شي جين بينغ في القاهرة.. قمة مصرية صينية تاريخية وسط تقارب عسكري متسارع

قمة مصرية صينية تاريخية.. شي جين بينغ في القاهرة ومصر والصين أمام مرحلة جديدة من الشراكة.

موقع الدفاع العربي – 28 أغسطس/آب 2026: في وقت تتغير فيه خرائط التجارة والطاقة والأمن في الشرق الأوسط، تتجه أنظار بكين إلى القاهرة مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، في زيارة هي الأولى له منذ نحو عشر سنوات، وتأتي في توقيت تختلف فيه المنطقة بصورة كبيرة عما كانت عليه خلال زيارته السابقة.

وأعلنت الرئاسة المصرية أن شي جين بينغ سيلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الأيام المقبلة، لبحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن الملفات الإقليمية والدولية.

ولم تعد الشراكة المصرية الصينية تقتصر على البيانات السياسية، بل توسعت لتشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، ووصلت إلى المجال العسكري والجوي. وقبل وصول الرئيس الصيني، حلقت مقاتلات صينية في الأجواء المصرية ضمن مناورات «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة مقاتلات J-16 إلى جانب الطائرات المصرية، في تدريبات شملت القتال الجوي والتفوق الجوي وعمليات البحث والإنقاذ.

شي جين بينغ في القاهرة.. قمة مصرية صينية تاريخية وسط تقارب عسكري متسارع
مقاتلة J-16 الصينية في تمرين «نسور الحضارة 2026».

وشهدت مناورات «نسور الحضارة 2026» جانباً لافتاً من التقارب العسكري المتزايد بين القاهرة وبكين، بعدما حلقت مقاتلات صينية من طراز J-16 إلى جانب مقاتلات تابعة للقوات الجوية المصرية، من بينها رافال الفرنسية وميغ-29 إم، في تدريبات عكست مستوى متقدماً من التنسيق العملياتي بين الجانبين.

وتكتسب مشاركة J-16 أهمية خاصة، باعتبارها واحدة من أبرز المقاتلات متعددة المهام في القوات الجوية الصينية، وظهورها في تدريب جوي مشترك مع رافال وميغ-29 المصرية يمنح المناورات بعداً يتجاوز التدريب التقليدي، خصوصاً مع تركيزها على مهام القتال الجوي والتفوق الجوي والبحث والإنقاذ.

ويأتي هذا التعاون العسكري في وقت تتزايد فيه الأنباء والتقارير حول احتمال انتقال العلاقات الدفاعية المصرية الصينية إلى مرحلة أكثر تقدماً، من خلال صفقات تسليح كبيرة قد تشمل مقاتلات صينية متطورة. وتتركز التكهنات بصورة خاصة حول J-10، باعتبارها مقاتلة متعددة المهام من الجيل الرابع المتقدم، إلى جانب J-35، المقاتلة الشبحية الصينية التي تنتمي إلى الجيل الخامس.

وفي حال تحولت هذه التقارير إلى اتفاقات رسمية، فإن دخول مقاتلات J-10 وJ-35 إلى الخدمة المصرية سيمثل تطوراً مهماً في خريطة تسليح القوات الجوية المصرية، وسيعزز سياسة القاهرة القائمة على تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد على مورد واحد، كما سيمنحها إمكانية الوصول إلى تقنيات وقدرات جوية صينية متقدمة.

وتزداد أهمية هذه التطورات مع توقيت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، إذ يأتي الحضور العسكري الصيني في مصر بالتزامن مع تنامي العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، ما يفتح الباب أمام انتقال الشراكة الدفاعية من التدريبات والمناورات المشتركة إلى التعاون في مجال المقاتلات والتسليح وربما التصنيع ونقل التكنولوجيا مستقبلاً.

J-35A

اقتصادياً، تكتسب العلاقات بين القاهرة وبكين ثقلاً متزايداً، إذ بلغ حجم التجارة بين البلدين خلال النصف الأول من العام نحو 11.8 مليار دولار، بزيادة تقارب 23%. لكن الميزان التجاري لا يزال يميل بقوة لصالح الصين، وهو ما يطرح أحد أبرز تحديات الشراكة، والمتمثل في الانتقال بمصر من كونها سوقاً رئيسية للمنتجات الصينية إلى قاعدة أوسع للإنتاج والتصدير نحو الأسواق الأفريقية والإقليمية.

وتأتي أهمية مصر بالنسبة للصين في إطار جغرافي واستراتيجي أوسع يتجاوز العلاقات الثنائية. فالقاهرة تقع عند نقطة التقاء طرق التجارة بين آسيا والخليج والبحر الأحمر وأفريقيا، فيما تمثل قناة السويس أحد أهم الممرات في حركة التجارة العالمية.

ولا يمكن قراءة الحضور الصيني في القاهرة بمعزل عن علاقة بكين بالخليج وإيران. فالصين تتعامل مع الشرق الأوسط بمنطق المصالح المتوازنة؛ إذ يمثل الخليج مصدراً رئيسياً للطاقة والاستثمارات، بينما تعد إيران شريكاً استراتيجياً لا تريد بكين خسارته. ولذلك تحافظ الصين على علاقاتها مع العواصم الخليجية وفي الوقت نفسه تبقي قنواتها مفتوحة مع طهران، مع تفضيل واضح لعدم التحول إلى طرف مباشر في صراعات المنطقة.

وتفسر الأرقام جانباً كبيراً من هذا النهج، فقد بلغت التجارة الصينية العربية نحو 407.4 مليارات دولار في 2024، من بينها حوالي 326 مليار دولار مع دول الخليج وحدها. ومن ثم، لا تنظر بكين إلى المنطقة باعتبارها سوقاً ضخمة فقط، بل باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ويبرز مضيق هرمز هنا كأحد أصعب الاختبارات للسياسة الصينية في المنطقة، فأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر الحيوي، الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز، يمكن أن ينعكس مباشرة على الاقتصاد الصيني قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية. ولهذا تبدو بكين، في ظل التوتر بين إيران والولايات المتحدة، حريصة على التهدئة وضمان حرية الملاحة، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة منفصلة عن المشهد الإقليمي الأوسع. فمصر بالنسبة للصين ليست مجرد سوق، وقناة السويس ليست مجرد ممر تجاري، بل تمثلان نقطة ارتكاز في شبكة استراتيجية تمتد من آسيا إلى الخليج والبحر الأحمر وأفريقيا.

ومع تغير موازين القوى الدولية والإقليمية، تبدو الاستراتيجية الصينية أكثر ميلاً إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات بدلاً من الانحياز إلى طرف واحد. وفي هذه المعادلة، تسعى بكين إلى الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة والتحرك مع مختلف القوى، بينما تكتسب مصر أهمية متزايدة باعتبارها إحدى أهم نقاط الارتكاز الصينية في المنطقة.

/* Shares”}};
/* ))> */

Exit mobile version