الجيش الأمريكي يختبر مسيّرات موصولة بالكابل تمنح المركبات الخفيفة استطلاعًا واتصالًا مستمرَّين



كشف الجيش الأمريكي عن استكمال “مختبر المناورة القتالي” تقييمًا ميدانيًا في قاعدة “فورت بينينغ” بولاية جورجيا، اختبر خلاله نظامين تجاريين من المسيّرات المربوطة بالكابل، مدمجين على متن مركبة «آي إس في-يو» (ISV-U).
وامتدت التجارب من 27 يوليو/تموز إلى 7 أغسطس/آب 2026، بالتعاون مع فريقَي “حرب الطيف الاستراتيجي” و”القدرات المستقبلية للمناورة”، وهدفت التجارب إلى اختبار قدرة المركبات الخفيفة على الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستطلاع الجوي وروابط اتصال مستمرة أثناء الحركة عبر تضاريس وعرة، وفي ظل بيئة تتضمن تشويشًا إلكترونيًا معاديًا.
وجرت الاختبارات في “موقع ماكينا فيلد للإنزال” (McKenna Field Landing Site)، وشملت سيناريوهات ثابتة ومتحركة وطارئة. وحلّق المشغّلون بالمسيّرات على ارتفاعات ذات صلة بالعمليات، وضبطوا توقيت دورات الإقلاع والاسترجاع، كما اختبروا وضع التتبع الذي يحافظ على تحليق المسيّرة فوق المركبة أثناء تحركها.
واستخدم الجنود المسيّرات لترحيل الاتصالات عبر عوائق التضاريس، والتغلب على التشويش على الإشارات، ورصد الأهداف من مسافات أبعد وأكثر أمانًا. وسيعتمد الجيش، في تحديد ما إذا كانت هذه القدرة تستحق التطوير ضمن برنامج تسليح رسمي، على ملاحظات الجنود، وبيانات الأداء المقاسة، والبصمة اللوجستية للمنظومة.
منصة جوية تتجاوز المسيّرة التقليدية
تمثّل المنظومة قيد الاختبار منصة استطلاع جوي متنقلة تتجاوز مفهوم المسيّرة الرباعية التقليدية. فالمسيّرات العاملة بالبطاريات تبقى في الجو عادةً لفترات تتراوح بين 20 و60 دقيقة، بينما يتيح الكابل المربوط تزويد الطائرة بالطاقة بصورة مستمرة، إلى جانب نقل البيانات بين الطائرة ومحطة التحكم، ما يلغي الحاجة إلى دورات شحن البطاريات المتكررة.
وقد صُنّفت منظومة “أوريون 2” ، المرفقة بنظام SAFE-T 2 من شركة Elistair، بقدرة تشغيل تصل إلى 50 ساعة. وفي تجربة أخرى، أنجزت شركة Zenith Aerotech رحلة مربوطة متواصلة استغرقت 108 ساعات عام 2021.
ولتوضيح الفارق اللوجستي، فإن مسيّرة حرة الطيران توفر 30 دقيقة من التحليق فوق منطقة الهدف تحتاج إلى 48 طلعة جوية على الأقل للحفاظ على تغطية متواصلة لمدة 24 ساعة. أما في حالة المسيّرة المربوطة، فتنتقل معادلة الاستدامة من مدة تحمّل الطائرة إلى قدرة المركبة على توفير الطاقة وإدارة الكابل.
وشبّه “مارك باغليارو”، مسؤول المنتج في وحدة “حرب الطيف الاستراتيجي”، هذا المفهوم بوضع مستشعر على برج شاهق يمكنه تغيير ارتفاعه والتحرك مع الوحدة التي يدعمها.
مركبة خفيفة تحمل القدرة الجوية
وتشكّل مركبة ISV-U طبقة التنقل التي يقوم عليها هذا المفهوم. وهي نسخة معدّلة بخمسة مقاعد من مركبة M1301 ISV، مزودة بمنصة شحن خلفية مخصصة لحزم الاستطلاع، والقيادة والسيطرة، والحرب الإلكترونية، ومواجهة المسيّرات، واللوجستيات، والدعم الناري.
وكان الجيش الأمريكي قد أعلن في عام 2025 خططًا لشراء 1275 مركبة من هذا الطراز خلال السنة المالية 2026.
وتزن المركبة الأساسية “آي إس في” 2236 كيلوغرامًا، وتبلغ حمولتها 3200 رطل، فيما تعمل بمحرك ديزل توربيني سعة 2.8 لتر يولد 275 حصانًا، إلى جانب نظام كهربائي بجهد 24 فولتًا.
ويمكن نقل النسخة الأساسية ذات المقاعد التسعة بواسطة مروحيتَي (UH-60 Black Hawk) و(CH-47 Chinook)، أو طائرتَي (C-130) و(C-17). لذلك، لا يقتصر تحدي دمج المسيّرة المربوطة على تشغيلها في الجو، بل يشمل الحفاظ على قدرة المركبة على الحركة رغم إضافة الطائرة، وبكرة الكابل، ومحطة التحكم، والحمولة، وقطع الغيار.
ومن هنا اكتسب اختبار “وضع التتبع” أثناء الحركة أهمية خاصة، لأنه يحاكي الاستخدام الفعلي للمنظومة ضمن وحدات المناورة بدل تشغيلها من موقع ثابت.
الارتفاع.. الميزة التكتيكية الأبرز
تنبع إحدى أبرز الفوائد التكتيكية للمسيّرات المربوطة من عامل الارتفاع. فالتلال والمباني والغابات يمكن أن تحجب الإشارات الراديوية وتحد من أداء المستشعرات الأرضية، ما يدفع الوحدات إلى الاعتماد على فرق ترحيل أو هوائيات مرتفعة أو مواقع مراقبة مكشوفة.
