لماذا
موقع الدفاع العربي – 29 أغسطس/آب 2026: أثارت مشاركة المقاتلة الصينية J-16 في التدريبات الجوية “نسور الحضاروة 2026” التي استضافتها مصر، إلى جانب مقاتلات رافال المصرية، تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت القاهرة تدرس هذه المقاتلة الثقيلة عن قرب، خصوصًا مع دخولها في تدريبات تحاكي بيئات قتال متقدمة ضد مقاتلات غربية. ولا توجد حتى الآن أدلة رسمية تؤكد أن ظهور J-16 في مصر جاء بناءً على طلب مصري مباشر لتقييم قدراتها، لكن هذا الاحتمال يكتسب أهمية خاصة عند وضعه في سياق المحاولات المصرية السابقة للحصول على سوخوي سو-35 الروسية، وهي الصفقة التي تعثرت في النهاية تحت ضغوط وتهديدات أمريكية مرتبطة بالعقوبات. ومن هنا يطرح ظهور J-16 سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن تكون القاهرة قد وجدت في المقاتلة الصينية بديلًا محتملًا لـ سو-35، خصوصًا أن J-16 تجمع بين الهيكل الثقيل لعائلة «فلانكر» وقدرات متعددة المهام وأنظمة إلكترونية وتسليحية صينية متطورة؟
خلال السنوات الأخيرة، برزت مقاتلتان صينيتان أثارتا ضجة في الغرب. الأولى هي المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس J-20 «التنين العظيم»، التي دخلت إلى جانب مقاتلات مثل F-35 وF-22 وSu-57. أما الثانية فهي J-16، وهي مقاتلة متعددة المهام ذات مظهر مألوف، تنتمي إلى عائلة «فلانكر» الروسية، وصُممت لمنافسة وربما التفوق على مقاتلات غربية مثل السوبر هورنت وإف-15 ونظيراتها الروسية.
ومع تزايد الحديث على الإنترنت عن J-16 باعتبارها «أفضل فلانكر» على الإطلاق، يبرز السؤال: هل تستحق هذه المقاتلة هذا الوصف بالفعل؟
قبل الدخول في التفاصيل، من المهم التأكيد على أن المعلومات المؤكدة بشأن J-16 محدودة للغاية، وأن جزءًا كبيرًا مما هو متداول يعتمد على التقديرات والتحليلات. وكما أشرنا في تحليلات سابقة لتصاميم القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني، فإن الصين ربما تكون من أصعب الدول عندما يتعلق الأمر بالحصول على معلومات موثوقة عن طائراتها العسكرية، خصوصًا من المنظور الغربي.
فاللغة تمثل عائقًا، والأهم من ذلك أن القيود الصارمة على الإنترنت داخل الصين تجعل من الصعب الوصول إلى الكثير من التفاصيل. وربما لا يمتلك الصورة الكاملة حول هذه الطائرات وقدراتها سوى المصممين الصينيين أنفسهم، وربما بعض أجهزة الاستخبارات الغربية. ومع ذلك، يمكن العمل بما هو متاح من معلومات.
من الناحية التقنية، لا تزال J-16 مشتقة من عائلة «فلانكر»، إذ تشترك معها في هيكل جوي مشابه، وهو ما يفسر تصنيف الناتو لها ضمن عائلة الفلانكر Flanker.
وتشغل J-16 موقعًا بين مشتقات Su-30 ومقاتلة التفوق الجوي Su-35. وقد أشرنا في تحليل سابق إلى المزايا التي تمتلكها Su-35 مقارنة بكل من Su-30SM الأحدث وإصدارات «فلانكر» الأقدم، خصوصًا في القتال الجوي. وخلاصة ذلك أن Su-35 تبدو بالفعل أقوى فلانكر عندما يتعلق الأمر بالقدرات الجوية البحتة، بينما يُرجح أن تكون Su-30SM2 أفضل مقاتلة روسية متعددة المهام لتنفيذ الضربات، وربما يمكن مقارنتها بأحدث نسخ Super Hornet أو Strike Eagle.
ومن المهم الإشارة إلى أن القوات الجوية والبحرية الصينية تشغل كلًا من Su-35 المتقدمة ونسختين من Su-30؛ الأولى هي Su-30MKK أو Flanker-G، وهي نسخة تصديرية معدلة لصالح الصين تعود إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، والثانية Su-30MK2 أو Flanker-G+، وهي نسخة تصديرية مطورة بشكل كبير ومخصصة للاستخدام البحري.
وتتمتع الطائرات الثلاث، أو على الأقل Su-35 وSu-30MK2، بقدرات عالية جدًا على خوض العمليات القتالية الحديثة. لكن الصين واصلت في الوقت نفسه تطوير مشتقاتها المحلية من عائلة فلانكر.
