وفي أبريل 2026، تحدثت تقارير رسمية عن مشاركة عدة مقاتلات J-15T و J-35 وطائرات الإنذار المبكر KJ-600 في تشكيل قتالي وتنفيذ تدريبات منسقة ومنهجية. وهذه نقطة مهمة، لأن انتقال المقاتلة من طائرة واحدة إلى تشغيل عدة طائرات معًا يعني توفر الطيارين وأطقم الصيانة وقطع الغيار وأدلة التدريب وأنظمة القيادة والدعم.
وبالتالي، بدأ السؤال حول J-35 ينتقل من «هل تعمل المقاتلة بالفعل؟» إلى «كم عددها الذي تستطيع الصين إنتاجه وإدخاله الخدمة؟»
ومن المنظور الأمريكي، لا يتعلق الأمر بمقاتلة صينية واحدة، وإنما بالقدرة الصناعية الصينية على تحويل مقاتلة شبحية من نموذج جديد إلى سلاح يُنتج بأعداد كبيرة. فالولايات المتحدة أنتجت أكثر من 1000 مقاتلة إف-35، وبمعدل يتجاوز 100 طائرة سنويًا، عبر 3 نسخ مخصصة لـ3 أفرع عسكرية، إضافة إلى أكثر من 12 شريكًا دوليًا. وهذه القدرة الإنتاجية تمثل ميزة استراتيجية لأنها تسمح بتعويض الخسائر والحفاظ على العمليات لفترات طويلة.
لذلك، فإن المقارنة بين J-35 وإف-35 في مواجهة فردية ليست السؤال الأهم. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الصين إنتاج J-35 بأعداد تجعلها تحديًا حقيقيًا للولايات المتحدة وحلفائها؟
حتى الآن، لم تكشف الصين رسميًا العدد الإجمالي للطائرات المنتجة. وتوجد تقديرات من مصادر مفتوحة، اعتمادًا على أرقام الهياكل وصور الأقمار الصناعية والصور المنشورة، تشير إلى احتمال إنتاج عشرات الطائرات، لكن لا يمكن الجزم بأن رقمًا معينًا يعني الطائرة رقم 20 أو 30 أو 40 قبل معرفة قواعد الترقيم الرسمية.
والأهم من الرقم الحالي هو معرفة ما إذا كان البرنامج قد انتقل من مرحلة «نستطيع بناء الطائرة» إلى مرحلة «نستطيع إنتاجها باستمرار». فإنتاج النموذج الأولي مسألة تطوير، بينما إنتاج عشرات أو مئات المقاتلات بجودة ثابتة يتطلب منظومة صناعية كاملة تشمل المحركات والرادارات وإلكترونيات الطيران والمواد المركبة والطلاءات الشبحية والأسلحة وقطع الغيار.
كم J-35 تحتاج الصين؟
قد تبدو الحاجة إلى J-35 محدودة إذا تم حساب عدد الطائرات التي تستطيع حاملة فوجيان استيعابها، لكن هذا الحساب لا يأخذ في الاعتبار طائرات التدريب والصيانة والاحتياط، ولا حقيقة أن الطائرات البحرية تتعرض لظروف تشغيل أقسى بسبب عمليات الهبوط بالإيقاف والإقلاع بالمنجنيق والرطوبة والملوحة ورذاذ البحر.
كما أن حاملات الطائرات الصينية المستقبلية لن تعتمد على J-35 وحدها. فستعمل إلى جانب J-15T ذات الحمولة والمدى الأكبر، و KJ-600 للإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية.
وهنا تؤدي J-35 دور المقاتلة الشبحية التي تتعامل مع البيئات عالية التهديد والأهداف الأكثر صعوبة، قبل أن تتولى المنظومة الجوية بقية المهام. وهذا يشبه من حيث المبدأ تشغيل البحرية الأمريكية لـ F-35C إلى جانب F/A-18 Super Hornet و EA-18G Growler.
لكن الحسابات تصبح أكبر بكثير عند إضافة النسخة البرية J-35A. فالقوات الجوية الصينية تمتلك أعدادًا كبيرة من مقاتلات الجيل الرابع والرابع والنصف، وستحتاج هذه الطائرات إلى إحلال تدريجي خلال السنوات والعقود المقبلة.
وفي حين تستطيع J-20 تغطية المهام الأعلى أهمية، فإن استخدام مقاتلة شبحية ثقيلة لكل المهام قد لا يكون اقتصاديًا أو عمليًا. وهنا يمكن لـ J-35A أن توفر مقاتلة شبحية متوسطة بأعداد أكبر، بينما تعمل النسخة البحرية منها على حاملات الطائرات.
ولهذا، فإن إنتاج نحو 100 مقاتلة J-35 مخصصة للعمل على متن حاملات الطائرات يبدو رقمًا منطقيًا، بينما قد يصل إجمالي إنتاج عائلة J-35، بما في ذلك النسخة البرية J-35A ، إلى عدة مئات من الطائرات مستقبلًا، بالنظر إلى احتياجات القوات الجوية والبحرية الصينية.
