دولة
وأضاف أن السنوات التي مرت منذ انسحاب الهند لم تغيّر، وفق تقييمه، من هذه النقطة الأساسية، معتبرًا أن المقاتلة التي تظهر اليوم هي الطائرة ذاتها التي كانت موضع تحفظات الجانب الهندي.
في المقابل، نشرت وسائل إعلام روسية ردودًا تقنية على تصريحات المحلل الهندي، مشيرة إلى وجود فروقات جوهرية بين سو-57 وسو-30، سواء على مستوى التصميم أو فلسفة التطوير.
وبحسب هذه المصادر الروسية، فقد صُممت سو-57 منذ البداية كمقاتلة منخفضة البصمة الرادارية، من خلال اعتماد هيكل مدمج وأسطح وزوايا هندسية تهدف إلى تقليل انعكاس الموجات الرادارية، إلى جانب استخدام المواد المركبة وحجرات داخلية لحمل الأسلحة. أما سو-30، التي تنحدر من عائلة سو-27، فتعتمد تصميمًا من جيل مختلف، مع حمل الأسلحة وخزانات الوقود خارجيًا، وهو ما يزيد من بصمتها الرادارية مقارنة بالطائرات المصممة وفق مفهوم التخفي.
وتؤكد وسائل الإعلام الروسية كذلك أن سو-57 لا تمثل مجرد تطوير لسو-30، بل جرى تطويرها بهيكل جديد ومختلف، مع استخدام واسع للمواد المركبة وإعادة تصميم مداخل المحركات والأسطح الخارجية وحجرات الأسلحة، إضافة إلى دمج منظومات إلكترونيات واستشعار وتسليح حديثة تتوافق مع المتطلبات المعلنة لمقاتلة من الجيل الخامس.
ومن بين الفروقات التي تشير إليها المصادر الروسية أيضًا قدرة سو-57 على تنفيذ التحليق فوق الصوتي دون الحاجة المستمرة إلى استخدام الحارق اللاحق، وهي خاصية تُعرف باسم التحليق فوق الصوتي الاقتصادي (Supercruise)، بينما يتطلب الوصول إلى السرعات فوق الصوتية في سو-30 عادةً تشغيل الحارق اللاحق، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع كبير في استهلاك الوقود.
ومع ذلك، تبقى مسألة مستوى التخفي الذي توفره سو-57 مقارنة بمقاتلات مثل إف-22 وإف-35 محل نقاش، خصوصًا في ظل عدم توفر بيانات علنية موثوقة تسمح بإجراء مقارنة دقيقة لأرقام البصمة الرادارية بين هذه الطائرات.
وفي السياق ذاته، نقلت وسائل إعلام روسية عن كبير طياري مكتب سوخوي، سيرغي بوغدان، تأكيده أن سو-57 تستوفي متطلبات مقاتلات الجيل الخامس، وأن تصميمها يسمح بإجراء تحديثات مستمرة للحفاظ على قدراتها القتالية على مدى عقود.
النقاش حول سو-57 لا يتعلق فقط بما إذا كانت تمثل “سو-30 مطورة”، بل يتمحور بصورة أكبر حول المستوى الفعلي لبصمتها الرادارية مقارنة بمقاتلات الجيل الخامس الغربية، ومدى نجاحها في تحقيق التوازن بين التخفي والأداء الحركي والمدى وحمولة التسليح والقدرات الإلكترونية.
انسحاب الهند لم يكن بسبب التخفي وحده
رغم أن تصريحات المحلل العسكري الهندي أبهيجيت آير-ميترا ركزت بصورة أساسية على البصمة الرادارية، فإن الوثائق والمصادر الهندية تشير إلى أن انسحاب نيودلهي من برنامج FGFA لم يكن مرتبطًا بعامل واحد. ووفق وثيقة منشورة على موقع منظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية DRDO، شملت أسباب الانسحاب عام 2018 مشكلات تتعلق بالأداء، وتقاسم العمل، وتجاوزات الوقت والتكلفة. كما أشارت الوثيقة إلى تحفظات هندية على قوة الدفع، وقدرة التحليق فوق الصوتي الاقتصادي، ومستوى التخفي.
وتشير وثيقة أخرى منشورة من جانب DRDO إلى أن سلاح الجو الهندي أبدى منذ عام 2014 مخاوف بشأن الأداء والتكلفة وتقاسم العمل، قبل أن تنسحب الهند من الشراكة عام 2018 بعدما خلصت إلى أن الطائرة، وفق تقييمها في ذلك الوقت، لم تستوفِ بعض متطلباتها.
