
موقع الدفاع العربي – 31 أغسطس/آب 2026: تحولت مشاركة مقاتلات «جاي-16» (J-16) الصينية في مناورات “نسور الحضارة 2026” الجوية المشتركة مع مصر إلى محور اهتمام واسع في وسائل الإعلام الهندية، خصوصًا مع دخول المقاتلات الصينية في تدريبات قتالية مباشرة مع طائرات «رافال» المصرية، بالتزامن مع وجود مقاتلات «ميغ-29 إم/إم2» ضمن القوات الجوية المصرية.
وانطلقت رسميًا مناورات «نسور الحضارة 2026» الجوية بين مصر والصين، حيث بدأت التدريبات بتنفيذ مواجهات جوية بين طائرات مختلفة من طرازات متباينة، شملت اشتباكات «1 ضد 1» بين مقاتلات «جاي-16» الصينية و«رافال» المصرية على مسافات متوسطة وقريبة. ومن المقرر أن تتطور التدريبات تدريجيًا من سيناريوهات «1 ضد 1» إلى «2 ضد 2»، وصولًا إلى تدريبات أكثر تعقيدًا تحاكي العمليات الجوية ضمن منظومات متكاملة.
ولم تقتصر المشاركة الصينية على المقاتلات، إذ أرسلت بكين أيضًا طائرات تزود بالوقود جوًا، ومنصات متخصصة، ومروحيات، ما يشير إلى أن أهداف التدريب تتجاوز مجرد القتال الجوي القريب، لتشمل اختبار قدرات العمل المشترك والدعم والإسناد الجوي.
لماذا تراقب الهند هذه المناورات عن كثب؟
ترى وسائل إعلام هندية أن أهمية هذه التدريبات تكمن في امتلاك مصر لطائرتين تستخدمهما القوات الجوية الهندية أيضًا، هما «رافال» و«ميغ-29». وتُعد «رافال» حاليًا من أكثر المقاتلات تقدمًا في الترسانة الهندية، بينما تخدم «ميغ-29» في سلاح الجو الهندي منذ عقود.
وبالتالي، فإن حصول القوات الجوية الصينية على فرصة للتدرب في ظروف واقعية ضد هذين النوعين من المقاتلات يمنحها فرصة لاختبار خصائص طائرات تنتمي إلى منظومتين تقنيتين مختلفتين، وهو ما تعتبره وسائل الإعلام الهندية ذا دلالة خاصة بالنسبة إلى نيودلهي.
وتحظى «رافال» بأهمية كبيرة لدى الهند بفضل تجهيزها برادار RBE2 AESA ذي المسح الإلكتروني النشط، ومنظومة الحرب الإلكترونية SPECTRA، إلى جانب صواريخ «ميتيور» بعيدة المدى جو-جو. وخلال السنوات الماضية، اعتمدت الهند على «رافال» باعتبارها إحدى أبرز أدواتها لمواجهة التهديدات التي قد تمثلها المقاتلات الصينية، وفي مقدمتها «جاي-20» و«جاي-16».
ومن هذا المنطلق، تخشى بعض التحليلات الهندية من أن تمنح المواجهات التدريبية بين «جاي-16» و«رافال» الصينية فرصة لاكتساب خبرات عملية تساعدها على تطوير أساليب التعامل مع هذا النوع من المقاتلات، وربما تحديد نقاط ضعف يمكن استغلالها مستقبلًا.
ومع ذلك، لا يعني خوض تدريبات مشتركة واحدة أن الصين أصبحت قادرة على كشف جميع أسرار «رافال» الهندية. فالمقاتلات المصرية تختلف عن النسخ الهندية من حيث برمجيات المهام، وأساليب التدريب، كما أن فرنسا لن تكشف للدول الأجنبية أكثر المعطيات حساسية المتعلقة بمنظومات الحرب الإلكترونية.