وتوجد خمسة مشتقات صينية رئيسية محلية الصنع من عائلة فلانكر، وجميعها أنتجتها شركة Shenyang Aircraft Corporation.
كانت البداية مع J-11، التي استندت إلى Su-27UBK وبدأ إنتاجها عام 1997. وفي ذلك الوقت أرسلت شركة NAPO الروسية أطقم تجميع إلى الصين. وبحلول ديسمبر 1998 اكتملت أولى هياكل الطائرات، لكن المهندسين الروس الذين زاروا الصين أصيبوا بالصدمة من تدني جودة التجميع، واضطروا إلى المساعدة في إعادة بناء الطائرات.
لكن بحلول عام 2000، أفاد المهندسون الروس أنفسهم بأن عملية الإنتاج الصينية شهدت تحسنًا كبيرًا، وأصبحت عالية الكفاءة وقادرة على دمج تقنيات محلية الصنع بموافقة روسية. وفي عام 2000 ظهر الإصدار الجديد J-11A، الذي ظل يعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الروسية، لكنه بدأ في الوقت نفسه بدمج إلكترونيات طيران صينية.
وبحلول عام 2004، كانت الصين تنتج ثاني مشتقات فلانكر الرئيسية، وهي J-11B أو Flanker-L، وهي نسخة متعددة المهام هدفت إلى التخلص تدريجيًا من الاعتماد على روسيا. ورغم أن المشروع جاء في ظل انتهاك اتفاقيات الملكية الفكرية مع روسيا، فإنه استمر بالاعتماد على Su-27SK كأساس.
كما أصبحت طائرات الإنتاج هذه بمثابة منصات اختبار، حيث خضعت لبرامج تطوير ضخمة ومتكررة لتحديث أنظمتها وإدخال المزيد من التقنيات الصينية. وبحلول عام 2011، أصبحت J-11B تستخدم نحو 90% من الأنظمة الصينية، وفي عام 2014 بدأت تستخدم المحرك الصيني WS-10.
وفي عام 2006 ظهر مشتق رئيسي ثالث، حيث يُعتقد أن الصين اشترت طائرة Su-33 غير مكتملة من أوكرانيا. وبدأت Shenyang تطوير مقاتلة بحرية نتج عنها J-15 «القرش الطائر Flying Shark» أو Flanker-X2. وكما هو الحال مع Su-33، فهي مقاتلة متعددة المهام قادرة على العمل من حاملات الطائرات، وأصبحت المقاتلة الرئيسية لدى البحرية الصينية.
وفي عام 2018 بدأ اختبار المشتق الرئيسي الرابع، وهو J-15D، وهي نسخة ذات مقعدين ومخصصة للعمل من حاملات الطائرات، مع تركيز على الحرب الإلكترونية والتحكم بالطائرات المسيّرة وربما الاستطلاع.
بعد ذلك نصل إلى المشتق الرئيسي الخامس، وهو J-16 أو Flanker-N.
جاءت J-16 بتصميم ثنائي المقاعد وقدرات متعددة المهام، وكان الهدف منها التفوق على J-11 في القتال جو-جو، وعلى J-15 في مهام الهجوم جو-أرض والحرب الإلكترونية، ما وضعها في موقع فريد داخل عائلة فلانكر.
ولا يزال التاريخ التطويري لـJ-16 غير واضح بشكل كامل، لكن يُرجح أن تكون قد قامت بأول رحلة لها بين عامي 2011 و2012، بهدف استبدال J-11B ذات المقعدين.
وظهرت نسختان رئيسيتان منها: J-16 أو J-16A، وهي النسخة القياسية متعددة المهام، وJ-16D، وهي منصة متخصصة في الحرب الإلكترونية.
في البداية، اعتبر بعض المراقبين J-16 مقاتلة قادرة على تنفيذ كل شيء تقريبًا، لكن هذا التقييم ربما كان متفائلًا أكثر من اللازم. فمن الواضح أن J-16A مقاتلة متعددة المهام، إلا أن فلسفة تطويرها تبدو مشابهة إلى حد كبير لفلسفة Su-30 الروسية وSuper Hornet الأمريكية، وربما يمكن مقارنتها بشكل معقول بمقاتلة F-15E.
ومن غير المرجح أن تتفوق J-16 على كل ما تواجهه، بل تقدم للطيارين منصة مرنة قادرة على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام. أما J-16D فهي أيضًا متعددة المهام، لكن الفرق الأساسي يكمن في تركيزها على الحرب الإلكترونية، ومن المرجح أن تعمل بطريقة مشابهة لـJ-15D، وبالتالي فإن أقرب نظير غربي لها هو EA-18G Growler.
