
يكتسب تحديث الطائرات دورًا متزايد الأهمية في مجال الطيران العسكري، مع سعي الجهات المشغِّلة إلى تعزيز القدرات القتالية دون انتظار استبدال الأسطول بالكامل. وتُعدّ “أسيلسان” (ASELSAN) اسمًا مألوفًا في هذه السوق، إذ نفّذت الشركة أكثر من 500 عملية تحديث لطائرات مختلفة، شملت دمج منظومات إلكترونيات جوية ومعدات مهمّات جديدة على متن منصّات ثابتة الجناح وذات الأجنحة الدوارة من صناعات وأجيال متعددة.
ويتجاوز نطاق هذا التحديث تجديد قمرة القيادة وحدها، إذ يشمل برنامج أسيلسان حواسيب المهام، والشاشات الرقمية، ومنظومات الملاحة والاتصالات، وأجهزة الاستشعار الكهروبصرية، ومنظومات التسليح، ورادار الأنف، ومنظومات الحماية الذاتية للطائرة. وتستطيع الشركة دمج هذه الأنظمة كحزمة متكاملة، أو تكييف التشكيلة بما يتناسب مع المعدات القائمة لدى الزبون ومتطلباته التشغيلية.
وتكتسب هذه القدرة على العمل، عبر بنى متعددة للطائرات، أهمية خاصة بالنسبة إلى الأساطيل التي تراكمت لديها أجيال متعددة من التجهيزات على مدى سنوات خدمتها. فبدلًا من فرض تشكيلة موحّدة، تستطيع أسيلسان الإبقاء على الأجهزة القديمة الملائمة ودمج الأنظمة الجديدة حولها، بما يتيح تصميم عملية التحديث بحسب خصوصية كل منصّة على حدة.
نواة رقمية للطائرة المطوَّرة
يشكّل حاسوب التحكم المركزي للإلكترونيات الجوية “أكور” (ACORE) عنصرًا محوريًا في عروض أسيلسان في هذا المجال، إذ يربط وظائف الإلكترونيات الجوية والملاحة والاتصالات والتعريف ضمن بنية موحّدة. وتتيح عتاديته المعيارية وبرمجياته القابلة للتوسّع تشغيل التجهيزات القائمة والأنظمة المُستحدَثة معًا، مع الإبقاء على هامش لإضافات لاحقة.
وتجمع أسيلسان داخل قمرة القيادة بين حواسيب المهام والشاشات متعددة الوظائف، بهدف عرض معلومات الطيران والملاحة والمهمّة بصورة أكثر تكاملًا. ويسعى هذا الحل إلى تقليص عدد الواجهات المنفصلة التي يتعيّن على الطاقم إدارتها، وتسريع الوصول إلى المعلومات الواردة من الأنظمة على متن الطائرة.
وتضيف خوذة العرض (AVCI) من أسيلسان طبقة إضافية للتطبيقات القتالية والطائرات ذات الأجنحة الدوارة، إذ يمكن عرض معلومات الطيران والملاحة والاستهداف مباشرة في مجال رؤية الطيّار، إلى جانب صور الرؤية الليلية والأشعة تحت الحمراء. كما يدعم النظام وظيفة التوجيه بخط النظر، ما يتيح للطيّار التفاعل بشكل مباشر أكثر مع أجهزة استشعار الطائرة ووظائف الاستهداف.
الملاحة والاتصالات في بيئة العمليات المتنازع عليها
وتتناول حزمة تحديثات أسيلسان أيضًا مجالين ازدادت أهميتهما في العمليات الجوية الراهنة، هما الملاحة المرنة والاتصال الآمن. وتساعد وحدة القياس بالقصور الذاتي التكتيكية “كيلافوز” (KILAVUZ) ونظام الملاحة بالقصور الذاتي “ANS-600” الطائرة على الحفاظ على معلومات دقيقة عن موقعها ووضعيتها عند تدهور أو انقطاع إشارة الملاحة الساتلية. وإلى جانب هاتين المنظومتين، يعزّز نظام تفادي التصادم مع حركة الملاحة الجوية والتضاريس “أتراس” (ATRAS) من أسيلسان الوعي الظرفي عبر تزويد الطاقم بمعلومات عن حركة الطيران والتضاريس، بما يدعم سلامة عمليات الطيران. وتضمّ حزمة الملاحة لدى الشركة أيضًا منظومة “أرفين” (ARVEN)، وهي نظام ملاحة راديوي مدمج يجمع وظائف متعددة في وحدة واحدة، ما يبسّط بنية الإلكترونيات الجوية مع توفير قدرات ملاحية متعددة ضمن حل واحد.
أما على صعيد الاتصالات، فتوفّر عائلة أجهزة الراديو الجوية المعرَّفة بالبرمجيات “آرت كوم” (ARTcom) روابط صوتية وبيانية آمنة، باستخدام أشكال موجية متوافقة مع “الناتو” (NATO) وإجراءات حماية إلكترونية. وتتيح هذه الأجهزة للطائرات المصمَّمة أصلًا وفق مفاهيم اتصال أقدم أن تعمل بفاعلية أكبر ضمن شبكات المهام الحالية، وأن تتبادل المعلومات مع عناصر جوية وأرضية أخرى.
