عاجل
عاجل
دخل اسم الصاروخ الإيراني «قاسم بصير» Qassem Basir بقوة إلى واجهة المواجهة البحرية بين إيران والولايات المتحدة، بعد تقارير تحدثت عن استخدام طهران للمرة الأولى صواريخ مزودة بمنظومة توجيه كهروضوئي Electro-Optical في محاولة لاستهداف سفن حربية أميركية قرب مضيق هرمز.
ونشرت صحيفة نيويورك بوست في 9 سبتمبر/أيلول تقريراً قالت فيه إن الحرس الثوري الإيراني استخدم صواريخ بتوجيه كهروضوئي للمرة الأولى خلال هجمات على قطع بحرية أميركية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أنه لم يتضح بصورة قاطعة ما إذا كان السلاح المستخدم هو صاروخ «قاسم بصير» تحديداً.
وهذه النقطة أساسية في التحقق: استخدام إيران صواريخ باليستية ضد سفن أميركية مؤكد أميركياً، أما تحديد الصاروخ المستخدم بأنه «قاسم بصير» وتأكيد أول استخدام قتالي له فيبقيان غير مثبتين بصورة مستقلة حتى الآن.
ماذا حدث في البحر؟
أكدت القيادة المركزية الأميركية CENTCOM أن الحرس الثوري أطلق في 5 سبتمبر/أيلول صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات أميركية ومدمرة صواريخ موجهة كانتا تعملان في مياه المنطقة، وقالت إن القطعتين تمكنتا من تفادي الهجمات من دون وقوع إصابات في صفوف القوات الأميركية.
وعادت سنتكوم في 8 سبتمبر لتعلن أن سفينة حربية أميركية استُهدفت مرتين خلال يومين بصواريخ باليستية إيرانية، وأن السفينة نجحت في تفادي الهجمات. ولم يسمِّ البيان الأميركي نوع الصواريخ المستخدمة أو نظام توجيهها.
في المقابل، قالت وسائل إعلام إيرانية إن صاروخاً أكثر تطوراً جرى اختباره ضد سفينة حربية أميركية، وربطت التقارير بين ذلك وبين «قاسم بصير». لكن تقريراً لوكالة أسوشيتد برس شدد على أنه لم يكن واضحاً ما إذا كان الصاروخ الذي تحدث عنه المسؤولون الإيرانيون هو بالفعل «قاسم بصير».
رويترز نقلت بدورها في 8 سبتمبر أن الإعلام الرسمي الإيراني قال إن إيران أطلقت «قاسم بصير»، في سياق تهديدات جديدة للوجود الأميركي في الخليج، لكن ذلك يظل توصيفاً إيرانياً للهجوم وليس تحديداً تقنياً مستقلاً استناداً إلى حطام أو بيانات أميركية.
ما هو «قاسم بصير»؟
كشفت إيران الصاروخ للمرة الأولى في مايو/أيار 2025، وقدمته على أنه تطوير لعائلة «حاج قاسم» الباليستية.
وبحسب المعلومات التي عرضتها وزارة الدفاع الإيرانية، يعمل الصاروخ بالوقود الصلب ويبلغ مداه المعلن 1200 كيلومتر على الأقل، مع تحسينات في القدرة على المناورة والتوجيه خلال المرحلة الأخيرة من الرحلة. وكانت طهران قد أعلنت أن أحدث اختبار معروف له آنذاك جرى في 17 أبريل/نيسان 2025.
لكن العنصر الأكثر أهمية ليس المدى، إذ تمتلك إيران صواريخ أخرى بمديات أكبر، بل نظام التوجيه النهائي الكهروضوئي الذي يُفترض أن يسمح للرأس العائد للصاروخ برؤية الهدف وتصحيح مساره باتجاهه.
مؤسسة Iran Watch تصنف «قاسم بصير» على أنه نسخة مطورة من «حاج قاسم» مزودة على الأرجح بباحث كهروضوئي لتوفير التوجيه النهائي، وتشير إلى أن هذه التقنية تكون مفيدة خصوصاً في الصواريخ المضادة للسفن لأنها قد تساعد في التعامل مع أهداف متحركة بدلاً من مجرد ضرب إحداثيات ثابتة.
