



لمى فاروق
لطالما ارتبط تطور التكنولوجيا العسكرية بمحاولة الإجابة عن سؤال واحد: كيف نحمي الجندي عندما يدخل منطقة الخطر؟ فمن الدروع الواقية والمركبات المدرعة إلى أنظمة الحماية النشطة وأجهزة الرؤية والاستشعار، اتجه جزء كبير من الابتكار العسكري إلى تقليل احتمال إصابة الإنسان عندما يكون في قلب المعركة.
لكن يطرح دخول الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة إلى ساحة المعركة سؤالًا مختلفًا وأكثر عمقًا: ماذا لو لم يعد الحل في حماية الجندي داخل منطقة الخطر، بل في إبعاده عنها أصلًا؟
وتمثل هذه إحدى أهم التحولات التي قد تفرضها الحرب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ليس اختفاء الجندي من المعركة، وإنما إعادة توزيع المخاطر بين الإنسان والآلة.
الآلة تتدخّل أولًا
لا يكون الجندي في هذا النموذج بالضرورة أول من يصل إلى منطقة الخطر. فيمكن للمركبة غير المأهولة أو الروبوت الأرضي أو المسيّرة أن تتقدم أولًا، فتستطلع الطريق، وتجمع المعلومات، وتتعامل مع بعض المخاطر، قبل أن يُطلب من الإنسان دخول المنطقة نفسها.
ولا يُعد هذا مجرد تصور نظري؛ فقد اختبر الجيش الأميركي خلال عام 2026 أنظمة ذاتية وروبوتية مخصصة لمهام هندسية وقتالية، من بينها إزالة العوائق وفتح الممرات، بهدف تقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود.
ويتغير هنا السؤال من: كيف نحمي الجندي عندما يدخل الخطر؟ إلى: هل يحتاج الجندي إلى دخول الخطر أصلًا؟
من الدبابة المأهولة إلى المركبة التي تسبقها
لا يعني ذلك أن الدبابات والمركبات المأهولة ستختفي قريبًا من ساحات القتال، بل يتمثل الاتجاه الأكثر واقعية في الجمع بين المنصات المأهولة وغير المأهولة. ويعمل الجيش الأميركي على مفهوم “التناغم بين الإنسان والاستقلالية الذاتية” (Human-Autonomy Teaming)، الذي يقوم على توزيع أعباء المهمة بين الإنسان والأنظمة ذاتية التشغيل، بما يسمح للمركبات والأنظمة الروبوتية بأداء أجزاء من المهمة، بينما يحتفظ الإنسان بدور الإشراف واتخاذ القرارات الأساسية.
في أغسطس/آب 2026، اختبر الجيش الأميركي أنظمة روبوتية قابلة للتضحية ضمن تشكيلات قتالية، واستخدمها في مهام هندسية وتكتيكية بهدف تقليل تعرض الجنود للخطر والحفاظ على زخم العمليات. وبذلك، قد تصبح المركبة غير المأهولة في بعض السيناريوهات المنصة التي تذهب أولًا، بينما تبقى المنصة المأهولة خلفها لتوفير القدرة على اتخاذ القرار والسيطرة عند الحاجة.
المسيّرة ليست عينًا فقط
أثبتت المسيّرات بالفعل أنها أكثر من مجرد وسيلة للاستطلاع. فهي تستطيع جمع الصور والبيانات وتحديد الأهداف ومراقبة التحركات، فيما تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات كبيرة من المعلومات وتحديد الأنماط والتهديدات بسرعة تفوق قدرة الإنسان على معالجة البيانات يدويًا.
وتحدث هنا نقلة مهمة في طبيعة العلاقة بين الجندي والمعلومة: فبدل أن يتحرك الإنسان نحو المعلومة، يمكن للمعلومة أن تتحرك نحوه. ولا يحتاج الجندي بالضرورة إلى دخول المنطقة حتى يعرف ما يجري فيها؛ فقد تصبح المنظومة غير المأهولة هي التي تدخل أولًا، وتجمع البيانات، ثم تنقل صورة البيئة إلى مركز القيادة.
