وأكدت المفوضية، في بيان صدر في الأول من أكتوبر، أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال بين الدول الثلاث، وحثتها على معالجة خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية القائمة والحوار السلمي، بما يتماشى مع مبادئ القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي.
وأبدى الاتحاد الإفريقي استعداده، بالتشاور مع الأطراف المعنية، لدعم جهود خفض التصعيد وفتح المجال أمام الحوار والتوصل إلى حلول سلمية للخلافات القائمة.
ويأتي التحرك الإفريقي في ظل تصعيد دبلوماسي متزامن بين الدول الثلاث، إذ أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين، قبل أن ترد إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا. كما أعلنت أديس أبابا طرد دبلوماسي مصري واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، بينما ردت القاهرة بإجراء مماثل تجاه مسؤول في السفارة الإثيوبية.
وتتزامن هذه التطورات مع تجدد القتال في شمال إثيوبيا، إلى جانب استمرار الخلافات المرتبطة بسد النهضة وملف المياه، فضلاً عن التنافس حول الوصول إلى البحر الأحمر والتحولات في التحالفات الأمنية والعسكرية في منطقة القرن الإفريقي.
ويثير تزامن هذه الملفات مخاوف من انتقال التوترات السياسية والدبلوماسية إلى نطاق أوسع في منطقة القرن الإفريقي، وهو ما يفسر دعوة الاتحاد الإفريقي إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية لتجنب مزيد من التصعيد.
إثيوبيا والبحث عن منفذ إلى البحر الأحمر
ويُعد ملف الوصول إلى البحر الأحمر أحد أبرز العوامل التي تزيد تعقيد المشهد في منطقة القرن الإفريقي، إذ تسعى إثيوبيا، التي فقدت منفذها المباشر إلى البحر بعد استقلال إريتريا عام 1993، إلى تقليل اعتمادها على الموانئ الأجنبية، وفي مقدمتها الموانئ الجيبوتية، التي تمر عبرها النسبة الأكبر من تجارتها الخارجية.
ولا يتعلق الأمر بالوصول التجاري فقط، بل يرتبط أيضاً بالطموح الإثيوبي إلى امتلاك قدرة بحرية تمنحها هامشاً أكبر من الحركة الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن. وقد ظهر ذلك بوضوح في مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال في يناير 2024، والتي تضمنت ترتيبات للحصول على منفذ ساحلي، مع حديث عن إمكانية إقامة قاعدة بحرية إثيوبية، وهو ما أثار اعتراض الحكومة الصومالية وأصبح أحد الملفات الرئيسية في التنافس الإقليمي حول البحر الأحمر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بسبب موقع إريتريا، التي تمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وموانئ استراتيجية، أبرزها ميناء عصب وميناء مصوع. ومنذ انفصال إريتريا، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد على دول الجوار للوصول إلى الممرات البحرية، بينما ظل الوصول إلى البحر جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية على المدى الطويل.
ومن هنا تختلف نظرة الأطراف إلى القضية. فبالنسبة لإثيوبيا، يمثل الوصول إلى البحر مسألة اقتصادية واستراتيجية مرتبطة بحجم اقتصادها وعدد سكانها وحاجتها إلى منافذ تجارية متعددة. أما بالنسبة لإريتريا، فإن أي تحرك إثيوبي باتجاه إنشاء وجود عسكري أو بحري دائم على ساحل البحر الأحمر يمكن أن يُنظر إليه باعتباره تطوراً يمس مباشرة أمنها ومصالحها الاستراتيجية.
أما مصر، فتتعامل مع الملف من زاوية أوسع، إذ إن البحر الأحمر يمثل امتداداً مباشراً لأمن قناة السويس، كما أن وجود قوة إقليمية كبيرة مثل إثيوبيا على الساحل يمكن أن يضيف بعداً عسكرياً جديداً إلى الخلافات القائمة بين القاهرة وأديس أبابا، خصوصاً في ظل النزاع المستمر حول سد النهضة المثير للجدل وقواعد تشغيله وتأثيراته على مياه النيل.
ولهذا السبب، فإن حصول إثيوبيا على منفذ تجاري إلى البحر لا يعني بالضرورة مواجهة مباشرة مع مصر، لكن إقامة قاعدة بحرية أو وجود عسكري دائم قد تكون لها تداعيات مختلفة تماماً على ميزان القوى. وفي هذا السياق، ظهرت خلال عام 2026 مؤشرات على إمكانية بحث صيغة تسمح لإثيوبيا بالاستفادة من منفذ بحري لأغراض تجارية، مقابل عدم تحويل هذا المنفذ إلى قاعدة عسكرية دائمة.
ويضاف إلى ذلك أن البحر الأحمر أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد، مع وجود قواعد ومنشآت عسكرية لقوى مختلفة في جيبوتي وإريتريا ومحيط باب المندب، فضلاً عن الأهمية المتزايدة للممر البحري الذي يربط المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط.
أما مصر، فقد أصبحت طرفاً مهماً في هذه المعادلة بسبب الخلاف الممتد مع إثيوبيا حول سد النهضة، إلى جانب ارتباط أمن البحر الأحمر مباشرة بأمن الملاحة وقناة السويس. وتتهم أديس أبابا القاهرة، إلى جانب السودان، بدعم خصومها المسلحين، وهي اتهامات تنفيها الدولتان.
أزمة البحر الأحمر لم تعد مجرد خلاف حول حق إثيوبيا في الوصول إلى الموانئ، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع تتداخل فيه طموحات إثيوبيا البحرية، والتوتر العسكري المتصاعد مع إريتريا، والخلاف مع مصر حول مياه النيل، إلى جانب تنافس إقليمي على الموانئ والقواعد والنفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتكشف دعوة مفوضية الاتحاد الإفريقي في الأول من أكتوبر الدول الثلاث إلى ممارسة “أقصى درجات ضبط النفس” والامتناع عن الإجراءات أو التصريحات التي يمكن أن تزيد التوتر، مدى القلق من تحول الخلافات الحالية إلى أزمة إقليمية أوسع. وأكد الاتحاد الإفريقي ضرورة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتسوية الخلافات عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية.