سعر القمح في القاهرة، وأسعار الشحن بين آسيا وأوروبا، ومحصول الأرز في الهند، وحركة السفن في قناة بنما، كلها أمور تبدو للوهلة الأولى أجزاء من ظواهر مختلفة. لكن يكفي أحياناً أن ترتفع حرارة المياه في منطقة بعيدة من المحيط كي تبدأ هذه الظواهر في التقاطع.
الاسم يبدو أخف من الظاهرة التي يصفها. لكنه ليس عاصفة واحدة ولا موجة جفاف واحدة، بل اضطراب في النظام المناخي للمحيط الهادئ يمكن أن يعيد توزيع الحرارة والرطوبة على مساحات شاسعة من الكوكب. وعندما يحدث ذلك، لا يتغير الطقس وحده. تتغير المحاصيل، ومخزونات المياه، وأسعار الغذاء، وإنتاج الطاقة، وحركة السفن، ومسارات النمو الاقتصادي نفسها… ذلك هو النينيو.
دراسة نشرتها جامعة دارتموث وجدت أن ظاهرتي النينيو القويتين في 1982-1983 و1997-1998 ارتبطتا بخسائر في الدخل العالمي بلغت نحو 4.1 تريليون دولار و5.7 تريليون دولار على التوالي خلال السنوات الخمس التالية. وقدّرت الدراسة أن تأثير النينيو الذي حدث في 2023-2024 يمكن أن يخفض النشاط الاقتصادي العالمي بنحو 5.7 تريليون دولار بحلول 2029.
صدمة اقتصادية عالمية
هذه الأرقام لا تعني أن النينيو “أهدر” تلك المبالغ نقداً، ولا أن كل دولار من الخسائر يمكن نسبته إلى الظاهرة وحدها. الاقتصاد العالمي أكثر تعقيداً من ذلك، والنماذج المناخية-الاقتصادية تحمل قدراً من عدم اليقين. لكنها تكشف تحولاً مهماً في طريقة التفكير: الضرر الذي يسببه النينيو لا ينتهي عندما تعود حرارة المحيط إلى طبيعتها. قد تستمر آثاره في الإنتاج والاستثمار والإنتاجية والتجارة لسنوات.
وهنا تحديداً يتغير معنى النينيو. فهو لم يعد مجرد ظاهرة يراقبها علماء الأرصاد ويستعد لها المزارعون. لقد أصبح، في عالم شديد الترابط، نوعاً من الصدمة الاقتصادية العالمية.
تحدث ظاهرة النينيو عندما ترتفع بصورة غير معتادة حرارة سطح المياه في الجزء الأوسط والشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي، بالتزامن مع تغيرات في الرياح والضغط الجوي. وتأتي لا نينيا بوصفها المرحلة الباردة المقابلة، عندما تصبح المياه في تلك المنطقة أبرد من المعتاد وتتغير أنماط الدوران الجوي. ولا تحدث الظاهرتان وفق جدول زمني ثابت، لكنهما تتكرران عادة كل بضعة أعوام.
المشكلة أن المحيط الهادئ ليس مجرد محيط. إنه أحد أكبر منظمي النظام المناخي للأرض.
عندما تتغير حرارة مياهه الاستوائية، تتغير حركة الهواء والرطوبة والطاقة في الغلاف الجوي، ويمكن أن تظهر آثار ذلك في أماكن تبعد آلاف الكيلومترات. مناطق قد تحصل على أمطار أكثر من المعتاد، فيما تواجه مناطق أخرى الجفاف. وقد تنخفض إنتاجية مصايد الأسماك في بعض السواحل، بينما تتعرض مناطق أخرى لفيضانات أو موجات حر أو حرائق.
هذه القدرة على نقل الاضطراب من مكان إلى آخر هي التي تجعل النينيو اقتصادياً بقدر ما هو مناخي.
ففي أستراليا، مثلاً، ارتبطت ظواهر النينيو تاريخياً بفترات من الجفاف الشديد. وفي بيرو، يمكن أن تؤثر المياه الأكثر دفئاً في المحيط على الثروة السمكية والزراعة. وفي أجزاء من آسيا، يمكن أن تتغير أنماط الأمطار بما ينعكس على الأرز والمحاصيل الأخرى. وفي مناطق من الأمريكتين، يمكن أن تأتي الأمطار الغزيرة والفيضانات في الوقت الذي تكون فيه مناطق أخرى تعاني من الجفاف.
ولا يحتاج الاقتصاد إلى كارثة كبرى كي يشعر بهذه التغيرات.
يكفي أن ينخفض محصول واحد من المحاصيل الأساسية قليلاً. يرتفع السعر. تبدأ الدول المستوردة في البحث عن مصادر بديلة. يزداد الطلب على المخزون العالمي. تتدخل الحكومات لحماية المستهلكين. وقد تفرض دول مصدرة قيوداً على التصدير. تنتقل الصدمة من المزرعة إلى الميناء، ومن الميناء إلى شركة الأغذية، ومن الشركة إلى المستهلك.
وهكذا تتحول ظاهرة محلية في بدايتها إلى تضخم عالمي في نهايتها.
لقد تعلم الاقتصاد العالمي هذا الدرس بالفعل من أزمات أخرى. جائحة كوفيد-19 كشفت هشاشة سلاسل الإمداد. الحرب في أوكرانيا كشفت هشاشة أسواق الغذاء والطاقة. واضطرابات البحر الأحمر والحرب في مضيق هرمز أثبتت أن طريقاً بحرياً واحداً يمكن أن يغير حسابات الشحن العالمية. والنينيو يضيف شيئاً مختلفاً: إنه اضطراب لا يحتاج إلى حرب ولا إلى قرار سياسي كي يحدث.
إنه يأتي من المحيط. وهذا يجعل الاستعداد له أصعب من مواجهة أزمة سياسية يمكن التفاوض معها.
قصة عن قيمة الوقت
خذ قناة بنما مثالاً. القناة تبدو كأنها قطعة من البنية التحتية، لكن تشغيلها يعتمد على المياه العذبة. وفي السنوات التي تتراجع فيها الأمطار ويشتد فيها الجفاف، يصبح الحفاظ على مستويات المياه اللازمة لتشغيل الأهوسة تحدياً اقتصادياً وتجارياً. وقد أدى الجفاف المرتبط جزئياً بالنينيو إلى تقليص حركة السفن في القناة خلال الأزمة السابقة، وأصبحت القناة في 2026 تواجه مرة أخرى قيوداً على العبور مع عودة النينيو وتراجع مستويات المياه. وتخطط السلطات لتقليص عدد العبور اليومي إلى 32 سفينة في سبتمبر، مع احتمال فرض قيود إضافية إذا استمرت الظروف الجافة.
القناة تتعامل مع نحو 5% من التجارة البحرية العالمية، ولذلك فإن المشكلة ليست بنمية فقط. عندما تصبح القناة أقل قدرة على استقبال السفن، لا تختفي التجارة. تبحث السفن عن طريق آخر. وقد يعني ذلك الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، في رحلة أطول بكثير، مع استهلاك وقود إضافي، وزمن أطول، وتأمين أعلى، واختناقات جديدة في الموانئ.
تلك هي الطريقة التي يعمل بها النينيو اقتصادياً. إنه لا يحتاج إلى إغلاق ميناء حتى يعطل التجارة. يكفي أن يرفع تكلفة استخدامه.
وقد بدأت شركات الشحن بالفعل في التعامل مع احتمالات القيود في قناة بنما من خلال إعادة توجيه بعض الرحلات، فيما وصلت بعض عروض الحصول على أولوية العبور إلى ملايين الدولارات.
هذه ليست قصة مناخية بالمعنى التقليدي. إنها قصة عن قيمة الوقت. السفينة التي تنتظر أياماً في قناة مزدحمة ليست مجرد سفينة متأخرة. إنها بضائع متأخرة، ومصانع تنتظر مدخلات، وشركات تزيد مخزوناتها الاحتياطية، ومستهلكون يدفعون في النهاية جزءاً من التكلفة. وفي اقتصاد عالمي بنته الشركات على مبدأ «الوصول في الوقت المناسب»، يمكن للمياه أن تصبح عنق زجاجة تجارياً.