وبحلول عام 2024، أفادت التقارير بأنه تم إنتاج 350 طائرة J-16، وأن الإنتاج كان مستمرًا بالمعدل نفسه.
ومن الخارج، تبدو طائرة الإنتاج بوضوح شديدة الشبه بطائرات فلانكر، لكنها في الداخل صينية إلى حد كبير. ومن المثير للاهتمام أن ظهور J-16 جاء خلال فترة من التوتر بين روسيا والصين بسبب انتهاكات حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بفلانكر.
وكان الروس على علم بأن الصين تنتهك الاتفاقيات المبرمة معها، كما أن مستوى التعديلات التي أدخلت على J-16 يوضح حجم الحرية التي أخذتها الصين في تطوير التصميم. وباختصار، أصبحت الصين تبني نسخ فلانكر الخاصة بها، ومن المحتمل ألا يكون لدى روسيا الكثير مما تستطيع فعله أو ترغب في فعله حيال ذلك.
ويبدو أن الصين فخورة بشكل خاص بالأنظمة الإلكترونية التي طورتها لـJ-16، وهو مجال أصبح يحظى بأهمية متزايدة في صناعة الطيران الصينية.
ركزت الصين، إلى جانب كوريا الجنوبية مع KF-21، على تطوير طائرات بمقعد واحد ومقعدين بهدف دمج أنظمة شبكات رقمية أكثر تطورًا. وتشمل هذه الأنظمة وصلات بيانات متقدمة تربط المنصات الجوية والبرية، وتسمح بمشاركة المعلومات ونقل بيانات تحديد الأهداف، إضافة إلى قدرات أكثر تطورًا مثل التحكم بالطائرات المسيّرة.
ويشمل ذلك تشغيل الطائرات المسيّرة التقليدية، والتحكم في طائرات مسيّرة ذاتية أو من نوع الرفيق المخلص Loyal Wingman، فضلًا عن التحكم في أنظمة رقمية متقدمة كانت في السابق حكرًا على الحواسيب الأرضية الكبيرة أو طائرات الاستخبارات الإلكترونية ELINT.
قدرة الصين على مواجهة طائرة الحرب الإلكترونية الأمريكية EA-18G Growler
قال ضباط صينيون في البحرية إنه خلال زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايوان عام 2022، وعندما نشرت الولايات المتحدة حاملات طائرات في المنطقة، واجهت القوات الصينية تشويشًا إلكترونيًا كثيفًا من طائرات Growler. ووفق الرواية الصينية، كان التشويش فعالًا للغاية إلى درجة أنه أخفى الطائرات عن الرادارات بشكل كامل تقريبًا.
وبحسب هذه الرواية، كانت الطائرات والسفن الصينية تفقد قفلها على الطائرات الأمريكية بمجرد بدء التشويش.
لكن في ديسمبر 2023، وقعت حادثة مشابهة يُقال إنها جرت عندما التقت مجموعة بحرية أمريكية بمجموعة بحرية صينية في بحر الصين الجنوبي. أرسلت الولايات المتحدة طائرات Growler وSuper Hornet لمراقبة القوات الصينية، بينما بدأت الصين في قفل راداراتها على الطائرات الأمريكية، وبدأت طائرات Growler بتنفيذ التشويش الإلكتروني، وهو أمر روتيني إلى حد ما في مثل هذه المواجهات.
لكن هذه المرة، تمكنت الرادارات الصينية من استعادة القفل على الأهداف الأمريكية بطريقة ما، وكأنها استطاعت اختراق تأثيرات التشويش الإلكتروني لطائرات Growler.
وزعم ضباط البحرية الصينية أنهم نجحوا في دمج خوارزميات ذكاء اصطناعي ساعدت، على الأرجح، في تحليل البيانات وتسريع عملية اختراق التشويش، وأن هذه التقنية يمكن توسيع استخدامها والاستفادة منها بواسطة طياري J-16.
ونشر باحثان صينيان في يوليو 2024 ورقة بحثية حللا فيها هذه المواجهة، وأشارَا إلى احتمال استخدام نظام ذكاء اصطناعي لربط جميع معلومات المستشعرات المتاحة، بما في ذلك عدة رادارات ومستقبلات وغيرها، ثم معالجة هذه البيانات لإنشاء صورة شاملة لساحة المعركة.
بعد ذلك تتم مشاركة جميع المعلومات عبر نظام شبكي مع الوحدات الجوية والبحرية والبرية، بهدف تكوين صورة أكثر تماسكًا للموقف العملياتي.
