
القسم: الدفاع والأمن
التصنيف: تحليل استراتيجي | OSINT
إعداد: OSINT LB
10 أيلول/سبتمبر 2026

إذا فُتحت المعركة الكبرى.. كيف قد يوزّع محور المقاومة أدوار جبهاته؟
من جنوب لبنان إلى باب المندب والخليج.. قراءة في أنماط القتال الأخيرة ترجّح أن أخطر أشكال المواجهة المقبلة لن يقوم على ضربة واحدة، بل على محاولة فرض عدة معضلات عسكرية في وقت متزامن.
إذا قرر ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الانتقال إلى مستوى أعلى من المواجهة الإقليمية، فمن غير المرجح أن يكون المشهد مجرد إطلاق صواريخ ومسيّرات بكثافة من إيران ولبنان والعراق واليمن في ساعة واحدة.
السيناريو الأكثر تعقيداً يقوم على فكرة مختلفة: توزيع الأدوار بين الجبهات، وربطها زمنياً، بحيث تضطر إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهما إلى التعامل مع عدة مسارح عسكرية وأمنية واقتصادية في آن واحد.
في هذا التصور، يمكن أن تتولى إيران الضغط الاستراتيجي بعيد المدى وفي الخليج، ويصبح اليمن جبهة ضغط على البحر الأحمر وباب المندب والسعودية، فيما تضيف الفصائل العراقية عبئاً على المصالح الأميركية والإقليمية. أما لبنان، فيبقى الجبهة التي يمكن أن تتحول فيها الحرب من تبادل للنيران إلى صراع مباشر على الأرض.
وهنا تحديداً تبرز مسألة «المنطقة الأمنية» التي تتحدث عنها إسرائيل في جنوب لبنان.
علي الطاهر.. من معركة موقع إلى اختبار لمفهوم أمني
أعلنت إسرائيل في 3 أيلول/سبتمبر ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على مرتفع علي الطاهر شرق النبطية، بعد أسابيع من القصف والاشتباكات ومحاولات التقدم في المنطقة.
لكن أهمية التطور لا ترتبط بالمرتفع وحده.
المسألة الأوسع هي ما إذا كانت إسرائيل تحاول تحويل تقدمها العسكري داخل لبنان إلى واقع أمني قابل للاستمرار، وما إذا كان حزب الله سيقبل ببقاء هذا الواقع أو يعتبر تغييره هدفاً مركزياً في المرحلة المقبلة.
وبالتالي، فإن أي مواجهة واسعة جديدة في لبنان قد لا تبدأ بالضرورة بمحاولة توغل عميق داخل إسرائيل، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل يمكن أن تتمحور أولاً حول منع تثبيت السيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وإعادة فرض معادلة الانسحاب منها.
وهذا يمنح المعركة هدفاً سياسياً واضحاً: نقل الصراع من الدفاع عن الحدود إلى الصراع على استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل لبنان.
لماذا يحتاج لبنان إلى بقية الجبهات؟
تواجه أي قوة تعمل برياً في جنوب لبنان مشكلة جوهرية تتمثل في التفوق الإسرائيلي في الاستطلاع والطيران والنيران الدقيقة والقدرة على مراقبة مساحات واسعة باستمرار.
ولهذا فإن أخطر بيئة بالنسبة إلى إسرائيل ليست بالضرورة جبهة لبنانية منفردة، بل جبهة لبنانية تشتعل بينما تضطر في الوقت نفسه إلى تخصيص قدرات لمواجهة تهديدات أخرى.
هنا تصبح قيمة «تعدد الجبهات» أكثر وضوحاً.
فالهدف ليس بالضرورة إسقاط منظومات الدفاع الإسرائيلية عبر الكم وحده، وإنما رفع كلفة توزيع الموارد.
كل طائرة أو منظومة دفاع أو وسيلة استطلاع أو قطعة بحرية يجري تخصيصها لمسرح ما، هي قدرة لا يمكن استخدامها بالطريقة نفسها وفي اللحظة نفسها في مسرح آخر.
وهذه هي المعضلة التي يمكن أن يحاول المحور صناعتها.
اليمن.. الجبهة التي تهدد بتحويل الحرب إلى أزمة عالمية
الدور اليمني بات أكثر أهمية من مجرد إطلاق صواريخ أو مسيّرات بعيدة المدى.
