الدفاع والامن

النجوم تقود الأسلحة فرط الصوتية.. ابتكار صيني لمواجهة تشويش الأقمار الصناعية

bbcorp
من دليل البحارة إلى بوصلة الأسلحة فرط الصوتية.. الصين تطور مستشعرًا للملاحة بالنجوم

موقع الدفاع العربي – 14 أغسطس/آب 2026: منذ قرون، اعتمد البحارة على النجوم لتحديد مواقعهم واتجاهاتهم في عرض البحر، لكن هذه الوسيلة التقليدية قد تجد طريقها اليوم إلى عالم الأسلحة والمركبات فرط الصوتية. فقد أعلن باحثون في الصين تطوير نموذج أولي لمستشعر نجمي يمكن أن يساعد المركبات التي تتجاوز سرعتها خمسة أضعاف سرعة الصوت «ماخ 5» على الحفاظ على مسارها حتى في حال تعرض أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية للتشويش أو التعطل.

وطورت الصين نظام ملاحة قائمًا على رصد النجوم، صُمم لتوجيه المركبات فرط الصوتية في حال انقطاع أو تدهور إشارات الأقمار الصناعية.

وأكمل باحثون في أكاديمية قوانغدونغ لأبحاث الفضاء الجوي المشروع بعد خضوعه لمراجعة من خبراء يوم الاثنين، فيما أعلنت الأكاديمية نتائج المشروع في 10 أغسطس/آب.

ويستهدف النظام إحدى أبرز نقاط الضعف التي تواجه الطيران عالي السرعة، إذ يمكن أن تتعطل الملاحة عبر الأقمار الصناعية إذا تمكن خصم من التشويش على إشارات نظام GPS الأمريكي أو نظام بيدو (BeiDou) الصيني.

وهنا توفر الملاحة الفلكية مسارًا بديلًا، من خلال استخدام النجوم كنقاط مرجعية ثابتة لتحديد موقع المركبة واتجاهها، ما قد يمنح الأسلحة فرط الصوتية طبقة إضافية للملاحة خلال العمليات في بيئات تشهد صراعًا إلكترونيًا، ويقلل اعتمادها على الإشارات الخارجية.

ويعتمد المفهوم على الملاحة السماوية، أي تحديد موقع المركبة واتجاهها من خلال رصد النجوم ومواقعها، من دون الاعتماد على إشارات خارجية. وتوفر هذه التقنية ميزة مهمة للمركبات العسكرية التي تعمل في بيئات قد تتعرض فيها أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية للحجب أو الحرب الإلكترونية.

لكن تطبيق الملاحة بالنجوم على مركبة فرط صوتية ليس مهمة سهلة. فعند السرعات التي تتجاوز ماخ 5، يؤدي الاحتكاك الشديد مع الغلاف الجوي إلى ارتفاع هائل في درجات الحرارة وتكوين طبقة من البلازما حول المركبة. ويمكن لهذه البيئة أن تشوه الضوء القادم من النجوم، إضافة إلى إصدار إشعاعات قد تعيق أجهزة الاستشعار عن رؤية النجوم بوضوح.

ولمعالجة هذه المشكلة، عمل الباحثون على إنشاء قواعد بيانات تحاكي الإشعاعات والظروف المحيطة بالمركبة أثناء الطيران، كما طوروا برمجيات لمحاكاة تأثير هذه البيئة على الضوء القادم من النجوم. وسمحت هذه الحسابات بالتنبؤ بدرجة انحراف صور النجوم، ومن ثم تصميم مستشعر قادر على التعامل مع التشويش الناتج عن البيئة الفرط صوتية.

وأظهرت الاختبارات، وفق الباحثين، قدرة المستشعر على التعرف إلى أنماط النجوم بدقة تجاوزت 99% في الظروف التي لم تشهد تداخلًا كبيرًا، بينما بقيت الدقة أعلى من 80% حتى عند تعرضه لظروف قوية من الإشعاع والديناميكا الهوائية.

وتبرز أهمية هذه التقنية خصوصًا في الأنظمة التي تحتاج إلى وسيلة ملاحة مستقلة عن البنية التحتية الفضائية. فإذا تمكنت المركبة من تحديد موقعها واتجاهها اعتمادًا على النجوم، فإن فقدان إشارات الأقمار الاصطناعية لن يعني بالضرورة فقدان القدرة على الملاحة، وهو ما قد يمثل ميزة إضافية للمركبات والأسلحة التي تعمل بسرعات عالية وفي بيئات تتسم بالتشويش الإلكتروني.

ولا تقتصر التطبيقات المحتملة لهذه التقنيات على المجال العسكري، إذ أشار الباحثون إلى إمكانية توظيف تقنيات قياس الإشعاع في مجالات أخرى، بينها اختبار المحركات ومراقبة عمليات الاحتراق في التطبيقات الصناعية.

وهكذا، انتقلت الملاحة بالنجوم من أداة بسيطة كانت في يد البحارة لتحديد الطريق في المحيطات، إلى تقنية استشعار متقدمة يجري تكييفها للعمل داخل بيئة قاسية تحيط بالمركبات فرط الصوتية. تغيرت السرعات والأدوات على مدى قرون، لكن النجوم قد تظل، بطريقة أو بأخرى، دليلًا على الطريق.

