من “بروتوكول اتفاق 2026” إلى “اتّفاق مكة”.. هل تقترب الكويت من منظومة الدّفاع المشترك؟





الدفاع العربي الخاص
شهدت العلاقات الدفاعية بين الكويت وباكستان تطورًا جديدًا اليوم، مع توقيع البلدين «بروتوكول اتفاق 2026» لتوسيع إطار التعاون العسكري القائم بينهما. ويأتي ذلك بعد أسابيع من استكمال الكويت إجراءات التصديق على اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة مع باكستان عام 2023، وبعد عشرين يومًا من توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يتضمن مبدأً صريحًا للدفاع الجماعي بين الدول الثلاث.
ويثير توقيت الخطوتين تساؤلات حول طبيعة المسار الذي تسلكه الكويت، وما إذا كان تعزيز تعاونها الدفاعي مع باكستان يمكن أن يشكل، مستقبلًا، مدخلًا إلى إطار «اتفاق مكة». إلا أن الإجابة عن ذلك تتطلب أولًا التمييز بدقة بين الاتفاقات الثلاثة، وعدم الخلط بين التعاون الدفاعي الثنائي والدفاع الجماعي.
الكويت وباكستان توقّعان “بروتوكول اتفاق 2026”
وقّعت الكويت وباكستان، اليوم الخميس 27 أغسطس/آب 2026، “بروتوكول اتفاق 2026” في مدينة راولبندي الباكستانية، في خطوة تهدف إلى تعزيز إطار التعاون العسكري القائم بين البلدين. وقد جرى التوقيع خلال لقاء وزير الدفاع الباكستاني “خواجة محمد آصف” مع وفد كويتي رفيع المستوى برئاسة وزير الدفاع الكويتي الشيخ “عبدالله علي عبدالله الصباح”، وبمشاركة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الكويتية الفريق الركن “خالد درج سعد الشريعان”.
وبحسب البيان الباكستاني الرسمي، ستقدم القوات المسلحة الباكستانية بموجب البروتوكول المساعدة للقوات المسلحة الكويتية في عدد من المجالات، تشمل التدريب، وبناء القدرات، وإدارة الحدود، وغيرها من مجالات التعاون الدفاعي التي يتفق عليها الطرفان. كما بحث الجانبان القضايا ذات الاهتمام المشترك، مع التركيز على العلاقات الدفاعية الثنائية والتعاون الأمني، وأكدا عزمهما على تعزيز العلاقات المؤسسية وتوسيع التعاون الدفاعي بما يخدم المصالح المشتركة. وفي إطار الزيارة، التقى الوفد الكويتي أيضًا قائد الجيش الباكستاني ورئيس هيئة أركان الدفاع، المشير سيد عاصم منير، في مقر القيادة العامة للجيش الباكستاني في راولبندي. وتركزت المباحثات على الأمن الإقليمي والتعاون الدفاعي الثنائي، مع تأكيد الجانبين على ضرورة تعزيز الروابط المؤسسية وتحويل العلاقات التاريخية بين البلدين إلى شراكة دفاعية قوية ومستدامة ومفيدة للطرفين. وأشاد الجانب الكويتي، وفق البيان الباكستاني، باحترافية القوات المسلحة الباكستانية وتميزها العملياتي وإسهاماتها في السلام والاستقرار الإقليميين.
اتفاق اليوم ليس اتفاق دفاع مشترك بالمعنى نفسه لـ”اتفاق مكة”
تبرز نقطة أساسية في قراءة التطور. فالتسمية الرسمية التي أوردتها الجهات الباكستانية للوثيقة الموقعة اليوم هي Protocol Agreement-2026، وقد جرى تقديمها باعتبارها اتفاقًا لتعزيز إطار التعاون العسكري القائم أصلًا بموجب اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2023. ولا يتضمن الإعلان الرسمي المنشور اليوم نصًا ينص على أن أي هجوم مسلح على الكويت يُعتبر هجومًا على باكستان، أو أن باكستان ملتزمة تلقائيًا بالدفاع العسكري عن الكويت في حال تعرضها لهجوم.
وبالتالي، فإن وصف اتفاق اليوم بأنه «اتفاق دفاع مشترك» بالمعنى الذي يحمله اتفاق مكة سيكون غير دقيق. والأدق وصفه بأنه بروتوكول لتوسيع التعاون الدفاعي والعسكري الثنائي بين الكويت وباكستان. وهذا التفريق مهم أيضًا عند تناول ما كشفته وسائل الإعلام عن المفاوضات التي سبقت الاتفاق.

تفاصيل المفاوضات الكويتية – الباكستانية
في 17 يوليو/تموز 2026، كشفت وكالة رويترز، نقلًا عن خمسة مصادر مطلعة على المفاوضات، أن الكويت وباكستان كانتا تبحثان توسيع اتفاق الدفاع بينهما. وذكرت المصادر أن المفاوضات كانت لا تزال في مرحلة مبكرة، وأن الخيارات التي كانت قيد البحث تضمنت تعاونًا أمنيًا أوسع، من بينها احتمالات تتعلق بوجود قوات باكستانية وطائرات مقاتلة وطائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي ومنشآت دفاعية أخرى. كما نقلت رويترز أيضًا عن مصدر أمني باكستاني أن نشر قوات قتالية لم يكن مطروحًا في تلك المرحلة، فيما أشارت مصادر أخرى إلى أن طبيعة التفاهم النهائي لم تكن قد حُسمت بعد.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين هذه المعلومات وبين ما أُعلن اليوم. فما أوردته رويترز كان تفاصيل عن مفاوضات جارية في يوليو، وليس قائمة ببنود الاتفاق الذي تم توقيعه اليوم. أما الإعلان الرسمي عن «بروتوكول اتفاق 2026» فقد ذكر التدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود ومجالات التعاون الدفاعي الأخرى المتفق عليها، ولم يعلن عن نشر قوات قتالية أو طائرات مقاتلة أو طائرات مسيرة أو منظومات دفاع جوي ضمن البروتوكول. وبالتالي، فإن المفاوضات السابقة تختلف عن والاتفاق الموقع اليوم.
اتفاق التعاون الدفاعي لعام 2023: الأساس الذي بُني عليه التطور الحالي
لا يمثل اتفاق اليوم بداية التعاون الدفاعي بين الكويت وباكستان. ففي 11 يونيو/حزيران 2023، وقّعت الكويت وباكستان اتفاقية للتعاون الدفاعي في وزارة الدفاع الكويتية. ووفرت الاتفاقية إطارًا مؤسسيًا للتعاون بين القوات المسلحة في البلدين، وشملت مجالات من بينها التدريب والتعليم العسكري، والمناورات والبرامج المشتركة، وتبادل الخبرات والمعلومات، واللوجستيات، والتعاون العلمي والتكنولوجي، وغيرها من المجالات المتفق عليها. كما نصت الاتفاقية على إنشاء آليات مشتركة لمتابعة تنفيذ التعاون الدفاعي وتنظيم الأنشطة والبرامج المشتركة. وبقيت الاتفاقية بحاجة إلى استكمال الإجراءات القانونية اللازمة في الكويت قبل دخولها حيّز التنفيذ.
وفي يوليو/تموز 2026، استكملت الكويت إجراءات التصديق على الاتفاقية، فأصبحت إطارًا قانونيًا نافذًا للتعاون الدفاعي بين البلدين. وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن التصديق الكويتي يمثل خطوة مهمة في مسار العلاقات الدفاعية بين البلدين، وأن الاتفاقية توفر أساسًا مؤسسيًا لتوسيع التعاون العسكري.
وعليه، ففي يونيو/ حزيران 2023 تمّ توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي الكويتية–الباكستانية، وفي يوليو/ تموز 2026، تمّ استكمال الكويت إجراءات التصديق على الاتفاقية. ومن ثمّ في 17 يوليو/ تموز2026، كشفت رويترز عن مفاوضات لتوسيع التعاون الدفاعي، مع التأكيد على أن المفاوضات كانت في مرحلة مبكرة. وفي السابع من أغسطس/آب 2026 تمّ توقيع “اتفاق مكة للدفاع المشترك”.وأخيرًا في 27 أغسطس/آب 2026، وقّعت الكويت وباكستان “بروتوكول اتفاق 2026” لتوسيع التعاون العسكري بينهما.