وهذا المفهوم ليس جديدًا، فالولايات المتحدة تستخدمه منذ فترة، لكن التطورات الصينية قد تكون بصدد تقليص الفجوة في هذا المجال. وتزداد أهمية ذلك عند النظر إلى J-16 باعتبارها منافسًا مباشرًا لـGrowler في مجال الحرب الإلكترونية.
وهناك تكهنات أخرى تتعلق بقدرات J-16 في الحرب الإلكترونية، من بينها إمكانية الربط مع طائرة الإنذار المبكر والتحكم الجوي KJ-500، وهي المنصة الرئيسية للإنذار المبكر في الصين.
ويرى بعض المراقبين أن J-16 ربما لا تمتلك هذه القدرة بعد، لكن من المرجح أنها تمتلكها بالفعل، وربما تكون من أكثر الميزات التي يمكن توقع وجودها فيها بشكل شبه مؤكد. فمن غير المنطقي أن يعطي المصممون الأولوية للربط بين الطائرات والسفن قبل ربط المقاتلة بطائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي.
وفي القتال الجوي الحديث، أصبحت تدفقات البيانات القادمة من طائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي عنصرًا حاسمًا، ولذلك يمكن افتراض أن دمج هذه القدرة كان من الأولويات الرئيسية في تطوير منظومة الاتصالات ونقل البيانات الخاصة بـJ-16.
وهناك مجال آخر يُرجح أن يحظى بأهمية كبيرة، وهو مواجهة الدفاعات الجوية البحرية. فربما يمثل غطاء الدفاع الجوي الذي توفره البحرية المعادية أحد أخطر التهديدات للطائرات البحرية.
فبعض السفن الحربية الحديثة تمتلك أنظمة رادار أكثر تطورًا من تلك الموجودة في أنظمة الصواريخ أرض-جو التقليدية، كما أن تغطيتها في البحار المفتوحة لا تتأثر بحجب التضاريس.
وتدرك الصين أن بعض أهم المواجهات في أي حرب كبرى ستجري فوق المحيطات. وبالنسبة للطيارين اليوم، قد تكون البيئة البحرية المتنازع عليها أكثر خطورة من منطقة برية متنازع عليها.
فالسفن الحربية قادرة على تغطية مساحات واسعة بالدفاعات الجوية، وفي ظل غياب حجب التضاريس ومع تصحيح تأثيرات الظروف الجوية، تستطيع راداراتها الحصول على بيانات دقيقة للغاية عن الأهداف الجوية.
ويمكن للطائرات محاولة مواجهة ذلك باستخدام التخفي، أو الأسلحة بعيدة المدى التي تطلق من خارج نطاق الدفاعات، أو أسلحة مضادة للإشعاع وقمع الدفاعات الجوية المعادية SEAD، أو الحرب الإلكترونية.
وتُعد الحرب الإلكترونية الخيار الأكثر فائدة من بعض النواحي، لأنها أرخص من تطوير مقاتلة شبحية متخصصة، كما يمكن توسيعها وتكييفها لاستيعاب أنظمة جديدة.
وفي السياق الإلكتروني أيضًا، أفادت تقارير بأن طائرة J-16D خضعت لاختبار باستخدام ضابط أنظمة أسلحة يعمل بالذكاء الاصطناعي، بحيث يوجد طيار واحد فقط في المقعد الأمامي، بينما يبقى المقعد الخلفي فارغًا.
وفي هذا الاختبار، تولى الذكاء الاصطناعي مهام ضابط أنظمة الأسلحة، كما تمكن من معالجة بيانات أخرى بطريقة ربما يتعذر على ضابط بشري تقليدي القيام بها.
وهذا تطور مثير للاهتمام، وإن لم يكن مفاجئًا، خصوصًا أن الولايات المتحدة تعمل أيضًا على تقنيات مشابهة. وبالنظر إلى أن الطائرة ذات مقعدين، يمكن تصور أن السيناريو المثالي مستقبلًا سيكون وجود ضابط أنظمة أسلحة بشري بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بما يوفر عمليًا قدرات تعادل فريقًا من ثلاثة أفراد داخل طائرة واحدة.
لكن أحد أهم الفروق بين تطوير الطائرات العسكرية الصينية وتطويرها لدى القوى الكبرى الأخرى مثل روسيا والولايات المتحدة هو الخبرة المتراكمة.
فالقوى الغربية الكبرى وروسيا كانت رائدة في تطوير المقاتلات الحديثة، بما في ذلك المحركات والرادارات وأنظمة الصواريخ وكل المعدات الداعمة المحيطة بها. وهذه الطائرات جاءت نتيجة عقود طويلة من الخبرة.
أما الصين فما زالت تلحق بالركب لأنها لم تمتلك هذا العمق التاريخي من الخبرة. ومن أهم المجالات التي تظهر فيها هذه الفجوة إنتاج محركات توربينية نفاثة موثوقة، وهو أمر تستطيع الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا القيام به نتيجة عقود من الخبرة، بينما لا تزال الصين تواجه صعوبات في هذا المجال.