النجوم لتوجيه المركبات فرط الصوتية

رغم أن الملاحة الفلكية معروفة منذ قرون، فإن استخدامها مع المركبات التي تتجاوز سرعتها ماخ 5 يفرض تحديات هندسية استثنائية.

فعندما تتحرك المركبة بسرعات فرط صوتية داخل الغلاف الجوي، يتولد احتكاك هائل يؤدي إلى ارتفاع شديد في درجات الحرارة وتكوين طبقة من الغازات الساخنة حولها.

ويمكن لهذه الطبقة أن تشوه ضوء النجوم القادم إلى المستشعرات قبل أن تتمكن من معالجته، كما تنتج إشعاعات قوية قد تطغى على الإشارات الضعيفة القادمة من النجوم.

ولمواجهة هذه المشكلة، اعتمد الباحثون على نمذجة الإشعاع وتطوير أجهزة استشعار متخصصة، إلى جانب إنشاء قواعد بيانات تغطي الإشعاع الناتج عن الهواء الساخن والتداخل الحراري.

كما طور الفريق برمجيات لمحاكاة الإشعاع المحيط بالمركبة أثناء تحليقها بسرعات عالية، ووصلت دقة المحاكاة الطيفية إلى 0.12 نانومتر.

وأفاد الباحثون بأن نسبة أخطاء المحاكاة بقيت في حدود 18.9%، ما ساعدهم على تقدير كيفية تأثير الظروف الجوية والحرارية المحيطة بالمركبة على مظهر النجوم كما ترصدها أجهزة الاستشعار.

وبناءً على هذه النتائج، طور الفريق نموذجًا أوليًا لمستشعر نجمي قادر على العمل في ظل مستويات مرتفعة من التداخل الإشعاعي.

ولا تكمن المشكلة في مجرد اكتشاف النجوم، بل في قدرة نظام الملاحة على التعرف بسرعة إلى أنماطها بما يكفي لمواكبة مركبة تتحرك بسرعات هائلة.

دقة عالية رغم الظروف القاسية

خلال الاختبارات، تجاوز معدل التعرف إلى أنماط النجوم 99% في غياب التداخل الإشعاعي. ورغم تراجع الأداء عند التعرض لتداخلات ديناميكية هوائية شديدة، حافظ النظام على قدرة للتعرف إلى أنماط النجوم تجاوزت 80%.

كما حقق المستشعر دقة في قياس وضعية المركبة أفضل من 5 ثوانٍ قوسية، علمًا بأن الثانية القوسية الواحدة تساوي 1/3600 من الدرجة.

وتكتسب هذه الدقة أهمية كبيرة بالنسبة للمركبات التي تتحرك بسرعات هائلة، إذ يمكن لأخطاء صغيرة في تحديد الاتجاه أن تتراكم أثناء الطيران وتتحول إلى أخطاء كبيرة في تحديد الموقع.

ومن المرجح أن يعمل النظام إلى جانب الملاحة بالقصور الذاتي بدلًا من استبدالها، بحيث يوفر النظامان معًا وسيلة احتياطية للملاحة عندما تصبح الملاحة عبر الأقمار الصناعية غير متاحة.

تحدٍ تواجهه أنظمة الأسلحة فرط الصوتية

بالنسبة إلى مخططي الدفاع الأمريكيين، يعكس هذا التطور تحديًا أوسع يتعلق بالملاحة في بيئة استخدام الأسلحة فرط الصوتية، إذ تواجه الأنظمة الأمريكية أيضًا مشكلة الحفاظ على الملاحة عندما تتعرض إشارات GPS للهجوم أو التشويش.

ولا تقتصر الأبحاث الصينية على التطبيقات العسكرية، وفقًا للأكاديمية، إذ جرى توظيف تقنيات الإشعاع التي طورها الباحثون في اختبارات المحركات ومراقبة عمليات الاحتراق الصناعية.

وقالت الأكاديمية إن هذه التطبيقات حققت مبيعات إضافية بلغت نحو 10 ملايين يوان، كما استخدمت مؤسسات بحثية في مجال الطيران والفضاء هذه التكنولوجيا في مشاريع ذات أهمية بالغة للمهام.

وبالنسبة للمركبات فرط الصوتية، يظل التحدي الأساسي هو القدرة على الملاحة داخل بيئة قاسية يمكن أن تجعل رؤية النجوم صعبة بسبب الحرارة والإشعاع المحيط بالمركبة.

لكن النموذج الأولي الصيني يشير إلى أن الباحثين يعملون على تجاوز هذه العقبة، وقد توفر الملاحة الفلكية الموثوقة وسيلة احتياطية تجعل المركبات عالية السرعة أقل اعتمادًا على إشارات الأقمار الصناعية.

وتزداد أهمية هذه القدرة في المهام التي تشهد استخدامًا مكثفًا للحرب الإلكترونية وتعطيل أنظمة الملاحة التقليدية، إذ يمكن للملاحة بالنجوم أن تمنح المركبات وسيلة إضافية للحفاظ على التوجيه عندما تصبح إشارات تحديد الموقع الخارجية غير متاحة.

مقالات ذات صلة