لماذا يمثل ذلك تحديًا للولايات المتحدة؟
إذا نجحت الصين في إنتاج مقاتلة شبحية متوسطة بأعداد كبيرة وتشغيلها من القواعد الجوية وحاملات الطائرات، فقد تواجه الولايات المتحدة مستقبلًا قوة شبحية صينية بأعداد أكبر بكثير مما اعتادت عليه، وهو ما سيغير طبيعة الحسابات المتعلقة بالتفوق الجوي في المنطقة.
كما يفرض ذلك أسئلة حول القاعدة الصناعية الأمريكية: هل تستطيع واشنطن زيادة إنتاج الإف-35 بسرعة إذا احتاجت إلى تعويض خسائر كبيرة؟ وهل تستطيع تلبية طلبات الحلفاء بوتيرة أعلى؟
والأهم أن J-35 لا تُطور بمعزل عن باقي المنظومة الصينية؛ فهي تظهر إلى جانب J-20 و J-16 و J-15T و KJ-600، إضافة إلى الطائرات غير المأهولة والرادارات وروابط البيانات والأسلحة والبنية التحتية للتدريب والصيانة.
وهذا يعني أن الصين لا تبني مقاتلة فقط، وإنما تبني منظومة متكاملة للقوة الجوية والبحرية.
وفي حال دخول J-35 بأعداد كبيرة إلى الخدمة، ستضطر البحرية الأمريكية إلى إعادة التفكير في تشغيل حاملات الطائرات ضمن بيئة تتوافر فيها أعداد كبيرة من المقاتلات الشبحية، مع زيادة أهمية الضربات بعيدة المدى والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والعمليات الموزعة.
كما ستنعكس هذه التطورات على حسابات حلفاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، فضلًا عن التوازنات المرتبطة بتايوان، إذ قد تمنح J-35A الصين قدرة أكبر على الحفاظ على حضور وضغط جوي متواصل، مستفيدة من قدرات التخفي وإمكانية تشغيل أعداد كبيرة منها.
من «هل تستطيع الصين؟» إلى «كم تستطيع أن تنتج؟»
خلال أكثر من عقد، تغير السؤال حول الطيران البحري الصيني عدة مرات. في البداية كان النقاش يدور حول قدرة الصين أصلًا على تشغيل الطائرات من حاملات الطائرات. ثم دخلت لياونينغ وشاندونغ الخدمة، وأصبح السؤال يتعلق بزيادة عدد الطائرات البحرية.
ومع وصول فوجيان والمنجنيقات الكهرومغناطيسية وظهور KJ-600 و J-35، أصبح النقاش الآن يدور حول عدد المقاتلات الشبحية التي تحتاجها الصين لتجهيز حاملات الطائرات المستقبلية.
وهذا يعكس نضج منظومة الطيران البحري الصينية؛ فقوة حاملة الطائرات لا تتحدد بحجمها فقط، وإنما بقدرتها على إطلاق الطائرات وإعادتها وصيانتها وإعادة تسليحها بسرعة، وبوجود الطيارين وقطع الغيار والذخائر وطائرات الإنذار المبكر، وبقدرة الصناعة على تعويض الخسائر.
ولا تقتصر أهمية إنتاج J-35 بأعداد كبيرة على احتياجات الصين وحدها، إذ كشفت بكين بالفعل عن J-35AE ، وهي النسخة المخصصة للتصدير، ما يفتح المجال أمام دخول المقاتلة إلى أسواق خارجية مستقبلًا. ومع توسع الإنتاج وبدء إبرام عقود تصديرية، يمكن أن تصبح J-35AE منافسًا مهمًا في سوق المقاتلات الشبحية المتوسطة، خصوصًا للدول التي تواجه قيودًا سياسية أو مالية تحول دون الحصول على إف-35 الأمريكية، أو تبحث عن بديل خارج المنظومة الأمريكية.
وسيمنح نجاح برنامج J-35 الصين فرصة لتوسيع حضورها في سوق المقاتلات الشبحية، لكن حجم الصادرات سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها قدرة الإنتاج المحلي، وأولويات القوات الجوية والبحرية الصينية، وشروط بكين السياسية والتقنية، إلى جانب قدرتها على توفير التدريب وقطع الغيار والدعم الفني واللوجستي للمشغلين الأجانب.
وفي حال توسع الإنتاج الصيني إلى عدة مئات من الطائرات، فإن تخصيص جزء منها للتصدير سيصبح أكثر واقعية من الناحية الصناعية، وقد تتحول J-35 عندها من مقاتلة مخصصة أساسًا للقوات الصينية إلى منصة شبحية صينية ذات حضور دولي، بما يضيف بُعدًا جديدًا للمنافسة في سوق المقاتلات المتقدمة.
وبدأت تظهر مؤشرات على اهتمام دول عدة بها، في مقدمتها باكستان ومصر. وتُعد باكستان من أبرز المرشحين للحصول عليها، مع تقارير متكررة حول إمكانية اقتناء نحو 40 مقاتلة، بينما برز الاهتمام المصري بالمقاتلة في ظل تنامي التعاون العسكري بين القاهرة وبكين.