“القابلية للتضحية” تغيّر حسابات المخاطرة
برز في هذا السياق مفهوم “الأنظمة القابلة للتضحية” (Attritable Systems)، أي الأنظمة التي تُصمم بتكلفة وبنية تشغيلية تسمح بتحمل احتمال خسارتها بدرجة أكبر من المنصات التقليدية مرتفعة الكلفة.
ولا تكمن الفكرة هنا في أن هذه الأنظمة “رخيصة” بالضرورة، بل في أن تصميمها وإنتاجها بأعداد أكبر يمكن أن يجعل المخطط العسكري أكثر استعدادًا لاستخدامها في مهام عالية المخاطر، لأن خسارة منصة واحدة لا تعني بالضرورة خسارة قدرة استراتيجية لا يمكن تعويضها.
وجعلت وزارة الدفاع الأميركية من الأنظمة ذات الطابع القابل للتضحية جزءًا من توجهها نحو نشر أعداد كبيرة من الأنظمة الذاتية في مجالات متعددة، بما يقلل الحاجة إلى وضع البشر مباشرة في خط النار. وهنا تصبح المعادلة مختلفة: إذا كانت الآلة قابلة للخسارة، فلماذا نعرض الإنسان للخطر بدلًا منها؟
الذكاء الاصطناعي يقلل المخاطر قبل إطلاق النار
لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تشغيل الروبوتات. فهو يدخل أيضًا في سلسلة العمل التي تبدأ من الاستشعار وجمع البيانات، ثم تحليلها، وتحديد التهديدات، وصولًا إلى دعم القرار.
وتُختبر في برامج الجيش الأميركي أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لأتمتة أجزاء من عملية الاستهداف ودمج البيانات القادمة من مصادر متعددة، بهدف تسريع عملية اتخاذ القرار وتقليل العبء المعرفي على الجنود.
لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يتخذ وحده قرار استخدام القوة في كل الحالات؛ فيواصل الجيش الأميركي ووزارة الدفاع التأكيد على ضرورة وجود مستويات مناسبة من الحكم البشري عند استخدام الأنظمة الذاتية وشبه الذاتية في تطبيق القوة.
وبالتالي، قد يكون أحد أهم أدوار الذكاء الاصطناعي تقليل الزمن الذي يحتاجه الإنسان لفهم الموقف واتخاذ القرار، وليس إلغاء الإنسان من سلسلة القرار.
حتى الإمداد يمكن أن يصبح أقل خطورة
لا تبدأ المخاطر عند خط التماس ولا تنتهي عنده. فيمكن أن يعرّض إيصال الذخيرة والوقود والمؤن إلى الوحدات المتقدمة الجنود والمركبات اللوجستية للاستهداف، خصوصًا في بيئة تراقب فيها المسيّرات كل حركة.
ولهذا يختبر الجيش الأميركي مركبات وأنظمة إمداد ذاتية وشبه ذاتية يمكنها نقل الإمدادات إلى القوات المنتشرة، بما يقلل عدد الجنود المطلوبين لتنفيذ المهام اللوجستية في المناطق الخطرة. وبذلك، لا تقتصر عملية إبعاد الإنسان عن الخطر على “القتال” نفسه، بل تمتد إلى المهام التي تجعل استمرار القتال ممكنًا.
الليزر: الآلة تحمي الإنسان أيضًا
تمثل أنظمة الطاقة الموجهة، مثل نظام Directed Energy Maneuver-Short Range Air Defense، مثالًا على اتجاه آخر في هذا التحول: استخدام الآلة لتوفير حماية مباشرة للقوات ضد التهديدات الجوية، ولا سيما المسيّرات.
لكن تكشف قصة Directed Energy Maneuver-Short Range Air Defense نفسها أن الانتقال من النموذج التجريبي إلى السلاح العملياتي ليس مضمونًا. فبعد اختبار النماذج الأولية وإجراء تجارب ميدانية، أنهى الجيش الأميركي استخدام النماذج الأربعة الأولى بصفتها أنظمة قتالية في يونيو/حزيران 2025. وفي يوليو/تموز من العام نفسه، لم تعد المنظومة مدرجة ضمن برامج التسليح التي يتابعها الجيش بوصفها برنامج تسليح رسميًا (Program of Record).