ولهذا السبب، فإن ما تفعله الصين مثير للإعجاب، لكن السؤال يبقى: هل تمتلك تصميماتها الصلابة والقوة والعمر التشغيلي الطويل والموثوقية التي تأتي عادة مع الخبرة المتراكمة؟
وتواجه الصين أيضًا اتهامات بانتشار مستويات مرتفعة من التزوير الأكاديمي، ولا شك أن هذه القضية تثير تساؤلات حول مدى تأثيرها في مجال الطيران العسكري.
ومن المرجح أن تمثل الهندسة العكسية للتصاميم الموجودة بالفعل إحدى استراتيجيات القفز إلى الأمام التي تعتمدها القيادة الصينية، وربما تعتبر بكين أن الانتقادات الغربية ثمن صغير مقابل الحصول على أفضلية في ساحة المعركة.
وفي النهاية، هذه هي الدولة التي قدمت للعالم سون تزو وكتاب «فن الحرب»، وهي تتعامل مع المنافسة بطريقة مختلفة عن الغرب. فالقيادة الصينية تستخدم كل الأدوات المتاحة أمامها للتقدم بأسرع ما يمكن والوصول إلى مستوى المعايير العسكرية الغربية.
ولا يزال تطوير الطائرات الصينية واستبدال الأجيال يتم بوتيرة تشبه سرعات حقبة الحرب الباردة، وهو أمر مثير للإعجاب ومثير للقلق في الوقت نفسه.
فقد كانت فترة الحرب الباردة المبكرة أشبه بالعصر الذهبي لتطوير الطيران العسكري، حيث كانت القفزات التكنولوجية هي المحرك الرئيسي للتطوير، وليس بالضرورة الموثوقية أو طول العمر التشغيلي.
كما أن قوة الاقتصاد الأمريكي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي سمحت بخوض مخاطر أكبر بكثير في مجال صناعة الطيران. وقد يكون الاقتصاد الصيني اليوم أقوى مما تصوره بعض المصادر الغربية التقليدية، لكن من المشكوك فيه أن يكون قريبًا من قوة الاقتصاد الأمريكي في خمسينيات القرن الماضي.
ومع ذلك، يبدو أن الصين تسير في مسار تطوير مشابه، مع امتلاكها ميزة مهمة تتمثل في قدرتها على الانطلاق من تصميمات متقدمة موجودة بالفعل، مثل الطائرات الروسية من عائلة فلانكر.
أما من ناحية المواصفات والقدرات، فإن J-16 تمتلك عددًا من الاختلافات المهمة مقارنة بباقي مشتقات فلانكر.
فهي تعمل حاليًا بمحركين محليي الصنع من طراز WS-10B، ويُقال إنهما ينتجان إجمالي دفع يبلغ 33,000 رطل، ويُعدان من المحركات الرئيسية التي تنتجها الصين لمقاتلاتها.
وكانت هذه المحركات في الأصل مبنية على أساس GF11، وكانت النسخ المبكرة منها تعاني من مشكلات في الموثوقية بعد الاستخدام الطويل، وهي مشكلة سبق أن أشرنا إليها في تحليلات أخرى للمقاتلات الصينية.
لكن يُقال إن النسخة الثانية/المطورة تمكنت من تجاوز جزء كبير من هذه التحديات.
ومن حيث الأداء، تبلغ السرعة القصوى لـJ-16 نحو 2 ماخ، بينما يبلغ سقف الخدمة 57,000 قدم.
ومن الاختلافات المهمة أيضًا الوزن. إذ يبلغ الوزن الفارغ لـJ-16 نحو 38,600 رطل، بينما يصل وزن الإقلاع الأقصى إلى 77,000 رطل.
ويُعد الوزن الفارغ أقل من وزن Su-35، الذي يبلغ نحو 41,800 رطل، وقد تحقق هذا الانخفاض في الوزن باستخدام المواد المركبة.
ويبلغ المدى القتالي للطائرة 1,500 كيلومتر، بينما يصل مدى العبور Ferry Range إلى 4,500 كيلومتر.
وفي مجال التسليح، تشترك J-16 في بعض الخصائص مع مقاتلات فلانكر الأخرى، إذ تمتلك 12 نقطة تعليق خارجية تتيح لها حمل حمولة تسليحية كبيرة عند الحاجة، وهي إحدى نقاط القوة التقليدية في تصميمات سوخوي.