لكن المواجهة الحقيقية تستطيع توفير معلومات يصعب الحصول عليها من البيانات النظرية وحدها، مثل طريقة حفاظ «رافال» على الطاقة في الارتفاعات والسرعات المختلفة، وأنماط المناورة المعتادة، وأساليب استخدام الرادار، وردود فعل الطيارين عند التعرض للتشويش الإلكتروني، إضافة إلى طريقة الاقتراب والانسحاب من الاشتباك.
وتناسب «جاي-16» الصينية هذا النوع من المهام بصورة خاصة. فهي مقاتلة ثقيلة متعددة المهام ذات مقعدين، وتتمتع بقدرات رادارية ومدى وحمولة تسليحية كبيرة، كما تستطيع استخدام صواريخ PL-15 بعيدة المدى جو-جو، والاستفادة من شبكات تبادل البيانات للحصول على معلومات الأهداف من منصات أخرى.
ولهذا تصفها بعض وسائل الإعلام الهندية بأنها «شاحنة صواريخ جوية»، باعتبار قدرتها على حمل عدد كبير من الأسلحة بعيدة المدى، والعمل ضمن منظومة مدعومة بطائرات الإنذار المبكر، بما يسمح لها بإيصال قوة نارية كبيرة إلى ساحة المعركة خلف مدى الرؤية.


وفي حال اندلاع مواجهة جوية واسعة بين الصين والهند مستقبلًا، فمن غير المرجح أن تعتمد بكين على «جاي-16» في التقدم منفردة للبحث عن «رافال» أو «سو-30 إم كي آي» وخوض قتال قريب معها. والأقرب إلى منطق الحرب الشبكية أن تتولى طائرات KJ-500 بناء صورة جوية واسعة، بينما تتقدم «جاي-20» الشبحية إلى الأمام، في حين تبقى «جاي-16» على مسافة أكثر أمانًا وتطلق صواريخ PL-15 بعيدة المدى.
ومن هنا، فإن مواجهة «رافال» المصرية لا تقتصر على اختبار القتال القريب، بل تمنح الجانب الصيني أيضًا فرصة لمراقبة كيفية تصرف هذه المقاتلة أمام تهديدات بعيدة المدى، بما في ذلك أساليب المناورة والانسحاب والتعامل مع الهجمات خارج مدى الرؤية.
أما وجود «ميغ-29 إم/إم2» المصرية، فيقدم للصين قيمة مختلفة. ورغم أنها ليست مطابقة تمامًا لمقاتلات «ميغ-29» التي حصلت عليها الهند في مراحل سابقة، فإنها تنتمي إلى المدرسة الروسية نفسها في تصميم المقاتلات والتشغيل والتكتيكات.
وتشغل القوات الجوية الهندية أعدادًا كبيرة من «ميغ-29» و«سو-30 إم كي آي»، كما تأثرت عقيدتها الجوية وتقاليد التدريب والتكتيكات وجوانب من منظومة الدعم اللوجستي بدرجة كبيرة بالمدرسة السوفيتية والروسية.
وفي المقابل، سبق للصين أن حصلت على مقاتلات «سو-27» و«سو-30»، وطورت اعتمادًا على خبرتها بهما مقاتلتي «جاي-11 بي» و«جاي-16». ولذلك فإن التدريب مع مقاتلات روسية الصنع في مصر يمكن أن يوفر للصين فرصة إضافية لدراسة الخصائص الرادارية والأداء الجوي وأساليب الاستخدام التكتيكي لمختلف المنصات المنتمية إلى المدرسة الروسية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التدريب الواقعي بالنسبة إلى الهند. فالكتيبات الفنية يمكن أن تقدم معلومات عن السرعة والمدى والحمولة، لكنها لا تستطيع أن تكشف بصورة كاملة كيف يستخدم الطيار الرادار، ومتى يغير اتجاهه، وكيف يحافظ على طاقته أثناء المناورة، وكيف يتصرف عند التعرض لهجوم مفاجئ.