لكن قناة بنما تكشف أيضاً شيئاً أعمق: النينيو لا يضرب البلدان بالتساوي.
الدول الغنية تستطيع في كثير من الأحيان شراء الوقت. تستطيع الشركات الكبرى تغيير مسارات الشحن، والتحوط في أسواق السلع، وتخزين المواد، والتأمين ضد بعض المخاطر، والاستثمار في مصادر بديلة. أما الدول الفقيرة، وخصوصاً الدول الاستوائية التي تعتمد بشدة على الزراعة أو الصيد، فقد لا تملك هذه الخيارات.
وهذا هو أحد أكثر جوانب النينيو إثارة للقلق. الظاهرة الطبيعية نفسها لا توزع أضرارها بالتساوي. اقتصاد ضعيف قد يتعرض لصدمة مناخية صغيرة فتتحول إلى أزمة مالية. اقتصاد غني قد يتعرض للصدمة نفسها فيمتصها عبر الميزانية والتأمين والاستيراد.
النينيو لم يعد اضطراباً مناخياً فحسب بل تحول إلى صدمة اقتصادية عالمية تعيد توزيع الحرارة والرطوبة وتؤثر في المحاصيل والتجارة والنمو عبر القارات
الدراسة التي قادها باحثون في دارتموث وجدت بالفعل أن البلدان الاستوائية منخفضة الدخل تحملت قسماً كبيراً من الخسائر الاقتصادية المرتبطة بظواهر النينيو السابقة. وفي هذه الاقتصادات، يمكن أن يعني الجفاف محصولاً أقل، ودخلاً أقل للمزارعين، وواردات غذاء أغلى، وعجزاً أكبر في الحسابات الخارجية، وضغطاً على العملة، ثم ارتفاعاً في أسعار المواد الأساسية.
وهكذا تتحول الظاهرة المناخية إلى مشكلة ديون. وقد تضطر الحكومة إلى استيراد غذاء إضافي في الوقت الذي تنخفض فيه عائدات التصدير. وقد تحتاج إلى دعم الأسعار في الوقت الذي تتراجع فيه الإيرادات الضريبية. وقد تضطر إلى زيادة الإنفاق على الكوارث في الوقت الذي يصبح فيه الاقتراض أكثر كلفة.
الخوف جزء من المشكلة
النينيو لا يسقط حكومة، لكنه يستطيع أن يجعل حكومة ضعيفة أكثر ضعفاً. وهنا يصبح الأمن الغذائي جزءاً من الأمن الاقتصادي. فالمشكلة ليست فقط في انخفاض كمية الغذاء المنتجة، بل في كيفية استجابة الدول. عندما تخشى الحكومات نقص الإمدادات، قد تلجأ إلى تقييد الصادرات. وعندما تفعل عدة دول ذلك في الوقت نفسه، ينكمش المعروض العالمي حتى لو لم يكن النقص الفعلي في الإنتاج كارثياً. وهكذا يتحول الخوف من النقص إلى جزء من المشكلة.
لقد شهد العالم هذه الدينامية في أزمات غذائية سابقة. فالأسواق لا تتعامل مع المحصول الحالي فقط؛ بل تتعامل مع توقعات المحصول المقبل. وإذا اعتقد التجار أن الأرز أو القمح أو الذرة سيكون أقل توافراً، فإن الأسعار يمكن أن تبدأ في التحرك قبل أن تصل الخسائر الزراعية إلى الأسواق.
النينيو إذن لا يغير الطقس فقط. إنه يغير التوقعات. وهذا مهم بالنسبة للبنوك المركزية أيضاً.
