🚨 تابع الأخبار العاجلة من بتوقيت بيروت على واتساب
منوعات

“الردع المتكامل”.. هل يملك مجلس القيادة اليمني أدوات تنفيذه؟ | سياسة

bbcorp

عدن – لم يعد خطاب مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال الأسابيع الأخيرة يقتصر على رفع الجاهزية أو الرد على هجمات جماعة أنصار الله (الحوثيين)، بل انتقل إلى مفهوم أوسع سمّاه “الردع المتكامل”، في محاولة لبناء استجابة تتجاوز التعامل مع الهجمات بعد وقوعها إلى منعها ورفع كلفتها.

وفي 25 أغسطس/آب الماضي، وجّه المجلس برفع الجاهزية العسكرية والأمنية والاستخباراتية، وتعزيز الإنذار المبكر وحماية المنشآت، والعمل الاستباقي ضد مصادر التهديد ومراكز القيادة والسيطرة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على المنافذ ومكافحة التهريب وتجفيف مصادر تمويل الحوثيين.

وبعد نحو أسبوع، خصص اجتماعه المشترك مع الحكومة، في الثاني من سبتمبر/أيلول الجاري، لمناقشة مسار تنفيذ هذه الإجراءات، ومحاولة نقل “الردع المتكامل” من الإعلان السياسي إلى برنامج عمل متعدد المسارات.

وفي مفهومه العام، يقوم “الردع المتكامل” على توظيف مجموعة مترابطة من الأدوات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والاقتصادية والسياسية، بما يجعل كلفة أي هجوم بالنسبة إلى الخصم أعلى من المكاسب المتوقعة منه.

لكن اتساع هذا المفهوم يرفع سقف الاختبار: هل يمتلك مجلس القيادة فعلا قيادة عسكرية موحدة واستخبارات فاعلة وإنذارا مبكرا وقدرة جوية وسيطرة على المنافذ والموارد وتمويلا يسمح باستدامة المواجهة، أم إن الطموح لا يزال أكبر من الأدوات المتاحة؟

الاختبار الأول

تبدأ معادلة الردع من وحدة القيادة نفسها، فالردع لا يقوم على امتلاك السلاح وحده، وإنما على منظومة قادرة على اتخاذ القرار وجمع المعلومات والتحرك بسرعة وربط الأدوات العسكرية بالأمنية والاقتصادية والسياسية.

وفي الحالة اليمنية، تبدو وحدة القيادة شرطا أساسيا، بعد سنوات ظلت خلالها القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليا موزعة بين تشكيلات متعددة وسلاسل قيادة ومراكز نفوذ مختلفة.

ويرى مستشار وزير الإعلام اليمني والسكرتير الصحفي السابق للرئاسة مختار الرحبي أن مجلس القيادة بات أكثر تماسكا خلال المرحلة الأخيرة، خصوصا بعد إعادة ترتيب وضع القوات والتشكيلات المسلحة في الجنوب والساحل وبقية المحافظات الخاضعة للحكومة.

ويقول الرحبي، للجزيرة نت، إن الإعلان عن قيادة واحدة للقوات، إلى جانب تصريحات القيادات العسكرية بشأن وحدة المعركة والقيادة، منح المجلس قوة لم تكن متوفرة سابقا، بالتزامن مع دخول الطيران المسيّر إلى عدد من الجبهات والإعلان عن امتلاك الدولة قدرات جوية.

غير أن وحدة القيادة لا تتحقق بمجرد الإعلان عنها، فالحكومة لا تزال أمام إرث سنوات من الانقسام السياسي والعسكري، وتحتاج إلى تحويل التفاهمات الحالية إلى سلسلة قيادة مستقرة ومؤسسات تعمل بقواعد موحدة.

وتدعم قراءة مركز صنعاء للدراسات هذه الصورة المركبة؛ إذ شهدت الأشهر الماضية خطوات لإعادة ترتيب القيادات ودمج عدد من التشكيلات العسكرية والأمنية، لكن البنية لا تزال “هجينة”، مع استمرار عمل بعض القوات خارج المؤسسات الرسمية رغم تنامي التنسيق بينها وبين الجيش، بينما تظل فاعلية إعادة الهيكلة مرتبطة بمعالجة مشكلات الولاءات والرواتب والاستقرار السياسي.