هذه التفاصيل الدقيقة لا يمكن اكتسابها بسهولة إلا من خلال الاحتكاك العملي والتدريب المتكرر.
الصين توسع «قاعدة بيانات» خصومها المحتملين
خلال السنوات الماضية، كثفت القوات الجوية الصينية مشاركتها في تدريبات مشتركة مع دول مختلفة، من بينها باكستان وتايلاند والإمارات، ما أتاح للطيارين الصينيين فرصًا للتعامل مع مقاتلات غربية مثل F-16 وGripen وMirage، إلى جانب عدد من المقاتلات ذات الأصل الروسي.
ومع توسع التعاون العسكري الصيني مع دول مختلفة، تتزايد فرص الطيارين الصينيين في التعرف عمليًا إلى أنماط تشغيل ومفاهيم قتالية تنتمي إلى المدارس الغربية والروسية على حد سواء.
في المقابل، تواجه الهند صعوبة أكبر في الحصول على معلومات عملية مماثلة عن منظومة القتال الجوي الصينية. فمقاتلات «جاي-20» و«جاي-16»، إلى جانب صواريخ PL-15 وطائرات الإنذار المبكر KJ-500، لا توجد ضمن ترسانات شركاء الهند، ما يجعل نيودلهي أكثر اعتمادًا على البيانات المفتوحة، والاستطلاع الإلكتروني، وما يمكن رصده من احتكاكات جوية محدودة في المناطق الحدودية.
وتتمثل القاعدة الأساسية هنا في أن كلما تمكنت الدولة من دراسة خصم محتمل بصورة أكثر تفصيلًا خلال وقت السلم، قلّت تكلفة التجربة والخطأ عند اندلاع الحرب.
ومن هذه الزاوية، فإن إرسال «جاي-16» الصينية إلى مصر لا يعكس فقط قدرة بكين على تنفيذ انتشار جوي بعيد المدى وتوفير الدعم اللوجستي للقوات المنتشرة، بل يمنحها أيضًا فرصة للتدرب على مقاتلات غربية متقدمة مثل «رافال»، إلى جانب مقاتلات روسية مثل «ميغ-29».
ومع تحول تدريبات الطائرات المختلفة إلى نشاط أكثر انتظامًا، تواصل القوات الجوية الصينية توسيع ما يمكن وصفه بـ«قاعدة بيانات الخصوم»، بحيث لا تقتصر خبرتها على دراسة الطائرات من خلال المعلومات النظرية، بل تمتد إلى اختبار أدائها وسلوكها التكتيكي في بيئات تدريب واقعية.
وفي حال واجه الطيارون الصينيون مستقبلًا مقاتلات «رافال» أو غيرها من الطائرات الروسية الصنع في أجواء التوتر بين الصين والهند، فإن الخبرات المكتسبة من هذه التدريبات قد تمنحهم فهمًا أفضل لكيفية التعامل معها.
ويمكن إضافة بُعد آخر إلى أهداف هذه المناورات، يتمثل في منح القوات الجوية المصرية فرصة للتعرف عمليًا إلى قدرات الطائرات الصينية المتقدمة وتقييم أدائها في ظروف تشغيل واقعية، بدلًا من الاكتفاء بالمواصفات الفنية والعروض التسويقية. فإظهار مقاتلات مثل «جاي-16» إلى جانب منظومات الدعم والإنذار والتزود بالوقود الصينية يسمح للقاهرة بتكوين صورة أكثر وضوحًا عن مستوى التكامل القتالي الذي توفره هذه المنظومة. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع تقارير متزايدة عن اهتمام مصر بمقاتلات صينية مثل «جاي-10» و«جاي-35»، ما يجعل المناورات منصة عملية للصناعة الصينية لاستعراض قدراتها أمام عميل محتمل، وفتح المجال أمام صفقات مستقبلية وتنويع خيارات التسليح المصري.
/* Shares”}};
/* ))> */
المصدر الأصلي:
www.defense-arabic.com
كاتب المصدر:
نور الدين
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com