لكن الصين حاولت تحويل J-16 إلى منصة لدمج أسلحة محلية الصنع، وربما تمتلك هذه المقاتلة أكثر ترسانة تسليحية إثارة للإعجاب بين مقاتلات القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي نتيجة هذا التركيز على التكامل بين المنصة والأسلحة.
في القتال جو-جو، تحمل J-16 عددًا من الصواريخ الصينية المحلية القديمة نسبيًا، من بينها PL-9، وهو صاروخ حراري بالأشعة تحت الحمراء يمكن مقارنته بالإصدارات الأقدم من Sidewinder، وPL-12، وهو صاروخ موجه برادار نشط يمكن مقارنته بصاروخ AMRAAM.
كما تدمج المقاتلة صاروخين محليين أكثر تميزًا.
الأول هو PL-10، وهو صاروخ قصير المدى يمكن استخدامه بالاعتماد على التوجيه التقليدي بالأشعة تحت الحمراء، أو من خلال دمج بيانات البصمة الحرارية مع اكتشاف الشكل بصريًا لزيادة مقاومته للإجراءات المضادة.
كما يمتلك الصاروخ رادارًا نشطًا يتيح له تنفيذ القفل بعد الإطلاق Lock-On After Launch.
ويمكن مقارنة PL-10 بصواريخ مثل IRIS-T أو AIM-9X، إذ يمتلك قدرة على توجيه الباحث إلى الهدف بواسطة خوذة الطيار، مع إمكانية قفل الأهداف خارج محور الطائرة Off-Boresight، ويُقال إن زاوية الاستحواذ يمكن أن تتجاوز 90 درجة من خط النظر الأمامي.
أما الصاروخ الثاني فهو PL-15، الذي وُصف بأنه سلاح بعيد المدى يعمل بالتوجيه بالرادار النشط ويُستخدم كصاروخ مواجهة بعيدة المدى، ويمكن مقارنته بصاروخ R-77M الروسي أو AIM-260 الأمريكي.
ويستخدم الصاروخ رادارًا بتقنية Micro AESA، ويمكن إطلاقه في نمط نشط دون الحاجة إلى استمرار تدفق البيانات من الطائرة، كما هو الحال مع معظم صواريخ Fox-3 الحديثة.
لكن يمكن إطلاقه أيضًا في نمط التتبع السلبي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان المقصود بذلك نمطًا تقليديًا من “التتبع أثناء المسح Track While Scan” أو القفل الناعم الذي يتطلب من الطائرة المطلقة الحفاظ على القفل، وهو أمر لن يكون مفاجئًا، أم أن الصاروخ يمتلك بالفعل القدرة على تتبع الأهداف بشكل سلبي دون الحاجة إلى بيانات توجيه من الطائرة الحاملة.
وإذا كان الاحتمال الثاني صحيحًا، فسيكون ذلك ميزة كبيرة، ويبدو أنه يتماشى مع ما ركز عليه المصممون الصينيون لسنوات.
فالمشكلة التقليدية في عملية الاستحواذ بنمط Track While Scan تتمثل في أنه بمجرد أن تفقد الطائرة المطلقة القفل على الهدف، يقوم الصاروخ بتشغيل راداره في النمط النشط، ما ينبه الطائرة المعادية إلى وجوده.
ويُقال إن PL-15 قادر على بلوغ سرعة 5 ماخ والعمل على مدى يصل إلى 200 كيلومتر.
وفي الحرب في أوكرانيا، شهدنا بالفعل إسقاطًا جويًا على مدى 100 كيلومتر باستخدام ما قيل إنه صاروخ R-77M، كما اشتكى طيارون أوكرانيون من اضطرارهم إلى الانسحاب من بعض العمليات لمواجهة صواريخ R-37 الفرط صوتية التي أطلقت على مسافات مماثلة.
وهذا يؤكد أن الصواريخ بعيدة المدى باتت تُستخدم فعليًا في ساحات القتال، لكن الانتقال من صاروخ مواجهة قادر على ضرب أهداف على مدى 100 كيلومتر إلى صاروخ بمدى 200 كيلومتر يمثل قفزة كبيرة.
وخلال العقد الماضي، حققت الصين نجاحات في تصميم صواريخ بعيدة المدى شديدة التطور، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية والأسلحة ذات الطاقة الحركية، ومن المحتمل أنها حققت نجاحًا مماثلًا في مجال ذخائر جو-جو.
أما في مجال جو-أرض، فيبدو أن J-16 قادرة على حمل مجموعة واسعة من القنابل الموجهة بالليزر وغير الموجهة، وربما القنابل الموجهة بنظام GPS، إضافة إلى صواريخ جو-أرض، وحاضنات صواريخ، وصواريخ مضادة للسفن، وصواريخ مضادة للإشعاع.