وبذلك، لم يعد “بواسطة م-شوراد” برنامجًا يتجه إلى الانتشار العملياتي بصيغته التي اختُبرت، وإنما تحولت نتائج تجربتها إلى جزء من الدروس التي توجه تطوير الجيل التالي من أنظمة الطاقة الموجهة، ومن بينها برنامج Enduring High Energy Laser.
ولذلك، لا تكمن أهمية بواسطة م-شوراد اليوم في كونه نظامًا عملياتيًا واسع الانتشار، وإنما في كونه تجربة كشفت إمكانات هذه التكنولوجيا وحدودها، وأسهمت في توجيه البرامج اللاحقة.
هل يعني ذلك الاستغناء عن الجندي؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا. فلا يختفي الإنسان من ساحة المعركة، وإنما تتغير وظيفته داخلها.
ومع ازدياد قدرة الأنظمة على الاستشعار والحركة والتنفيذ، يمكن أن ينتقل الجندي تدريجيًا من موقع التنفيذ المباشر لكل مهمة إلى موقع أكثر ارتباطًا بالإشراف، وإدارة الأنظمة، وفهم الصورة العملياتية، واتخاذ القرارات التي تتطلب حكمًا بشريًا.
وقد تتجه بعض المفاهيم العملياتية مستقبلًا إلى تمكين عدد أقل من الأفراد من الإشراف على عدد أكبر من المنصات، لكن ذلك سيعتمد على درجة نضج التكنولوجيا والاتصالات وقدرتها على العمل في بيئات مشوشة ومعادية.
عندما تنتقل المخاطرة إلى الآلة، تظهر مخاطر جديدة
لا يعني إبعاد الجندي عن الخطر اختفاء الخطر. فكلما زادت الاعتمادية على البرمجيات والاتصالات والبيانات وأنظمة الملاحة، أصبحت هذه المكونات نفسها أهدافًا عسكرية.
ويمكن للتشويش الإلكتروني أن يعطل بعض الأنظمة التي تعتمد على روابط البيانات أو الملاحة، كما يمكن للهجمات السيبرانية أو التلاعب بالبيانات أن يؤثر في قدرة النظام على فهم البيئة واتخاذ القرار.
وتظهر هنا مشكلة أخرى: كلما زادت ثقة الإنسان في الآلة، زاد خطر أن يتعامل مع مخرجاتها باعتبارها صحيحة تلقائيًا.
ولهذا، لن يعتمد مستقبل الحرب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي فقط على تطوير خوارزمية أكثر ذكاءً، بل على القدرة على اختبارها، وتأمينها، ومعرفة حدودها، والإبقاء على الإنسان قادرًا على التدخل عندما تفشل.
الإنسان لن يخرج من الحرب.. لكنه قد يخرج من أخطر أجزائها
قد لا يكون التحول الأكبر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي ظهور “حرب بلا جنود”، كما توحي بعض العناوين. فالتحول الأكثر واقعية، وربما الأكثر أهمية، هو حرب يكون فيها عدد أقل من الجنود مضطرًا إلى التعرض للخطر المباشر في كل مهمة.
فيمكن للآلة أن ترى أولًا، وتتحرك أولًا، وتستطلع أولًا، وتحمل الإمدادات أولًا، وربما تخوض بعض أكثر المهام خطورة أولًا. أما الإنسان، فيبقى حاضرًا في مركز القرار والإشراف، لكن يتغير موقعه بالنسبة إلى الخطر. وهنا تكمن النقلة الحقيقية: من مفهوم “حماية الجندي داخل منطقة الخطر” إلى مفهوم أكثر جذرية: “إبعاد الجندي عن منطقة الخطر أصلًا”.
فلن يكون الجيش الذي ينجح في هذا التحول بالضرورة جيشًا بلا جنود، بل جيشًا يستطيع أن يجعل الآلة تتحمل قدرًا أكبر من المخاطر، بينما يحتفظ الإنسان بالقدرة على التفكير، والحكم، واتخاذ القرار.
المصدر الأصلي: defensearabia.com — للاطلاع على المادة الأصلية.