إذا أدت الظاهرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل، فقد تواجه البنوك المركزية تضخماً لا يأتي من الطلب المحلي. رفع أسعار الفائدة لن يجعل المطر يهطل في أستراليا، ولن يعيد المياه إلى قناة بنما، ولن يزيد محصول الأرز في آسيا. ومع ذلك قد تجد البنوك نفسها مضطرة إلى التعامل مع التضخم الناتج عن صدمة مناخية كما لو كان تضخماً اقتصادياً تقليدياً.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات صعوبة في اقتصاد المناخ: أدوات السياسة النقدية محدودة أمام صدمات مصدرها المحيط.
يمكن للبنك المركزي أن يرفع الفائدة لتقليل الطلب، لكنه لا يستطيع زيادة الأمطار.
يمكن للحكومة أن تدعم الخبز، لكنها لا تستطيع إصلاح محصول متضرر.
يمكن لشركة الشحن أن تغير طريق السفينة، لكنها لا تستطيع تغيير مستوى المياه في القناة.
لذلك فإن مواجهة النينيو ليست مسألة استجابة بعد وقوع الضرر. إنها مسألة استعداد قبل وقوعه.
والخبر الجيد أن النينيو ليس زلزالاً مفاجئاً. يمكن للعلماء مراقبة إشاراته قبل أشهر، وتوفر شبكات الأقمار الصناعية والعوامات والنماذج المناخية قدرة متقدمة على التنبؤ بتطوره. وهذا يعني أن الحكومات تعرف، بدرجات متفاوتة، أن الخطر قادم قبل أن يصل إلى المحاصيل والموانئ والأسواق.
السؤال إذن ليس هل يمكن التنبؤ بالنينيو، بل ماذا تفعل الحكومات بهذه المعرفة. وقد يكون هذا هو الجزء الأكثر إحباطاً في القصة.
العالم يعرف أن بعض الظواهر المناخية ستأتي مرة أخرى. يعرف أين يمكن أن تحدث الفيضانات. ويعرف أن بعض الدول معرضة للجفاف. ويعرف أن القنوات والموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء تعتمد على بنية تحتية حساسة للمياه والحرارة. ومع ذلك تظل الاستثمارات الوقائية أقل جاذبية سياسياً من الإنفاق بعد وقوع الكارثة.
السياسي الذي يبني خزاناً قبل الجفاف لا يحصل غالباً على الصورة نفسها التي يحصل عليها السياسي الذي يرسل المساعدات بعد الكارثة.
لكن الاقتصاد لا يهتم بالصور. إنه يهتم بالتكلفة.
وهذه التكلفة قد تكون أكبر في عصر تغير المناخ. فقد نشرت دراسة حديثة في مجلةScience في آب- أغسطس 2026، استناداً إلى سجلات مناخية قديمة لمرجان جزر غالاباغوس، تقديراً بأن شدة النينيو ارتفعت بنحو 36.5% مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، مع زيادة ملحوظة في العقود الأخيرة. وربط الباحثون ذلك بارتفاع درجات الحرارة الناتج عن النشاط البشري، مع الإقرار بأن حجم هذا التأثير ما يزال موضع نقاش بين العلماء.
هذه النتيجة، إذا تأكدت عبر مزيد من الأدلة، مهمة اقتصادياً بقدر أهميتها علمياً.
لأن المشكلة لا تصبح عندها مجرد تكرار لظاهرة طبيعية قديمة في عالم أكثر دفئاً. بل تصبح احتمال أن النظام المناخي الذي اعتاد الاقتصاد العالمي العمل داخله لم يعد هو النظام نفسه.
الحل في التحوط
لقد بنيت مئات المليارات من الدولارات من الاستثمارات على افتراضات مناخية سابقة: متى تهطل الأمطار، ومتى تجف الأنهار، وكم يبلغ مستوى المياه في الخزانات، ومتى يبدأ موسم الزراعة، وما مقدار الحرارة التي يمكن للبنية التحتية تحملها.
إذا تغيرت هذه الافتراضات، تصبح بعض الأصول أقل قيمة مما كان متوقعاً. وهذا يعني أن تغير المناخ ليس فقط مشكلة بيئية. إنه مشكلة في تقييم الأصول.