وتأتي J-16D كذلك مع وحدات مميزة مثبتة على أطراف الأجنحة مخصصة لاستخدامات الحرب الإلكترونية.
ولا توجد معلومات مؤكدة كثيرة حول رادار J-16، لكن بالنظر إلى دورها، فمن المفترض أن تمتلك رادارًا قادرًا على الأقل على مجاراة رادار Super Hornet، باعتبار أن هذه المقاتلة ستكون على الأرجح من أهم خصومها.
أما ما إذا كانت تمتلك هذه القدرة فعلًا، فهذا أمر لا يمكن الجزم به.
وتشير بعض الادعاءات إلى أن رادارات AESA الصينية الحديثة تستخدم مركبات نيتريد الغاليوم GaN بدلًا من زرنيخيد الغاليوم GaAs الأقدم، ما يوفر كثافة قدرة أعلى.
وهذا أمر ممكن، لكن من المهم الإشارة إلى أن الشركات الأمريكية المصنعة، التي تمتلك خبرة أكبر بكثير من الصين، لم تعتمد نيتريد الغاليوم بشكل كامل حتى الآن.
ومن المثير للاهتمام أن أحد المستخدمين على الإنترنت أشار إلى أن وحدات الإرسال والاستقبال GaN T/R Modules يمكن لأي شخص شراؤها من منصة Alibaba لأغراض استهلاكية.
وهذا لا يعني بالضرورة أن استخدامها في المنتجات الاستهلاكية يترجم مباشرة إلى تطبيق عسكري ناجح، لكنه يشير إلى أن الشركات الصينية تتبنى بسرعة ما تعتقد أنه يمثل الخطوة التالية في تكنولوجيا الرادارات.
وهناك تكهنات أيضًا بأن رادار J-16 سيكون نسخة أكبر وأكثر تطورًا أو تطويرًا للرادار المستخدم على JF-17.
وقد لا يكون ذلك صحيحًا، لأن JF-17 مقاتلة تصديرية، ومن المحتمل ألا تحصل على أحدث التقنيات الصينية. ومع ذلك، تشير التكهنات إلى أن رادار JF-17 يمتلك دقة في نمط Synthetic Aperture Radar أقل من 1 متر، وبالتالي فإن رادار J-16، الذي يُفترض أنه ضعف حجمه وأكثر تطورًا، قد يوفر دقة أكبر.
لكن عندما يتعلق الأمر بالرادارات، فقد رفعت أحدث التصاميم الغربية سقف المنافسة بشكل كبير.
فالرادار APG-81 المستخدم في F-35 يتمتع بدقة عالية للغاية، وتظهر صور رسمية صادرة عنه شاحنات في أحد الحقول، بل ويمكن رؤية آثار إطاراتها على العشب.
وهذا يشير إلى دقة في نمط التصوير بالرادار ذي الفتحة الاصطناعية تبلغ نحو 20 سنتيمترًا.
ويبقى السؤال: هل تستطيع Shenyang الوصول إلى هذا المستوى؟ الأمر ممكن، لكن F-35 رفعت السقف إلى مستوى مرتفع للغاية.
وبعيدًا عن الرادار، تدمج J-16 أنظمة استشعار أخرى. وكما هو الحال مع معظم مقاتلات فلانكر، فهي مزودة بنظام كهروبصري EO لاكتساب الأهداف.
وتوجد هذه الأنظمة على بعض المقاتلات الأمريكية وكذلك على التصميمات الروسية والأوروبية. وكانت فائدتها في الماضي تتركز بشكل أساسي على الاشتباكات ضمن مدى الرؤية، لكن قدرات أنظمة EO تطورت مع مرور الوقت.
فعلى سبيل المثال، يُقال إن نظام الاستشعار الكهروبصري في مقاتلة يوروفايتر تايفون الأوروبية قادر على اكتساب طائرات على مدى 100 كيلومتر، بينما يُقال إن Su-35 تستطيع اكتشاف وتتبع الأهداف على مسافة تتجاوز 50 كيلومترًا.
الميزة الواضحة هنا هي أن الأنظمة الكهروبصرية تسمح بالحصول على قفل على الهدف دون تنبيهه عبر إشعارات مستقبل التحذير الراداري من أن الطائرة تستهدفه.
وفيما يتعلق بقدرات مستقبل التحذير الراداري RWR، تبدو J-16 مختلفة بعض الشيء.
فمعظم مقاتلات فلانكر الحديثة، إضافة إلى Su-57، تستخدم منظومات تحذير من التهديدات مدمجة في نظام استشعار واحد.
وتستخدم Su-35S وSu-57 أنظمة تحذير من اقتراب الصواريخ MAWS تغطي جزءًا كبيرًا من هيكل الطائرة، ويمكنها اكتشاف الأجسام بصريًا من خلال الأشعة تحت الحمراء أو نطاقات تصوير أخرى.
