مهمة أوروبية تتقدم من النقاش إلى الاستعداد العملي
قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن أكثر من عشر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي أبدت استعدادها للمساهمة بأفراد وموارد في مهمة مقترحة لتقديم المشورة والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية. المبادرة تكتسب وزناً إضافياً لأن ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان – اليونيفيل تنتهي في نهاية 2026، على أن تبدأ القوة بعدها مسار انسحاب تدريجي يمتد عاماً، وهو ما يفتح سؤالاً لبنانياً وأوروبياً حول من يملأ جزءاً من الفراغ في مجالات التدريب والمراقبة وبناء القدرات.
المهمة الأوروبية المطروحة ليست قوة قتالية بديلة عن اليونيفيل بحسب المعلومات المتاحة، بل إطار يركز على الاستشارة والتدريب ودعم قدرات الجيش، في وقت تريد فيه الدول الغربية أن تتمكن المؤسسة العسكرية اللبنانية من تولي أدوار أوسع في الجنوب وفي ملف بسط سلطة الدولة. أهمية الإعلان لا تكمن فقط في عدد الدول المستعدة، بل في انتقال الفكرة من دراسة عامة داخل الاتحاد إلى وجود دول تقول إنها جاهزة للمساهمة فعلياً.
الجيش في قلب المرحلة المقبلة
الجيش اللبناني يواجه في المرحلة الحالية مجموعة مهام تتجاوز قدرته التقليدية على الانتشار. عليه مراقبة الحدود والمساعدة في إزالة الذخائر غير المنفجرة، وتأمين بلدات مدمرة أو متضررة، وحماية منشآت، والاستعداد لتوسيع حضوره جنوباً في بيئة أمنية لم تستقر بالكامل. كل مهمة من هذه المهام تحتاج إلى اتصالات ووسائل نقل وهندسة واستطلاع ولوجستيات وتدريب مستمر.
الدعم الخارجي لا يستطيع استبدال القرار اللبناني، لكنه يمكن أن يخفف فجوة القدرات. التدريب الأوروبي قد يشمل القيادة والسيطرة، الهندسة، إزالة الألغام، اللوجستيات، حماية الحدود، وإدارة الوحدات في مناطق حساسة. وإذا اقترنت المهمة بمساعدات عتاد وتمويل مستقر، فإن أثرها يصبح أكبر من دورات تدريب قصيرة لا تتبعها قدرة تشغيلية.
ما العلاقة بانتهاء ولاية اليونيفيل؟
اليونيفيل موجودة في الجنوب منذ 1978، وتوسعت مهمتها بعد حرب 2006 بموجب القرار 1701. وجودها وفّر آلية اتصال ومراقبة وحضوراً دولياً في منطقة شديدة الحساسية. مع انتهاء الولاية وبدء الانسحاب، ستصبح الدولة اللبنانية مطالبة بزيادة عدد القوات والانتشار والخدمات التي كانت القوة الدولية تساندها فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن مهمة تدريب أوروبية لا تستطيع ببساطة أن تحل مكان آلاف الجنود الدوليين المنتشرين ميدانياً. لذلك يجب التفريق بين وظيفتين: اليونيفيل قوة أممية ميدانية لها تفويض محدد، والمهمة الأوروبية المقترحة أداة لبناء قدرات الجيش. إذا نجحت الثانية، يمكن أن تجعل الانتقال بعد اليونيفيل أقل حدة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى ترتيبات أمنية وسياسية واضحة على الحدود.
التمويل والاستدامة أهم من الإعلان
لبنان شهد خلال السنوات الماضية مؤتمرات متعددة لدعم الجيش، لكن التحدي الدائم كان تحويل التعهدات إلى تمويل طويل الأجل. المؤسسة العسكرية تحتاج إلى رواتب تحفظ الكفاءات، وقطع غيار ووقود وصيانة واتصالات، لا إلى معدات تصل مرة واحدة ثم تصبح كلفة تشغيلها عبئاً جديداً.