أجهزة الاستشعار والحماية الذاتية
ويمكن أيضًا إدراج الأنظمة الكهروبصرية ضمن حزمة التحديث، إذ توفّر عائلة “أسيلفلير” (ASELFLIR) قدرات كشف وتتبّع واستهداف نهارًا وليلًا. وبدلًا من أن يعمل جهاز الاستشعار كحمولة معزولة، يمكن ربطه بحاسوب المهام والملاحة وشاشات قمرة القيادة، بما يتيح للطاقم الوصول المباشر إلى معلومات الاستشعار أثناء تنفيذ المهمّة.
وتشكّل قدرة البقاء على قيد الحياة جانبًا محوريًا آخر في حزمة أسيلسان لتكامل الإلكترونيات الجوية، إذ تطرح الشركة منظومات حرب إلكترونية وحماية ذاتية ضد التهديدات الرادارية والليزرية والأشعة تحت الحمراء، ما يتيح للطائرات القديمة الحصول على قدرات دفاعية طُوِّرت خصّيصًا لمواجهة بيئة التهديدات الراهنة.
ومن بين هذه القدرات نظام (YILDIRIM-100)، وهو منظومة إجراءات مضادة موجَّهة بالأشعة تحت الحمراء (DIRCM) تعتمد تقنية ليزرية لحماية الطائرة من الصواريخ الباحثة عن الحرارة. وقد صُمِّم النظام للعمل جنبًا إلى جنب مع أنظمة إنذار وإجراءات مضادة أخرى، ويمكن دمجه ضمن حزمة أوسع للحماية الذاتية للطائرة، ما يعزّز قدرتها على البقاء في مواجهة التهديدات الموجَّهة بالأشعة تحت الحمراء.
وبالنسبة إلى الطائرات المقاتلة، يوفّر رادار “مراد” (MURAD) من أسيلسان وعيًا ظرفيًا استطلاعيًا أماميًا عالي الدقة، اعتمادًا على بنية مصفوفة ماسحة إلكترونيًا نشطة (AESA) مدمجة الحجم. وتمنح قدراته متعددة الأنماط في الكشف والتتبّع، المنصّات المطوَّرة وعيًا ظرفيًا أعلى وفاعلية أكبر في تنفيذ المهام، من دون الحاجة إلى استبدال الطائرة بالكامل.
تقليص زمن بقاء الطائرة على الأرض أثناء التكامل
وتمثّل القدرات التي توفّرها حزمة التحديث، بالنسبة إلى الجهات المشغِّلة، جزءًا واحدًا فقط من المعادلة الكاملة، إذ تحظى المدة اللازمة للتكامل والاختبار بالأهمية نفسها، خصوصًا لدى الأساطيل التي يتعيّن عليها الحفاظ على معدلات جاهزية مرتفعة.
وتستخدم أسيلسان مختبرات تكامل الأنظمة (SIL) لتطوير تشكيلات الإلكترونيات الجوية واختبارها قبل تركيبها على متن الطائرة نفسها. وتحاكي هذه المختبرات الأجزاء الرئيسية من بيئة الطائرة، ما يتيح للمهندسين اختبار الواجهات والبرمجيات وسلوك الأنظمة على الأرض. ويقلّص هذا الأسلوب حجم أنشطة التطوير التي يتعيّن تنفيذها على الطائرة العاملة فعليًا، ويمكن أن يختصر المدة التي تبقى فيها خارج الخدمة.
وتدعم أسيلسان دورة التكامل الكاملة، بما فيها الاختبارات الأرضية والجوية، والتأهيل، والاعتماد. ويمكن تنفيذ أنشطة التحديث في منشآت الشركة داخل تركيا، أو في مواقع الزبون عبر فرق تقنية مُنتدَبة.
ويمكن أن تظل البنية التحتية نفسها مفيدة بعد التسليم، إذ تستطيع مختبرات تكامل الأنظمة دعم التدريب وتطوير البرمجيات لاحقًا، فيما تستطيع أسيلسان نقل قدرات الصيانة والمعايرة والإصلاح إلى الزبون بحسب متطلبات كل برنامج. ويمنح ذلك الجهات المشغِّلة قدرًا أكبر من السيطرة على الاستدامة والتحديثات المستقبلية، بدلًا من ربط الطائرة بشكل دائم بمنشأة التحديث الأصلية.
دور متنامٍ لتحديث الإلكترونيات الجوية
تتحوّل مسألة التحديث، بالنسبة إلى القوات الجوية التي تشغّل أساطيل مختلطة، بشكل متزايد إلى سؤال حول الجهة التي يحقق فيها الاستثمار أكبر عائد تشغيلي. وما زال بإمكان الطائرات التي يتبقى لها عمر إنشائي أن تستفيد استفادة كبيرة من أنظمة المهام الجديدة، خصوصًا حين تحسّن عمليات التحديث عدة مجالات في آنٍ واحد، بدلًا من استبدال قطع منفردة من التجهيزات.
وتمنح عمليات التحديث التي نفّذتها أسيلسان، والتي تجاوزت 500 طائرة، الشركة قاعدة واسعة من الخبرة التكاملية عبر أنواع مختلفة من المنصّات. كما تتيح حزمتها توريد ودمج عدد كبير من العناصر الأساسية للتحديث، من قمرة القيادة وحاسوب المهام إلى الاتصالات والكهروبصريات والملاحة والحماية الذاتية، ضمن برنامج تحديث واحد.
المصدر الأصلي: defensearabia.com — للاطلاع على المادة الأصلية.