كيف يعمل التوجيه الكهروضوئي؟
الصاروخ الباليستي التقليدي ينطلق بسرعات عالية ويتبع مساراً محسوباً وصولاً إلى منطقة الهدف، مع الاعتماد أساساً على أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي وربما تحديثات ملاحية إضافية.
أما في «قاسم بصير»، فالتقارير المتخصصة تشير إلى إضافة عين إلكترونية داخل الرأس أو المركبة العائدة.
مجلة Jane’s الدفاعية ذكرت عند الكشف عن الصاروخ أن وزير الدفاع الإيراني وصفه بأنه مزود بنظام توجيه كهروضوئي، وأن مقطعاً عرضته إيران تضمن صوراً بالأبيض والأسود بدت كأنها ملتقطة من باحث الصاروخ أثناء هبوطه على الهدف، وهو ما يرجح استخدام حساس يعمل بالأشعة تحت الحمراء أو منظومة تصوير حرارية.
عملياً، يمكن تبسيط عمله إلى أربع مراحل:
أولاً: ينطلق الصاروخ باتجاه منطقة الهدف مستخدماً محركه الصلب ونظام الملاحة الداخلي.
ثانياً: تصل المركبة العائدة إلى المجال الذي يُتوقع وجود الهدف داخله.
ثالثاً: يبدأ الباحث الكهروضوئي أو الحراري بمسح المشهد ومحاولة مطابقة ما يراه مع المعلومات المخزنة لديه عن الهدف.
رابعاً: إذا نجحت عملية الاكتساب والتعقب، يجري الصاروخ تصحيحات نهائية في اتجاهه للوصول إلى الهدف.
هذا مختلف عن صاروخ يعتمد بالكامل على إحداثيات GNSS مثل GPS. فالباحث البصري لا يحتاج، خلال المرحلة النهائية، إلى استقبال إشارة ملاحة فضائية كي «يرى» الهدف.
لماذا يمثل ذلك أهمية ضد السفن؟
السفينة الحربية هدف أصعب كثيراً من قاعدة جوية أو مبنى لأنها تغير موقعها باستمرار.
إذا أُطلق صاروخ باليستي على آخر إحداثيات معروفة لسفينة ولم يمتلك قدرة على تحديث موقعها، فقد تصل السفينة إلى مكان مختلف قبل وصول الصاروخ.
هنا تظهر القيمة النظرية للباحث الكهروضوئي: الصاروخ يصل إلى منطقة البحث، ثم يحاول أن يعيد العثور على السفينة خلال المرحلة النهائية ويلاحق موقعها الحقيقي.
Iran Watch يشير تحديداً إلى أن الباحثات الكهروضوئية تستخدم عادة في الصواريخ الباليستية المضادة للسفن لمساعدتها على التعامل مع هدف متحرك.
وهذا لا يعني أن الصاروخ قادر تلقائياً على إصابة أي سفينة يراها. نجاح الهجوم يعتمد أيضاً على دقة تحديد موقع السفينة قبل الإطلاق، وحجم منطقة البحث، ومدى رؤية الباحث، والظروف الجوية والبحرية، وقدرة الصاروخ على المناورة، وسرعة السفينة، إضافة إلى أداء الدفاعات الأميركية.
هل يمكن التشويش عليه؟
أحد الادعاءات الإيرانية الرئيسية هو أن «قاسم بصير» مصمم للعمل من دون الاعتماد على GPS في مرحلة التوجيه النهائي.
وهذا يجعله، من حيث المبدأ، أقل تأثراً بالتشويش التقليدي على أنظمة الملاحة الفضائية.
Jane’s نقلت عن وزير الدفاع الإيراني أن منظومة التوجيه صُممت لتكون مقاومة للحرب الإلكترونية. لكن المجلة لم تؤكد بشكل مستقل مستوى هذه المقاومة، كما أن وصف إيران للصاروخ بأنه قادر على تجاوز أنظمة الدفاع لا يمثل دليلاً ميدانياً على ذلك.
ومن المهم التمييز بين مقاومة التشويش ومقاومة الاعتراض.
فكون الباحث لا يعتمد على GPS لا يعني أن الصاروخ لا يمكن كشفه أو اعتراضه بواسطة منظومات الدفاع الصاروخي.
هل أصاب سفينة أميركية؟
حتى الآن، لا يوجد دليل علني موثوق يثبت أن صاروخاً إيرانياً أصاب سفينة حربية أميركية في الهجمات الأخيرة.