المزرعة التي كانت منتجة قد تصبح أكثر تقلباً. السد الذي كان يعتمد على نمط مائي مستقر قد يواجه سنوات أكثر صعوبة. الميناء الذي لم يكن يتوقع نقص المياه قد يصبح أكثر تعرضاً للقيود. وحتى شركات التأمين قد تجد نفسها أمام مخاطر يصعب تسعيرها بالطرق القديمة.
هنا يلتقي النينيو مع التحول الأكبر في الاقتصاد العالمي. فالأسواق الحديثة تحاول تحويل كل شيء إلى رقم: تكلفة رأس المال، سعر النفط، علاوة المخاطرة، قيمة الأرض، سعر التأمين. لكن المناخ يفرض مشكلة مختلفة: ماذا يحدث عندما يصبح المستقبل أقل شبهاً بالماضي؟
هذا السؤال لا تستطيع نماذج الاقتصاد التقليدية الإجابة عنه بسهولة.
والنينيو مثال مثالي لهذه المشكلة لأنه ظاهرة طبيعية، لكنها تعمل داخل نظام مناخي يتغير بسبب النشاط البشري. ولذلك لا يكفي أن نعرف تاريخ النينيو السابق. نحتاج أيضاً إلى معرفة كيف يمكن أن يتصرف النينيو في عالم أكثر حرارة.
وهنا ينبغي الحذر من التبسيط. ليس صحيحاً أن كل موجة جفاف أو فيضان يمكن نسبها إلى النينيو وحده، كما أن كل نينيو لا ينتج الآثار نفسها. فالتأثيرات تختلف باختلاف موقع الدولة وتوقيت الظاهرة والظروف المحلية. وقد تختلف النتائج الاقتصادية جذرياً بين حدثين متشابهين في المحيط الهادئ. لكن هذا لا يقلل من أهمية المشكلة. بل يزيدها.
لأن الاقتصاد لا يحتاج إلى يقين كامل كي يتضرر من المخاطر. يكفي أن تصبح احتمالات الأحداث المتطرفة أعلى حتى ترتفع تكلفة التأمين والاستثمار والتحوط. ومن هنا ينبغي أن يتغير مفهوم الأمن الاقتصادي.
لم يعد الأمن الاقتصادي يعني فقط امتلاك احتياطيات نقدية أو مصادر طاقة متعددة أو نظام مصرفي قوي. إنه يعني أيضاً امتلاك احتياطي من المياه، ومخازن غذاء، وشبكات كهرباء مرنة، وموانئ قادرة على التعامل مع تغير المسارات التجارية، وأنظمة إنذار مبكر، وقدرة على نقل الإنتاج بين مناطق مختلفة.
الدول التي ستنجح في عصر النينيو ليست بالضرورة الدول التي تستطيع منع الظاهرة، لا أحد يستطيع، إنها الدول التي تستطيع امتصاصها.
وهذا يتطلب تعاوناً دولياً أكبر مما هو موجود حالياً. فالمناخ لا يحترم الحدود، لكن السياسات الاقتصادية ما تزال مصممة إلى حد كبير داخل الحدود. تستطيع دولة أن تستثمر في التنبؤ، لكن فائدته قد تمتد إلى جيرانها. تستطيع دولة أن تخزن الغذاء، لكن نقصها قد يدفع دولة أخرى إلى منع التصدير. تستطيع دولة أن تحمي قناة، لكن تعطلها يؤثر في التجارة العالمية.
المشكلة أن الحوافز الوطنية لا تتطابق دائماً مع الحاجة العالمية. ولهذا ينبغي أن تصبح المعلومات المناخية جزءاً من البنية الأساسية للنظام الاقتصادي الدولي. ينبغي أن تعرف الحكومات، قبل الشركات، كيف يمكن أن يؤثر النينيو المقبل في الغذاء والطاقة والنقل والمياه. وينبغي أن تتعامل المؤسسات المالية الدولية مع هذه المخاطر باعتبارها جزءاً من الاستقرار المالي، لا باعتبارها ملفاً بيئياً منفصلاً.