لهذا يجب أن تُبنى أي مهمة أوروبية على خطة لعدة سنوات تحدد ما الذي يحتاجه الجيش فعلاً وما الذي يستطيع صيانته محلياً. التدريب على نظام معقد من دون تمويل تشغيله لا يخلق قدرة مستدامة. كما أن تعدد الجهات المانحة قد يؤدي إلى معدات غير متوافقة إذا لم يوجد تنسيق مركزي لبناني يحدد المعايير والأولويات.
حصر السلاح والسياق السياسي
الاتحاد الأوروبي يربط تعزيز قدرات الجيش بإتاحة المجال للمؤسسة كي تركز على تطبيق قرارات الدولة، بما في ذلك الملفات المتعلقة بالسلاح خارج الدولة. هذا الملف حساس داخلياً، ولا يمكن التعامل معه كمسألة تقنية يديرها مدرب أجنبي. أي خطوة فيه تحتاج إلى قرار سياسي لبناني وإلى ترتيبات أمنية تمنع تحول الجيش إلى طرف في انقسام داخلي.
المؤسسة العسكرية تحافظ على شرعيتها بقدر ما تُرى كجيش لجميع اللبنانيين. ولذلك فإن زيادة قدراتها يجب أن تترافق مع إجماع سياسي على المهمة والقواعد، وأن يبقى الدعم الخارجي في إطار تقوية الدولة لا دفع الجيش إلى تنفيذ أجندة طرف خارجي. هذه النقطة ستكون أساسية في النقاش اللبناني حول أي بعثة أوروبية.
ماذا يعني ذلك للجنوب؟
بالنسبة لسكان الجنوب، المعيار العملي هو قدرة الجيش على تأمين الطرق والقرى، إزالة المخلفات الحربية، حماية عودة الأهالي، ومراقبة منطقة لا تزال عرضة للغارات والاحتكاكات. إذا تحولت المساعدة الأوروبية إلى فرق هندسة أفضل واتصالات أسرع وقدرة أعلى على الانتشار، سيظهر الأثر مباشرة في الحياة اليومية.
أما إذا بقيت المهمة في مستوى المؤتمرات والدورات النظرية، فلن يلاحظ المواطن فرقاً. المطلوب أيضاً أن يكون أي توسع لدور الجيش متزامناً مع وقف الانتهاكات الإسرائيلية وتسوية الملفات الحدودية، لأن المؤسسة لا يمكن أن تؤدي وظيفة استقرار كاملة بينما يستمر القصف أو تبقى نقاط احتلال ونزاع مفتوحة.
فرصة لبناء قدرة دولة لا مشروعاً مؤقتاً
أكثر من عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة، لكن العدد وحده لا يضمن النجاح. الاختبار سيكون في تصميم المهمة، ومدتها، وتمويلها، وما إذا كانت تستجيب لأولويات الجيش اللبناني نفسه. انتهاء مرحلة اليونيفيل سيضع الدولة أمام امتحان سيادة عملي: هل تستطيع تحويل الدعم الدولي إلى مؤسسات دائمة قادرة على تحمل المسؤولية؟
إذا أُديرت المهمة على أساس شراكة طويلة وتوحيد للمعدات والتدريب وربط التمويل بالصيانة، يمكن أن تصبح جزءاً من انتقال حقيقي نحو تحمل الجيش أدواراً أوسع. وإذا تحولت إلى مجموعة برامج منفصلة، قد تضيع الفرصة. في الحالتين، الإعلان الأوروبي الجديد يؤكد أن ملف ما بعد اليونيفيل بدأ فعلياً قبل أشهر من انتهاء الولاية، وأن مستقبل الأمن في الجنوب سيعتمد بدرجة متزايدة على قدرة الدولة اللبنانية لا على وجود قوة دولية مفتوحة الأجل.