كما تستخدم المقاتلات الأوروبية نظامًا مشابهًا يوفر تغطية جيدة حول هيكل الطائرة.
أما J-16، فيبدو أنها تمتلك فقط تغطية MAWS في الجزء الخلفي، وربما يرجع ذلك إلى أن التهديدات العاملة بالأشعة تحت الحمراء تظهر بشكل أساسي من خلف الطائرة.
وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة تدريجيًا على دمج نظام Eagle Passive Active Warning Survivability System أو EPAWSS.
ويتيح هذا النظام تغطية بزاوية 360 درجة لمستقبل التحذير الراداري، مع دقة في تحديد اتجاه التهديد تبلغ بضعة درجات، وتصل بعض الادعاءات إلى درجة واحدة.
وعادة ما كانت دقة أنظمة RWR التقليدية، التي تبلغ عشرات الدرجات، كافية عند محاولة الهروب من التهديدات، لأن معرفة الاتجاه العام للتهديد تكون كافية في كثير من الحالات.
لكن نظام EPAWSS يمنح الطيارين القدرة على مواجهة هذه التهديدات بشكل أكثر نشاطًا.
ويمكن تصور أن طياري Growler أو طواقم الطائرات الأخرى القادرة على تنفيذ الحرب الإلكترونية يستطيعون استخدام هذه المعلومات الاتجاهية فائقة الدقة لتوجيه أنظمة الحرب الإلكترونية نحو التشويش وقمع الدفاعات المعادية.
بل إن أحد الاستخدامات المعلنة لـEPAWSS هو التكامل المباشر مع أسلحة جو-أرض، وربما من خلال تحويل بيانات مستقبل التحذير الراداري مباشرة إلى نقطة إطلاق محسوبة بواسطة الكمبيوتر.
ومن هنا يمكن التكهن بأن مصممي Shenyang والمتعاقدين معها يعملون على نظام مشابه لـEPAWSS لدمجه في J-16، وربما يفسر ذلك أيضًا سبب ظهور تركيز أقل على الأنظمة البصرية وتحت الحمراء في تصميم المقاتلة.
وعند طرح السؤال الرئيسي: هل J-16 هي «أفضل فلانكر»؟، فهناك الكثير مما يجب أخذه في الاعتبار.
ومن المحتمل جدًا أن تكون J-16 أفضل من نسخ Su-30، وأقرب إلى Su-35 من حيث القدرة القتالية البحتة، بفضل استخدام المواد المركبة والأنظمة الرقمية الأحدث.
وسيكون ذلك مثيرًا للإعجاب إذا ثبتت صحته، خصوصًا أن J-16 مقاتلة متعددة المهام.
لقد حققت الصين تقدمًا كبيرًا في المجال الرقمي، وهي تتميز بقدرتها على استنساخ التصميمات الموجودة وإضافة تحسينات عليها، كما أنها تقترب بسرعة من مستوى القوى الكبرى.
لكن ربما يكون السبب الحقيقي الذي يجعل J-16 واحدة من أفضل طائرات فلانكر هو أنها فلانكر في الأساس.
فلولا وجود فلانكر الروسية كنقطة انطلاق، فمن الصعب الجزم بأن المصممين الصينيين كانوا سيتمكنون من تطوير طائرة محلية مكافئة من الصفر.
ومع ذلك، لا شك أن J-16 مقاتلة مثيرة للإعجاب، وربما لا تكون المقاتلة الصينية الأكثر تفوقًا؛ إذ ربما تكون J-11D المشتقة من Su-27 هي الأقوى، لكن J-16 تظل مقاتلة متعددة المهام جيدة جدًا، ويمكن مقارنتها إلى حد كبير بـSuper Hornet.
أما J-16D فهي بوضوح منافس لـEA-18G Growler في مجال الحرب الإلكترونية.
وسيكون من المثير للاهتمام متابعة ما ستفعله الصين مع هذه المشتقات الجديدة من عائلة فلانكر. ومن المرجح أن تتجه Shenyang أكثر نحو نهج أمريكي في القتال الجوي والقوة الجوية، يقوم بدرجة أكبر على الأنظمة الرقمية والربط الشبكي.
وسيكون هذا التطور مهمًا للغاية؛ إذ يمكن أن نصل في النهاية إلى مقاتلات بهياكل فلانكر التقليدية، ولكن بأنظمة داخلية ذات فلسفة أمريكية من حيث الرقمنة والشبكات والدمج بين المستشعرات والأسلحة.
لكن في النهاية، الوقت وحده سيكشف إلى أي مدى تستطيع الصين دفع هذه المنظومة إلى الأمام.