فالقرض الذي يُمنح لدولة زراعية معرضة للجفاف من دون احتساب المخاطر المناخية قد يبدو سليماً على الورق. لكنه يصبح أكثر خطورة إذا كانت تلك الدولة تواجه احتمالاً متزايداً لصدمات مناخية متكررة. كما أن الاستثمار في التكيف ليس عملاً خيرياً. إنه استثمار اقتصادي.
خزان مياه أفضل قد يمنع خسائر أكبر. نظام ري أكثر كفاءة قد يحمي الإنتاج الزراعي. تنويع مصادر الغذاء قد يقلل مخاطر الأسعار. تحسين الموانئ والطرق قد يقلل تكلفة تحويل التجارة. والاستثمار في التنبؤ المبكر يمكن أن يكون أرخص بكثير من إعادة بناء البنية التحتية بعد الكارثة.
لكن العالم لا يزال يتعامل مع التكيف وكأنه نشاط ثانوي، بينما تظل الوقاية مناخياً واقتصادياً أقل إثارة من إدارة الكارثة. وقد يكون النينيو أحد الأسباب التي تجعل هذا التفكير غير قابل للاستمرار.
فالظاهرة ستأتي وتذهب. المحيط سيعود إلى حالته المعتادة، وستنتهي العناوين الإخبارية، وستعود السفن إلى القناة، وستزرع المحاصيل في الموسم التالي. لكن بعض الخسائر ستبقى. قد يبقى الدين. وقد يبقى ارتفاع الأسعار. وقد يبقى المزارع الذي فقد مدخراته. وقد تبقى الشركة التي أغلقت مصنعاً. وقد تبقى الدولة التي اضطرت إلى إنفاق جزء من ميزانيتها على استيراد الغذاء بدلاً من الاستثمار. وهذه هي النقطة التي تجعل النينيو مختلفاً عن مجرد «طقس سيئ». إنه يترك أثراً اقتصادياً متراكماً.
لذلك ربما آن الأوان للتوقف عن التعامل مع النينيو باعتباره خبراً موسمياً في نشرات الطقس. فهو أقرب إلى اختبار دوري لقدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع الصدمات. وإذا كان العالم يواجه بالفعل تغيراً مناخياً يجعل بعض الظواهر أكثر شدة أو يزيد من تقلباتها، فإن الاختبار سيصبح أصعب. ليس لأن النينيو سيحكم الاقتصاد العالمي. بل لأن الاقتصاد العالمي لم يعد يستطيع أن يتجاهل المناخ الذي يعمل داخله.
في القرن العشرين، أمكن لكثير من الشركات والحكومات أن تفكر في المناخ بوصفه خلفية ثابتة نسبياً للنشاط الاقتصادي. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبح المناخ متغيراً اقتصادياً بحد ذاته.
هذه ليست نهاية العولمة. لكنها قد تكون نهاية العولمة التي تفترض أن الطبيعة ستظل في الخلفية.
النينيو يذكرنا بأن الاقتصاد العالمي ليس آلة مستقلة تعمل فوق سطح الكوكب. إنه جزء من النظام الطبيعي نفسه، يعتمد على المياه والمطر والحرارة والرياح والمحيطات. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم سيكلف النينيو العالم؟
السؤال هو: لماذا ننتظر حتى نعرف الرقم؟
إذا كانت الدراسات تشير إلى خسائر بتريليونات الدولارات، وإذا كانت الظاهرة قابلة للتنبؤ قبل أشهر، وإذا كانت بعض أكثر الدول تعرضاً للخطر هي الأقل قدرة على تحمل الصدمة، فإن تجاهلها لم يعد اقتصاداً في الإنفاق. إنه تأجيل للفاتورة. والفاتورة، في عالم أكثر حرارة وأكثر ترابطاً، قد تصبح أكبر في كل مرة.
المصدر الأصلي:
lebanoneconomy.net
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-09-02 06:48:00
كاتب المصدر:
hanay shamout
نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.