وتعمل المسيّرات المربوطة عادةً عبر كابلات يتراوح طولها بين 50 و100 متر، ما يسمح برفع الكاميرات والهوائيات إلى عشرات الأمتار فوق سطح الأرض، مقارنة بارتفاع معدات المركبات الذي يتراوح عادةً بين مترين وأربعة أمتار. ويؤدي هذا الارتفاع إلى تحسين خط النظر الراديوي وتوسيع مجال الرصد والاتصال، من دون الحاجة إلى نشر الجنود في مواقع مسيطرة أو مكشوفة.
وبذلك، لا تقتصر المقارنة على المسيّرات المربوطة والمسيّرات الحرة الطيران، بل تشمل أيضًا البدائل التقليدية لتحقيق الارتفاع نفسه، مثل الهوائيات الأرضية، وفرق الترحيل، وصواري المركبات، ومواقع المراقبة.
الكابل في مواجهة الحرب الإلكترونية
ويغيّر الكابل كذلك طبيعة تعرض المنظومة للحرب الإلكترونية. فالمسيّرات التقليدية تعتمد على روابط لاسلكية للقيادة والقياس ونقل بيانات المستشعرات، إلى جانب اعتمادها غالبًا على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية (GNSS)، وهي قنوات يمكن التشويش عليها أو خداعها أو اعتراضها.
أما المسيّرة المربوطة، فتنقل عبر الكابل أوامر التحكم وبيانات المستشعرات بصورة مباشرة، ما يقلل اعتمادها على الروابط اللاسلكية بين الطائرة ومحطة التحكم. وقد شكل هذا الجانب أحد عناصر الاختبار في سيناريوهات «فورت بينينغ»، التي تضمنت العمل في بيئة تشويش إلكتروني معادٍ.
وتوفر التجربة الأوكرانية مثالًا عملياتيًا ذا صلة، إذ استعانت القوات الروسية والأوكرانية بمسيّرات موجهة عبر الألياف الضوئية لتجاوز التشويش الإلكتروني. غير أن هناك فارقًا جوهريًا بين النوعين؛ فالمسيّرات الليفية تتحرك لمسافات تمتد إلى كيلومترات نحو أهدافها، بينما تبقى المسيّرات المربوطة ضمن نطاق الكابل الذي يصلها بالمركبة.
المسيّرة كهوائي مرتفع ومتحرك
ولا تقل قدرة المنظومة على ترحيل الاتصالات أهمية عن استخدامها للاستطلاع. فالأنظمة الأرضية، مثل منظومة (OE-254)، تتطلب أفرادًا ووقتًا وموقعًا ثابتًا نسبيًا لتحقيق الارتفاع المطلوب للهوائي.
أما المسيّرة المربوطة، فتتيح رفع حمولة اتصالات إلى عشرات الأمتار في الجو، مع إبقائها متصلة بالمركبة وتحريكها معها. وبذلك، تتحول الطائرة إلى هوائي مرتفع ومتغيّر الموقع يمكنه مواكبة وحدة المناورة بدل أن تبقى الوحدة مرتبطة بموقع اتصالات ثابت.
وتتيح تشكيلة (Orion 2)، و«SAFE-T 2» نشرًا يستغرق نحو 15 دقيقة، ويمكنها دعم أجهزة الراديو المعرّفة بالبرمجيات وشبكات الواي فاي و(LTE) و(MANET) و(MIMO) و(MN-MIMO).
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية أو محطات الترحيل الأرضية، لكنه قد يسمح بتقليل عددها أو توسيع نطاق التغطية من خلال إضافة نقطة جوية مرتفعة تتحرك مع القوة.
العامل البشري يحسم قرار الشراء
وتشكّل القوى البشرية عاملًا حاسمًا آخر في تقييم جدوى هذه القدرة. فقد أفادت النقيب “سارة رونيون” (Sarah Runion) بأنها تمكنت من إطلاق المسيّرة خلال دقائق واسترجاعها بأمر واحد، فيما ذكر “باغليارو” أن تشغيلها ظل شبه تلقائي بعد الإقلاع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند الانتقال من التجارب إلى الاستخدام العملياتي. فالسؤال لا يتعلق فقط بقدرة المسيّرة على البقاء في الجو لساعات طويلة، بل بعدد الجنود المطلوبين لتشغيلها ومراقبتها وصيانتها، خصوصًا في المهام التي تمتد 12 أو 24 أو 50 ساعة.
وتقلل الطاقة المربوطة الحاجة إلى تبديل البطاريات وشحنها بصورة متكررة، لكنها لا تلغي المتطلبات اللوجستية. فالمركبة مطالبة بحمل الطائرة، وبكرة الكابل، ومحطة التحكم، والحمولة، وقطع الغيار، إلى جانب توفير مصدر الطاقة المستمر.
ولهذا، قد يكون المعيار الأكثر أهمية عند تقييم المنظومة هو حجم التغطية المستمرة التي يمكن توفيرها لكل جندي ولكل مركبة، وليس مجرد مدة تحليق المسيّرة.
وفي النهاية، تهدف قياسات “مختبر المناورة القتالي” لعبء العمل والأداء الميداني إلى الإجابة عن سؤال أساسي: هل توفر المسيّرات المربوطة قدرة استطلاع واتصالات مستمرة تستحق إدخالها في منظومة تسليح الجيش الأمريكي؟
وسيحدد أداء المنظومات خلال الاختبارات، إلى جانب ملاحظات الجنود وعبء العمل التشغيلي وبصمتها اللوجستية، ما إذا كانت هذه التقنية ستنتقل من مرحلة التقييم الميداني إلى برنامج تسليح رسمي.
المصدر الأصلي: defensearabia.com — للاطلاع على المادة الأصلية.