«اتفاق مكة» للدفاع المشترك
في 7 أغسطس/آب 2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان “اتفاق مكة للدفاع المشترك” خلال قمة جمعت قادة الدول الثلاث في مكة المكرمة. ووقّع الاتفاق عن السعودية ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، وعن تركيا الرئيس رجب طيب أردوغان، وعن باكستان رئيس الوزراء محمد شهباز شريف. واستند الاتفاق، بحسب البيانات الرسمية، إلى العلاقات التاريخية والروابط الأخوية والتضامن الإسلامي والمصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي القائم بين الدول الثلاث. لكن العنصر الأبرز في الاتفاق هو النص على أن: “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر هجومًا عليها جميعًا”. وهذا البند يضع الاتفاق في إطار مختلف عن اتفاق التعاون الدفاعي الكويتي–الباكستاني، لأنه ينشئ مبدأً معلنًا للدفاع الجماعي والردع المشترك بين الدول الثلاث. كما ينص الاتفاق على تعزيز جميع جوانب التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان. وفي الوقت نفسه، أكدت باكستان أن الاتفاق دفاعي بطبيعته وليس موجهًا ضد دولة بعينها، وأنه لا يلغي الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة بين الدول الثلاث ودول أو منظمات أخرى.

اتفاق مكة ليس حتى الآن نسخة مكتملة من حلف الناتو
رغم التشابه بين مبدأ الدفاع الجماعي الوارد في اتفاق مكة والمبدأ الذي تقوم عليه المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، فإن من الضروري عدم مساواة الاتفاقين بصورة كاملة. فالمعلومات الرسمية المتاحة لا تظهر أن اتفاق مكة أصبح حتى الآن حلفًا عسكريًا متكاملًا من حيث الهياكل والقيادة والآليات العملياتية على غرار حلف الناتو. وقد أشارت رويترز إلى أن الاتفاق لم يحدد بالتفصيل طبيعة الالتزامات العسكرية التي ستتحملها كل دولة أو الآليات التي ستحدد شكل الاستجابة العسكرية في حال تعرض إحدى الدول لهجوم. كما أوضحت وزارة الخارجية الباكستانية اليوم أن تفعيل اتفاق مكة لا يزال في مرحلة مبكرة، وأن الاتفاق يمثل إطارًا أمنيًا يمكن أن يتطور مع مرور الوقت.
الفرق بين اتفاق “الكويت – باكستان” واتفاق مكة
عند وضع الاتفاقين جنبًا إلى جنب، يظهر الفارق بوضوح. فالاتفاق الكويتي – الباكستاني هو إطار ثنائي يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري، بما يشمل التدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود وغيرها من المجالات التي يتفق عليها الطرفان. أما اتفاق مكة فهو إطار ثلاثي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، ويتضمن مبدأً صريحًا للدفاع الجماعي، الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا على الدول الثلاث جميعًا. وبالتالي، فإن الاختلاف لا يتعلق بعدد الأطراف فقط، بل بطبيعة الالتزام الأمني نفسه. فالاتفاق الكويتي- الباكستاني يركز على التعاون الدفاعي وبناء القدرات وتطوير الشراكة العسكرية، بينما يضيف اتفاق مكة إلى التعاون الدفاعي التزامًا معلنًا بالدفاع الجماعي والردع المشترك. ومن هنا، لا يمكن اعتبار اتفاق الكويت وباكستان الموقع اليوم انضمامًا غير مباشر للكويت إلى اتفاق مكة؛ فالكويت ليست طرفًا في الاتفاق الثلاثي حتى الآن، والوثيقة التي وقعتها اليوم هي اتفاق ثنائي مستقل مع باكستان.
هل يمكن أن تنضم الكويت إلى “اتفاق مكة” مستقبلًا؟
من المؤكد رسميًا أن اتفاق مكة مفتوح أمام دول أخرى، ففي مؤتمر صحفي لوزارة الخارجية الباكستانية اليوم، سُئل المتحدث باسم الوزارة عن إمكانية انضمام دول أخرى إلى الاتفاق، فأوضح أن الاتفاق مفتوح أمام الدول التي تشارك الدول المؤسسة التزاماتها ومصالحها الأمنية المشتركة، وأن أي طلب رسمي للانضمام سيُبحث بالتشاور مع السعودية وتركيا. وفي الوقت نفسه، أكد أن الاتفاق لا يزال في مرحلة مبكرة من التفعيل. لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي بأن الكويت طلبت الانضمام إلى الاتفاق، ولا إعلان بأنها ستصبح عضوًا فيه.