في 10 أيلول/سبتمبر، أفادت رويترز بأن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا وتقدموا على ساحل البحر الأحمر ووصلوا إلى جزر حنيش، بما يزيد نفوذهم بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
هذا التطور، إذا استمر، يعطي جبهة اليمن وزناً مختلفاً تماماً.
فباب المندب لا يرتبط فقط بإسرائيل. إنه شريان للتجارة الدولية والطاقة وحركة السفن بين آسيا وأوروبا.
ولهذا فإن وظيفة اليمن في مواجهة إقليمية شاملة يمكن أن تكون اقتصادية وجيوستراتيجية بقدر ما هي عسكرية.
وإذا تزامن اضطراب البحر الأحمر مع أزمة في مضيق هرمز، يصبح استمرار الحرب قضية تتجاوز أطرافها المباشرين وتدخل بسرعة في حسابات أسواق النفط والشحن والتأمين والقوى الدولية.
العراق.. توسيع مساحة المعضلة الأميركية
أما العراق فيمثل الجبهة الأكثر تعقيداً سياسياً.
الفصائل المسلحة القريبة من إيران تمتلك القدرة على ممارسة ضغط عسكري، لكنها تعمل داخل دولة لديها حساباتها ومؤسساتها وانقساماتها الداخلية.
وفي 9 أيلول/سبتمبر، أفادت رويترز بأن خمس مجموعات مسلحة متحالفة مع إيران رفضت مهلة حكومية تنتهي في 30 أيلول لتسليم سلاحها أو الاندماج في القوات الرسمية.
ولهذا قد لا تكون الوظيفة العراقية في أي مواجهة كبرى نسخة عن الوظيفة اللبنانية.
الأرجح أن قيمتها تكمن في توسيع الحيز الذي يتعين على الولايات المتحدة مراقبته والدفاع عنه، وزيادة الضغوط على قواعدها ومصالحها وشركائها الإقليميين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحول العراق إلى جبهة حرب تقليدية.
إيران.. إدارة المخزون أهم من الضربة الأولى
أما إيران فتمثل المستوى الاستراتيجي الأعلى في هذا النموذج.
لكن دخولها المباشر لا يعني بالضرورة استخدام أقصى حجم ممكن من النيران في الساعات الأولى.
في حرب طويلة، يصبح مخزون الصواريخ والمسيّرات، والقدرة على إعادة الإنتاج، والقدرة على المحافظة على الإيقاع العملياتي عناصر لا تقل أهمية عن قوة الضربة الافتتاحية.
ولهذا فإن منطق الاستنزاف قد يدفع إلى استخدام النيران على شكل موجات متكررة ومحسوبة، بما يجبر إسرائيل والقوات الأميركية على إبقاء منظومات الإنذار والدفاع في حالة جاهزية مستمرة.
الهدف هنا ليس فقط إصابة أهداف، بل استهلاك الوقت والموارد والانتباه.
المفاجأة قد لا تكون في مكان الهجوم
من الصعب في عصر الأقمار الصناعية والاستطلاع الإلكتروني والطائرات المسيّرة إخفاء استعداد عسكري إقليمي واسع بشكل كامل.
لذلك، فإن المفاجأة الأكثر خطورة لا تحتاج إلى أن تكون في وجود القوات أو الصواريخ.
قد تكون المفاجأة في القرار والتوقيت وترتيب الجبهات.
قد ترى أجهزة الاستخبارات سلسلة استعدادات صحيحة، لكنها لا تعرف أيها يمثل مقدمة للحرب وأيها يمثل ضغطاً سياسياً أو احتياطاً دفاعياً.
وقد تتوقع أن تكون الضربة الإيرانية هي مركز الحدث، بينما تكون الحركة الأكثر أهمية على الأرض في جنوب لبنان.
أو قد تركز على لبنان وإيران، بينما يتحول باب المندب والسعودية إلى نقطة الضغط ذات التأثير الاقتصادي الأكبر.
وهنا تصبح كثرة المعلومات نفسها مشكلة إذا لم يكن ممكناً تحديد الإشارة الحاسمة وسط النشاط المتزامن.
ماذا يمكن أن يكون مركز الثقل؟
في مواجهة من هذا النوع، لا يبدو أن مركز الثقل هو منظومة دفاع جوي بعينها أو موقع جغرافي منفرد.
الأهم هو قدرة الطرف المقابل على المحافظة على تماسك منظومة الحرب متعددة الجبهات.