ويضع الخبير في الشؤون الإستراتيجية العسكرية والأمنية الدكتور علي الذهب، في حديثه للجزيرة نت، حدودا أكثر تحفظا لما تحقق حتى الآن. فالحديث عن “الردع المتكامل”، وفق تقديره، لا يعكس اصطلاحا عسكريا قائما بذاته في الحالة اليمنية، بقدر ما يعبّر سياسيا عن الحاجة إلى تكامل القوات والوسائل والمجالات والحلفاء.

ويشمل ذلك جمع القوات البرية والبحرية والجوية والتشكيلات المختلفة ضمن فعل عسكري واحد، وربط الإرادة السياسية بالقرار العسكري، وتقليص الخلافات داخل معسكر الحكومة وتوجيه الجهد نحو الحوثيين.

لكن هذه الصورة، بحسب الذهب، لم تكتمل بعد، فالقوات الحكومية “في مرحلة تعافٍ سياسي وعسكري وأمني”، ولا تزال آثار جولات الصراع السابقة تحد من الوصول إلى التكامل المطلوب.

خصم أكثر تماسكا

وتزداد أهمية معالجة هذه الثغرات عند مقارنة بنية الحكومة “بخصم يتمتع بدرجة أعلى من مركزية القرار”.

فالذهب يرى أن الحوثيين يحتفظون بميزة القرار الموحّد والجغرافيا المتصلة وقيادة سياسية وعسكرية أكثر مركزية، مما يمنحهم -وفقا له- قدرة أكبر على تحريك الموارد وتحديد الأولويات مقارنة بمعسكر حكومي لا يزال يعالج آثار الانقسام.

ولا يعني ذلك أن الجماعة تخلو من نقاط ضعف، لكن تماسك القرار يمنحها أفضلية في إدارة المواجهة، بينما تحتاج الحكومة إلى تنسيق مستمر بين تشكيلات ومؤسسات وقوى سياسية متعددة قبل الانتقال من القرار إلى التنفيذ، حسب الخبير ذاته.

وحتى إذا أمكن تجاوز تعدد مراكز القرار، يبقى السؤال: هل تمتلك هذه القيادة الأدوات التي تحوّل القرار إلى قدرة ردع فعلية؟

فجوة الجو والاستخبارات

ويضع الذهب تبادل المعلومات الاستخباراتية وكفاءة القيادة والسيطرة في مقدمة الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى تطوير، إلى جانب ضعف القوة الجوية والدفاع الجوي.

ويقول إن دخول الطائرات المسيرة إلى الجبهات الحكومية أسهم في سد جزء من هذه الفجوة وحقق مكاسب مهمة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل سلاح جوي تقليدي ومنظومة دفاع جوي قادرة على حماية المدن والمنشآت والقواعد والقوات.

فالردع -بحسبه- لا يعني القدرة على ضرب الخصم فقط، بل رصد تحركاته وتعطيل منصات الإطلاق ومخازن السلاح ومراكز القيادة، وحماية الأهداف المحتملة من الهجوم.

ومن دون إنذار مبكر واستخبارات فعالة وتبادل سريع للمعلومات، ستظل الحكومة -بتقديره- معرضة للتحرك بعد وقوع الهجوم، وهي المعادلة التي يفترض أن يتجاوزها “الردع المتكامل”.

توحيد القرار والقدرة على المبادرة من أبرز التحديات أمام القوات الحكومية (أرشيفية-الجزيرة)

الردع خارج الجبهات

لكن الجبهات العسكرية لا تمثل سوى جزء من المعركة، فمجلس القيادة وسّع مفهوم الردع ليشمل مكافحة التهريب وتجفيف مصادر التمويل وضبط المنافذ والإيرادات، انطلاقا من أن القدرة العسكرية للحوثيين تعتمد أيضا على استمرار تدفق المال والسلاح والمكونات التقنية.

وتكشف شبكات التهريب صعوبة هذا المسار؛ إذ تشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى اعتماد الحوثيين على شبكة من شركات الواجهة والشحن والخدمات اللوجيستية وبيوت الصرافة لتأمين الأسلحة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج وتمويل المشتريات العسكرية عبر اليمن ودول أخرى.

وبذلك، لا يصبح تجفيف مصادر القوة لدى الحوثيين مهمة أمنية محلية فقط، بل عملية تتطلب تعاونا ماليا واستخباراتيا وإقليميا يتجاوز ضبط شحنة أو إغلاق مسار تهريب بعينه.