وهنا يجب أن يكون التحليل حذرًا. من جهة، توجد علاقة دفاعية مؤسسية قائمة بين الكويت وباكستان منذ اتفاق 2023، وقد جرى تعزيزها اليوم ببروتوكول جديد. ومن جهة أخرى، فإن باكستان هي إحدى الدول الثلاث المؤسسة لاتفاق مكة، وقد أعلنت رسميًا أن الاتفاق مفتوح أمام دول أخرى. هذه المعطيات تجعل انضمام الكويت ممكنًا من حيث المبدأ، لكنها لا تثبت أن الكويت تتحرك حاليًا في هذا الاتجاه.
كما أن الكويت جزء من منظومة أمنية خليجية قائمة، ولذلك فإن أي قرار بالانضمام إلى إطار دفاع جماعي جديد سيكون، على الأرجح، قرارًا استراتيجيًا يحتاج إلى النظر في طبيعة الالتزامات التي سينتجها هذا الانضمام، ومدى توافقها مع الأطر الأمنية التي ترتبط بها الكويت أصلًا.
والأهم أن «اتفاق مكة» نفسه لم يصل بعد إلى مرحلة تشغيلية مكتملة؛ وبالتالي سيكون من المبكر افتراض أن الكويت ستتخذ قرارًا بالانضمام قبل اتضاح آليات تنفيذ الاتفاق وطبيعة الالتزامات العملية التي ستترتب على أعضائه.
الخلاصة
بناءً على كلّ ما سبق، يمكن تثبيت مجموعة من الحقائق من دون الحاجة إلى افتراضات، حيث وقّعت الكويت وباكستان اليوم “بروتوكول اتفاق 2026” لتوسيع التعاون العسكري بينهما، مع التركيز المعلن على التدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود وغيرها من مجالات التعاون الدفاعي، كما أن هذا البروتوكول يستند إلى اتفاقية التعاون الدفاعي التي وقّعها البلدان عام 2023، والتي استكملت الكويت إجراءات التصديق عليها في يوليو 2026. وفي هذا السياق، كشفت «رويترز» في يوليو عن مفاوضات بين الجانبين تناولت خيارات دفاعية أوسع، إلا أنها كانت لا تزال في مرحلة مبكرة، ولذلك لا يمكن اعتبار ما ورد فيها بنودًا في الاتفاق الموقّع اليوم ما لم تؤكده الوثيقة النهائية. ثمّ إن “اتفاق مكة”، الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس من العام الحالي، يختلف جوهريًا عن الاتفاق الكويتي – الباكستاني، إذ يتضمن نصًا صريحًا يقضي بأن الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعتبر هجومًا عليها جميعًا. وفي المقابل، أعلنت باكستان رسميًا أن «اتفاق مكة» مفتوح أمام دول أخرى، إلا أنه لا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي عن تقديم الكويت طلبًا للانضمام إليه.
انطلاقًا من كلّ ما ذُكِر، فإن القول إن الكويت تستعد للانضمام إلى اتفاق مكة سيكون سابقًا لأوانه. ولكن لا يمكن استبعاد الاحتمال مستقبلًا، خصوصًا أن الكويت عمّقت اليوم تعاونها الدفاعي مع إحدى الدول المؤسسة للاتفاق، وهي باكستان. والأهم أن توقيع اتفاق اليوم لا يعني أن الكويت حصلت على مظلة دفاع جماعي باكستانية مماثلة للمظلة التي أنشأها اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. فالفرق بينهما واضح في النصوص المعلنة: الأول يقوم على التعاون الدفاعي الثنائي وبناء القدرات، والثاني يتضمن مبدأ الدفاع الجماعي.
وعليه، فإن التطور الأهم الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت الكويت ستنضم إلى اتفاق مكة، بل أيضًا كيف ستتطور بنية الاتفاق نفسه، وما إذا كان سيتحول من إطار دفاع جماعي معلن إلى منظومة أمنية ذات آليات تنفيذية وعملياتية أكثر وضوحًا. إذا حدث ذلك، فقد يصبح السؤال عن انضمام دول أخرى، ومن بينها الكويت، أكثر واقعية. أما في الوقت الراهن، فالمعلومة المؤكدة هي أن الكويت عمّقت شراكتها الدفاعية الثنائية مع باكستان، ولم تنضم إلى اتفاق مكة.
المصدر الأصلي: defensearabia.com