بالنسبة إلى المحور، النجاح يعني منع إسرائيل والولايات المتحدة من فصل المسارح بعضها عن بعض.
أما بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، فالأولوية ستكون على الأرجح عكس ذلك تماماً: تفكيك التزامن، عزل الجبهات، ضرب شبكات القيادة والإمداد، ثم التعامل مع كل ساحة بصورة منفصلة.
إذا تمكنت إسرائيل من حصر لبنان في لبنان، واليمن في اليمن، والعراق في العراق، وإيران في إيران، فإن إحدى أهم مزايا الحرب متعددة الجبهات تتراجع.
أما إذا أصبحت القرارات العسكرية في مسرح تؤثر مباشرة في القدرة على إدارة مسرح آخر، فإن المواجهة تكون قد انتقلت فعلاً إلى مستوى إقليمي مختلف.
ثلاثة مسارات محتملة
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تصعيد متعدد الجبهات لكنه مضبوط نسبياً، حيث يرتفع الضغط الإيراني واليمني والعراقي، فيما يصبح الهدف اللبناني الأساسي منع تثبيت «المنطقة الأمنية» الإسرائيلية وإعادة الضغط من أجل الانسحاب، من دون الاندفاع مباشرة إلى حرب برية عميقة.
أما السيناريو الأخطر، فهو أن تتحول محاولة تغيير الواقع الميداني في جنوب لبنان إلى شرارة لحرب أوسع بالتزامن مع عمليات إيرانية ويمنية وعراقية، فترد إسرائيل بتوسيع نطاق عملياتها ويزداد التدخل الأميركي، ما يجعل إعادة ضبط سقف التصعيد أكثر صعوبة.
ويبقى سيناريو ثالث يقوم على استخدام الاستعدادات وتعدد الجبهات كأداة ضغط تفاوضي، وصولاً إلى ترتيبات أمنية أو سياسية تؤجل الانفجار الأكبر.
ماذا يجب مراقبته؟
الإنذار الحقيقي لن يأتي على الأرجح من إطلاق صاروخ أو مسيّرة منفردة، بل من تزامن تغيرات غير اعتيادية عبر أكثر من جبهة.
الأكثر أهمية سيكون مراقبة ارتفاع مستويات الجاهزية، حركة الاحتياط، النشاط اللوجستي والطبي، تغير انتشار القيادات، حركة الطيران والقطع البحرية، الدفاعات الجوية، التحذيرات الدبلوماسية، إجراءات الإخلاء، والتغير في الخطاب السياسي من رسائل الردع العامة إلى إعلان أهداف عسكرية وسياسية محددة.
فإذا بدأت هذه المؤشرات تظهر بصورة مترابطة في لبنان وإيران والعراق واليمن خلال فترة زمنية قصيرة، يصبح احتمال الانتقال إلى مرحلة جديدة أعلى بكثير.
الخلاصة
إذا فُتحت «المعركة الكبرى»، فمن غير المرجح أن يكون حزب الله هو الطرف الذي يبدأها منفرداً، ولا أن تكون الضربة الافتتاحية هي جوهر الخطة.
السيناريو الأكثر خطورة هو توسع أفقي للمسارح، يتبعه استغلال تشتت الموارد لفرض معادلة جديدة على الأرض، خصوصاً في جنوب لبنان.
وفي هذا الإطار، قد يكون الهدف اللبناني المباشر أقل ارتباطاً بالتوغل داخل إسرائيل وأكثر ارتباطاً بإسقاط مفهوم «المنطقة الأمنية» ومنع تحوله إلى واقع دائم.
أما الاختبار الحقيقي للمحور فلن يكون عدد الجبهات التي تستطيع إطلاق النار، بل قدرته على جعل هذه الجبهات تعمل ضمن تأثير استراتيجي مترابط.
وعندها فقط تصبح المواجهة مختلفة: لا يعود السؤال أي جبهة ستشتعل، بل ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة قادرتين على منع تحول مجموعة حروب متفرقة إلى حرب إقليمية واحدة متعددة المسارح.
ملاحظة تحريرية: هذا النص تقدير تحليلي مبني على المعلومات المفتوحة وأنماط القتال المعلنة حتى مساء 10 أيلول/سبتمبر 2026، ولا يعني وجود معلومات مؤكدة عن قرار أو خطة عمليات مشتركة لفتح حرب شاملة.