في المقابل، يتوقف نجاح هذا المسار على قدرة الحكومة على إحكام السيطرة على منافذها وإيراداتها، وتنسيق عمل الجمارك والبنك المركزي وخفر السواحل والأجهزة الأمنية، حتى لا تتحول المواجهة الاقتصادية إلى إجراءات متفرقة.

ويرى الذهب أن البعد الإقليمي جزء لا يمكن فصله عن أي ردع قابل للاستمرار، سواء عبر التعاون العسكري أو الاستخباراتي أو اللوجيستي، بالنظر إلى موقع اليمن على طرق الملاحة بين خليج عدن والبحر الأحمر، وارتباط أمنه بالمصالح الإقليمية والدولية.

غير أن هذا الارتباط بالدعم الخارجي يفتح سؤالا آخر: مَن يستطيع تحمل كلفة هذه المنظومة إذا تحولت إلى مواجهة ممتدة؟

مركزية القرار تمنح أفضلية في إدارة المواجهة (أرشيف-الجزيرة)

كلفة الردع

إذا كانت القيادة والاستخبارات والقوة الجوية تمثل الجانب العملياتي للردع، فإن القدرة على تمويلها تحدد مدى استمراره. ويقول رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر، للجزيرة نت، إنه من الصعب وضع رقم محدد لكلفة حرب واسعة، في ظل عدم وضوح حجمها أو مدى توسّعها، لكنّ متطلبات التسليح والعمليات العسكرية ستفرض نفقات كبيرة لا تستطيع الحكومة تحمّلها منفردة.

فالحكومة، حسب نصر، تعتمد بالفعل على مساعدات خارجية لتغطية جانب من الرواتب والموازنة، في وقت لا تكفي فيه الإيرادات المحلية لتغطية كامل الاحتياجات الأساسية، مما يجعل أي توسع عسكري اختبارا مزدوجا: تمويل المواجهة والحفاظ على استقرار الاقتصاد والخدمات.

وتعزز المؤشرات الاقتصادية هذه المخاوف؛ إذ توقّع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد اليمني بنسبة 1.5% خلال 2026، للعام الخامس على التوالي، في ظل محدودية الإيرادات وصعوبة الوصول إلى مصادر التمويل.

ويظهر حجم الاعتماد على الخارج في الدعم السعودي المعلن في فبراير/شباط الماضي، حين قدمت الرياض 1.3 مليار ريال سعودي (نحو 347 مليون دولار) للمساهمة في تغطية النفقات التشغيلية والرواتب وتقليص عجز الموازنة.

ومن هنا يطرح نصر السؤال: هل تستطيع الحكومة توسيع الإنفاق العسكري، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دفع الرواتب واستقرار العملة واستمرار الخدمات؟

فأي توسع عسكري يضغط على سعر الصرف أو الرواتب والخدمات قد يحوّل الردع نفسه إلى مصدر استنزاف داخلي.

زمام المبادرة

غير أن التمويل، على أهميته، لا يحسم وحده نجاح الردع، فحتى القوة الممولة والمسلحة قد تظل في موقع دفاعي إذا كان الخصم هو من يحدد مكان التصعيد وتوقيته وطريقته.

وهذه، في نظر نصر، هي المعضلة الأعمق؛ فالحكومة لا تزال في كثير من الأحيان تتحرك ردا على هجمات الحوثيين، بينما تمتلك الجماعة قدرة أكبر على اختيار مكان الهجوم وزمانه وأسلوبه، بما يعرّض الطرف الحكومي للاستنزاف.

ويرى أن أي مواجهة واسعة ينبغي أن تكون سريعة ومحددة الأهداف والكلفة، لكنّ ذلك يظل صعبا ما دامت الحكومة لا تمتلك زمام المبادرة بصورة كاملة.

وهنا تتضح وظيفة “الردع المتكامل”: ليس في امتلاك أدوات للرد بعد الهجوم فحسب، بل في بناء قدرة تدفع الحوثيين إلى إعادة حساباتهم قبل اتخاذ قرار الهجوم.

ولن يكون الاختبار الحقيقي له في عدد البيانات أو العمليات التي تحمل اسمه، بل في أثره على سلوك الخصم: تقليل الهجمات، وإرباك خطوط الإمداد، وحماية المنشآت، وانتزاع زمام المبادرة.

المصدر الأصلي: www.aljazeera.net — للاطلاع على المادة الأصلية.

beiruttime-lb.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

تابع الأخبار العاجلة من بتوقيت بيروت على واتساب