كما كان نقل التكنولوجيا أحد الملفات المهمة في المفاوضات. فقد ذكرت Times of India أن الهند اشترطت نقلًا واسعًا للتكنولوجيا، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى برمجيات ومكونات تتيح لها تطوير الطائرة ودمج أسلحة جديدة مستقبلًا، إضافة إلى رغبتها في أن يخدم المشروع برنامجها المحلي للمقاتلة الشبحية AMCA.
أما فيما يتعلق بالتخفي تحديدًا، فتشير وثيقة DRDO إلى أن التقييم الهندي في ذلك الوقت اعتبر مستوى التخفي أقل من مقاتلات مثل F-22 وF-35 وJ-20، خصوصًا من ناحية التخفي الشامل من مختلف الزوايا، مع تقدير أن المقطع الراداري كان أكبر من بعض منافساتها.
لكن من المهم التأكيد أن هذا تقييم هندي لمرحلة سابقة من البرنامج، وليس قياسًا مستقلًا ونهائيًا للمواصفات الحالية لسو-57.
وفي المقابل، قدمت المصادر الروسية صورة مختلفة عن تصميم سو-57. إذ تؤكد شركة روستيخ أن المقاتلة طُورت باستخدام تقنيات خفض البصمة الرادارية، وأنها تستخدم حجرات داخلية للأسلحة، مع توظيف واسع للمواد المركبة في هيكلها. كما تشير روستيخ إلى أن تصميم الطائرة يتضمن تقليل الحواف والأسطح التي يمكن أن تزيد من انعكاس الموجات الرادارية.
وتؤكد روس أوبورون إكسبورت كذلك أن النسخة التصديرية Su-57E تستطيع حمل الأسلحة داخل حجراتها الداخلية، وهو ما يقلل البصمة الرادارية مقارنة بحمل الأسلحة خارجيًا، مع إمكانية استخدام نقاط التعليق الخارجية عند الحاجة إلى زيادة الحمولة.
ومن ناحية المحرك والأداء، فإن التحفظات الهندية القديمة كانت مرتبطة أيضًا بقدرات الدفع والتحليق فوق الصوتي الاقتصادي. وتشير وثيقة هندية لاحقة إلى أن روسيا عملت منذ ذلك الحين على معالجة بعض هذه النقاط من خلال تطوير محركات جديدة، مع زيادة قوة الدفع وتحسين خصائص التحليق فوق الصوتي والبصمة الحرارية والرادارية.
وهنا تظهر نقطة مهمة في الجدل الحالي: سو-57 التي يجري تسويقها اليوم ليست بالضرورة مطابقة للطائرة التي كانت الهند تقيّمها أثناء برنامج FGFA. فالمصادر الهندية نفسها تشير إلى أن روسيا واصلت تطوير المحركات والتخفي والتجهيزات بعد انسحاب نيودلهي.
كما أن الانسحاب الهندي لا يعني أن نيودلهي أغلقت الباب نهائيًا أمام الطائرة. فقد أشار تقرير منشور ضمن مواد DRDO إلى أن الهند دفعت حصتها من تكلفة التصميم الأولي، وأن احتمال العودة إلى التعاون أو شراء الطائرة ظل قائمًا، خصوصًا مع التأخر في برنامج AMCA.
لذلك، انسحاب نيودلهي من مشروع FGFA جاء بعد سلسلة من التحفظات شملت مستوى التخفي والأداء والمحرك والقدرة على التحليق فوق سرعة الصوت، إلى جانب مسائل تتعلق بالتكلفة وتقاسم العمل ونقل التكنولوجيا.
وتؤكد المصادر الروسية أن المقاتلة طُورت بتصميم جديد يختلف في هيكله ومواده وأنظمته عن عائلة سو-27 وسو-30، مع اعتماد حجرات داخلية للأسلحة وخصائص تهدف إلى خفض البصمة الرادارية.
ومع ذلك، يبقى السؤال حول مدى فعالية هذه الإجراءات مقارنة بمقاتلات مثل F-22 وF-35 وJ-20 مفتوحًا، إذ لا توجد بيانات مستقلة وموثوقة منشورة تكشف بشكل دقيق البصمة الرادارية الفعلية لكل من هذه الطائرات، وبالتالي يصعب تقديم ترتيب نهائي لها من حيث مستوى التخفي.
ما هو رد فعلك؟
نور الدين من مواليد عام 1984، المغرب، هو كاتب وخبير في موقع الدفاع العربي، حاصل على ديبلوم المؤثرات الخاصة، ولديه اهتمام عميق بالقضايا المتعلقة بالدفاع والجغرافيا السياسية. وهو مهتم بتأثير التكنولوجيا على أهداف السياسة الخارجية بالإضافة إلى العمليات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إقرأ المزيد