سنتكوم تقول إن القطع البحرية المستهدفة نجحت في تفادي الهجمات ولم تسجل خسائر بشرية.
وهذا مهم في تقييم القدرات: إطلاق سلاح متطور لأول مرة، إذا ثبت ذلك، لا يساوي بالضرورة نجاحه العملياتي.
إذا كان «قاسم بصير» قد استخدم فعلاً، فإن الهجوم يشكل اختباراً قتالياً مهماً للتكنولوجيا الإيرانية، لكنه لا يقدم حتى الآن دليلاً مستقلاً على أن منظومة التوجيه الكهروضوئي تمكنت من اكتساب سفينة أميركية وإصابتها.
هل «قاسم بصير» أول صاروخ إيراني كهروضوئي؟
ليس بالمعنى المطلق.
إيران عرضت سابقاً صواريخ مضادة للسفن تستخدم باحثات كهروضوئية، بينها «خليج فارس»، كما عرضت لاحقاً «ذوالفقار بصير». وتشير Jane’s إلى أن «خليج فارس» استخدم باحثاً كهروضوئياً، بينما ظهر «ذوالفقار بصير» بقبة شفافة في مقدمة الرأس توحي بباحث مماثل.
لذلك فإن التطور في «قاسم بصير» يتعلق أساساً بدمج هذه الفكرة مع صاروخ باليستي ذي مدى أكبر بكثير، يصل وفق الرواية الإيرانية إلى نحو 1200 كيلومتر.
ماذا يعني ذلك عسكرياً؟
إذا ثبت أن «قاسم بصير» يستطيع فعلاً اكتشاف سفينة متحركة ومناورتها في المرحلة النهائية، فإن إيران تكون قد وسعت نظرياً دائرة التهديد أمام القطع البحرية الأميركية بعيداً عن الساحل الإيراني.
لكن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى أكثر من بيانات رسمية أو تسجيل دعائي.
يلزم إثبات سلسلة كاملة من القدرات تبدأ من اكتشاف السفينة وتحديد موقعها بدقة، مروراً بنقل إحداثياتها إلى منصة الإطلاق، ثم إيصال الصاروخ إلى منطقة البحث، وانتهاءً باكتساب الباحث الكهروضوئي للهدف وتحقيق إصابة فعلية.
حتى الآن، الجزء المؤكد من هذه السلسلة هو أن إيران تمتلك الصاروخ، وأنها أعلنت وجود نظام توجيه كهروضوئي فيه، وأن الولايات المتحدة أكدت تعرض سفنها لهجمات بصواريخ باليستية خلال سبتمبر/أيلول.
أما الجزم بأن «قاسم بصير» هو الصاروخ الذي استخدم، وأن الباحث الكهروضوئي عمل ضد السفن الأميركية بنجاح، فلا يزال يحتاج إلى أدلة إضافية مستقلة.
خلاصة التحقق
FACT:
إيران كشفت «قاسم بصير» عام 2025 كصاروخ باليستي يعمل بالوقود الصلب بمدى معلن يبلغ 1200 كيلومتر على الأقل.
FACT: مصادر دفاعية متخصصة تؤكد أن الصاروخ عُرض بمنظومة توجيه كهروضوئي في مرحلته النهائية.
FACT: القيادة المركزية الأميركية أكدت إطلاق إيران صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أميركية في سبتمبر/أيلول 2026.
CLAIM: أن الصاروخ المستخدم في جميع هذه الهجمات كان «قاسم بصير».
CLAIM: أن هجوم 9 سبتمبر كان أول استخدام قتالي مؤكد لمنظومة التوجيه الكهروضوئي الإيرانية بعيدة المدى ضد سفن حربية.
غير مثبت: إصابة سفينة حربية أميركية بواسطة «قاسم بصير» أو نجاح الباحث الكهروضوئي في تحقيق قفل نهائي على هدف بحري أميركي.
وبذلك، يمثل «قاسم بصير» تطوراً تقنياً يستحق المتابعة، خصوصاً في مجال الصواريخ الباليستية المضادة للسفن والتوجيه النهائي المستقل عن GPS، لكن الصورة العملياتية الكاملة لقدراته لا تزال أبعد من أن تُحسم استناداً إلى المواد المنشورة حتى الآن.
