول قدرة السلطات السوريّة على تحويل هذا التفاهم إلى مكسب اقتصادي ملموس، عبر رفع القدرة التشغيليّة للمرفأ، واستقطاب خطوط الشحن والتجارة إليه، وربطه بشبكات النقل والأسواق العالميّة.




■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: lebanoneconomy.net

تاريخ النشر: 2026-08-12 06:43:00

الكاتب: hanay shamout

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
lebanoneconomy.net
بتاريخ: 2026-08-12 06:43:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version